بيّنا في الحلقة السابقة اختلاف الفقهاء ، في المتعة هل هي واجبة لكل مطلقة سواء فرض لها صداق أم لم يفرض وسواء دخل بها الزوج أم لم يدخل ، وسنبين في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ الرأي القانوني في ذلك : حيث نصت المادة ( 91) من قانون الأحوال الشخصية على أنه : ( تستحق المطلقة المدخول بها المتعة حسب يسر المطلق ) فقد أفاد هذا النص على أن المتعة لكل مطلقة ، ويرجع تقديرها إلى المحكمة التي تنظر الدعوى حسب يسر الزوج ، والقول بالعموم هو الأولى الأخذ به فتستحق كل مطلقة المتعة وذلك لأن الطلاق بيد الرجل وقد يسيء استعماله فيطلق لأتفه الأسباب خصوصاً وأن أغلب حالات الطلاق لا مبرر لها سوى الجهل والتصرف غير المسؤول والتسلط ، فقد يطلق الزوج امرأته لأنها لم تتفق مع رأيه أو أنها خرجت لزيارة والديها أو أن الطعام الذي أعددته له لا يناسبه فيطلقها لمثل هذه الأسباب فيبقى أثر هذا الطلاق على نفسيتها ويضر بسمعتها وينعكس سلباً على مستقبل حياتها فتكون هذه المتعة تطيب لخاطرها وحفظاً لكرامتها وجبرٌ لعواطفها ، ويروى أن الحسن بن علي متع جارية بعشرة آلاف درهم فقالت متاعاً قليلا من حبيب مفارق ، ورغم ما يدل عليه موقف الحسن من أصالة الكرم في ابن بنت الرسول صلى الله عليه وسلم حيث دفع لها متعة أكثر من ثمنها إلا أن هذا العطاء الجزيل لم يطيب خاطرها في مفارقته لها ، وصوّر هذا الموقف في جملته مقدار الجرح الذي يتركه الطلاق في نفس المرأة وأن أي مبلغ من الإحسان إليها عند الفراق لا يعوضها ما فقدت ولا يضمد إحساسها بالألم واللوعة والأسى .
فإذا انتقلت هذه الصورة الكريمة التي شرعها الله تبارك وتعالى لمعاملة الزوج لزوجته إذا استحال بينهما استمرار العشرة إلى الصورة المؤلمة التي يرتكبها الناس مكايدة وإيذاء لزوجاتهم وألوان التعسف التي يمارسها مما يجر المرأة إلى أن تحتاط للكيد بالكيد مما كانت نتيجة مؤلمة للأسر والمجتمع .
وإذا أخذنا بقول من يرى وجوبها على كل مطلق لحافظنا على أسرار البيوت وصنا أعراض المسلمين من أن تنالها الألسن ، وأن يتحدث بها في ساحات المحاكم ، ولم يشتعل الشر بين الأسر ، وإذا علم المسلم أن ما طبق عليه من نظام المتعة هو وفق ما أمر الله لانقاد وسلّم الأمر إليه سبحانه".
وقد اختلف الفقهاء هل المتعة معتبرة بحال الزوج أم بحال الزوجة ؟منهم من ذهب إنها معتبرة بحال الزوج بدليل قول الله : " لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ"
ومن الفقهاء من يرى أنها معتبرة بحق الزوجة مستدلين بقوله تعالى :" وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ" ورجح بعض الفقهاء أنها معتبرة بحق الزوجين جميعاً بين الأدلة .
ويعود تقدير المتعة وفق ما تقتضيه ظروف المطلق يسراً وعسراً وحسب حال الزمان غلاء ورخصا .
،،، وللحديث بقيه ،،،
د/ محمد بن عبدالله الهاشمي
قاضي المحكمة العليا
رئيس محكمة الاستئناف بإبراء
[email protected]