الأطفال والبيئة العمرانية الحضرية " 1 "لعل من أقل الموضوعات التي بحثت في مجال العمارة الحضرية هي عمارة الأطفال كمبحث مستقل بذاته وكموضوع مهم مطروح على العديد من المستويات المترابطة التي تبدأ من بيئة الطفل في البيت وفي الحضانة وتمتد للمدرسة والملعب والمتنزه والمسرح والمتحف. ولعل مرد ندرة هذه الأبحاث هي الصورة النمطية الخاطئة المسبقة التي تفترض أن الطفل عبارة عن ملحق بالبالغين وببيئتهم وأن العمارة الحضرية التي تخص البالغين تخصه وبالضرورة. لكن هذه الصورة النمطية الخاطئة إنما هي أبعد ما تكون عن الواقع والصواب نظرا لأن بيئة الطفل إنما هي من الأهمية القصوى بحيث يتوجب أن تفرد لها العديد من الدراسات والبحوث النظرية فضلا عن التطبيقات العملية في مجال العمارة الخاصة والعمارة الحضرية. ونظرا لاهتمام كاتب هذه السطور بهذا المبحث على المستويين النظري والتطبيقي حيث شارك في العديد من الندوات ومؤتمر هو الأول من نوعه والذي عقد قبل عدة سنوات والتي أفردت لهذا الموضوع المهم وغير المسبوق والذي يستشرف آفاقا جديدة لتنشئة الطفل، نظرا لهذه الأهمية فسنفرد لهذا الموضوع مساحات متتالية نبدؤها بهذا المقال اعتمادا على البحوث الصادرة في هذا المجال ونشرات اليونسيف والدراسات المتخصصة وأبرزها هذا الكتاب الذي بين أيدينا كأحد المراجع المهمة والنادرة في هذا المجال.اهتمام متزايد ببيئة ونشأة الطفلمن اللافت أن ثمة اهتماما متزايدا في الأطفال خلال العقود القليلة الماضية، حيث كان العديد من النصوص التي بحثت في دور الأطفال في المجتمع. ومع ذلك، على الرغم من الخلاف الكبير وعدم اليقين فقد كان مكان الطفل ودوره في المجتمع محورا لمناقشات قوية، حيث ينظر للأطفال كما كل شيء على أنهم مجموعة مجتمعية من الأبرياء الضعفاء، إلى المغامرين الشباب إلى الجهات الفاعلة الاجتماعية المختصة. ونظرا لأن الأطفال يشكلون نحو 27 في المئة من مجموع سكان الأرض، فقد نحت دراسات متخصصة، أقلها على الإطلاق في مجال العمارة والعمران بالرغم من أهميته لما للعمارة والبيئة الحضرية والتكوينات الفراغية من أهمية مباشرة في تكوين سلوكيات ونشأة الطفل وتكوين ذهنيته وشخصيته. والتساؤلات العديد التي تطرح هي حول مستوى الرفاه الذي يقدم للطفل ضمن البيئة المناسبة والسليمة التي تجعل نشأته نشأة سليمة وتجعله ينشأ في بيئة سعيدة حانية، ليست مقتصرة فقط على البيت وانما تمتد خارجه للعديد من المرافق العامة والخاصة.وقد ترافق الاهتمام بالأطفال ودورهم في المجتمع مع اهتمام متزايد بطبيعة العلاقة بين الأطفال وبين المجتمع الكلي الذي يعيشون فيه والعلاقة البيئية. وقد ارتبط هذا الاهتمام مع تخصصات مهمة في الجغرافيا والعمارة والتخطيط، والإسكان. وفي هذا السياق متعدد التخصصات والأدبيات التي رافقتها، فقد كان هناك اتجاهان: في الأول كان ينظر للمدينة على أنها خلفية مهمة تنعكس عليها حياة الأطفال وطبيعة ممارستهم للألعاب وتنشئتهم فيها. أما الاتجاه الثاني فكان يتمثل في تطوير فهم أفضل لكيفية استخدام الأطفال للفضاء الحضري، وكيف يتغير الفضاء نفسه اجتماعيا وحسيا. وقد طور الفلاسفة نظريات مختلفة فيما يتعلق بالجوانب الخاصة بالطفولة. وكان بياجيه (1954) مهتما بفهم التطور المفاهيمي والجسدي للطفل. ومن ناحية أخرى، حاول ليتش وسبوك (2009) تشكيل سلوكيات الوالدين لخلق بيئة عائلية مثالية يمكن للطفل أن يتطور فيها.الكتاب الذي صدر مؤخرا عن دار (Earthscan) للنشر بلندن بعنوان (Children and their built environment: Changing Worlds) يقدم أدلة على كيفية أن تكون مصالح الأطفال ليست بحاجة أن تتصادم أو أن تكون تابعة لمصالح المواطنين الآخرين، وكيف أن الأطفال والبالغين يمكن أن يؤدي تعاونهم معا إلى توفير بيئات حضرية أكثر استدامة وأكثر صحة للمجتمعات المحلية. فالمشاركون في تأليف هذا الكتاب يبرهنون على أن الفضاء الحضري في مستويات مختلفة، ليس من الضروري أن يكون تمثيلا مباشرا وسطحيا لممارسات الإقصاء ولكن يمكن أن يوفر الفرص التي تتضمن دعم ورعاية رفاه الأطفال. فقد درجت العادة في الكثير من المجتمعات ان يتم اعتبار الأطفال وفضائهم العمراني مجرد تابع لعمارة البالغين وان يتم تهميش الأطفال بالتالي حتى في الحيز الذي ينبغي ان يخصص للطفل سواء في تصميم البيت أو المستشفى او المتحف او المدرسة أو المسرح وغيره. هذا التهميش والإقصاء المتعمد سواء بوعي أو بقلة وعي من المجتمع ومن البالغين له بالضرورة تأثير مباشر على صحة السلامة العقلية والذهنية وقدرة الطفل لاحقا على أن يقود حياة إبداعية وربما قتل روح المبادرة والموهبة التي تضمحل وتضمر في غياب البيئة السليمة التي تشعر الطفل بأهميته بجانب البالغين.هذا الكتاب يتم تقديمه في ثلاثة أجزاء رئيسية: الجزء الأول يستكشف الطبيعة المتغيرة للمرحلة الطفولة مع وجهة النظر التي تبين تأثير التحديات البيئية الناشئة على الأطفال. في الجزء الثاني، يستعين المؤلفون بآراء الأطفال من أجل التعبير عن الكيفية التي تنفي فيها الأحيزة الفراغية الفرص للعب والتعلم والاختلاط الإجتماعي، وكذلك للعيش وممارسة السلوكيات اليومية. أما الجزء الثالث فيؤسس لجدول أعمال واسع للتغيير وذلك بهدف تعزيز الالتزام بالموقع الاجتماعي للأطفال داخل مجتمعاتهم، وذلك بالعمل على تمكينهم من أن يصبحوا أكثر نشاطا في صنع مستقبلهم.تنمية الحس الاجتماعي للطفلمن اللافت والمهم أن الدراسات العمرانية الشحيحة في مجال عمارة الطفل لا بد وأن تستند إلى الدراسات الكثيفة التي اجريت على مدى العقود القليلة الماضية والتي كانت بمثابة مختبرات أبحاث درست الطفل من النواحي الاجتماعية والنفسية والسلوكية وتشكل الخلفية المهمة لأي مبحث عمراني نظري وكذلك المرجعية الأساسية لأي مشروع عمراني يهتم بعمارة الطفل. وأول هذه الدراسات المهمة هي الناحية الاجتماعية والدراسات السلوكية. ومن أهم الأسئلة التي طرحها علماء الاجتماع في هذا الخصوص هو سؤال حيوي ومهم: كيف يصبح الأطفال اجتماعيين في المجتمع؟ وهو سؤال فلسفي نظري تكمن خلفه العديد من القضايا الشائكة على الرغم من بساطته ومباشرته في طرح بداية التكوين الاجتماعي للطفل. وقد أثارت القضايا المتعلقة بالتنمية الاجتماعية للأطفال حيرة الفلاسفة المفتونين الذين يسعون إلى النهوض بفلسفة الطفولة. إن مجموعة المفكرين الذين سعوا إلى فهم مثل هذه القضايا تولدت لديهم الرغبة المشتركة في فهم إطار الطفولة، واستكشاف التطور الاجتماعي والجسدي للأطفال، فضلا عن تشكيل سلوك الوالدين بطريقة تخلق بيئة عائلية "مثالية" حيث يمكن أن يتطور وضع الطفل. ومن المعلوم أن البديل عن هذه التنشئة السلوكية والاجتماعية السلمية يكون أثره سلبيا جدا على المجتمع بدءا من الفرد وامتدادا للأسرة ثم المجتمع المحلي المصغر فالمجتمع برمته. ولذا فإن هذه النشأة الاجتماعية مترابطة ارتباطا وثيقا بسلامة الأسرة اجتماعيا وسلوكيا واقتصاديا ونفسيا.والسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه فيما يتعلق بالعلاقة بين الأطفال والمجتمع يمكن أن يطرح في شكل مختلف، ولكن هناك محتوى واحد، وهو: كيف يصبح الأطفال اجتماعيين في المجتمع؟ وهذا يعني العملية والنتائج. وقد اهتم المجتمع والدراسات الاجتماعية العديد من العلماء، ناهيك عن الفلاسفة والمفكرين العظماء عبر العصور، مع الخط المشترك لتحديد الحدود الاجتماعية والإطار الذي يتشكل من خلاله الأفراد. حيث يتم تعريف الطفولة في هذا المعنى وقبول البناء الاجتماعي، وتتحدد خصائصه وتصبغه الأعراف والممارسات الاجتماعية التي يولد فيها الطفل.في إطار البحث حول موضوع الطفل لا بد من معالجة المبحث على عدة مستويات تعنى أولا بدراسة البعد الاجتماعي للعلاقة بين الأطفال والفضاء في بيئة حضرية من جهة والمجتمع من ناحية أخرى. لذلك، تطرح في هذا الإطار من قبل علماء الاجتماع مصطلحات مهمة تنعكس مباشرة على الواقع المعماري مثل "الفضاء المحدد اجتماعيا" ضمن السياقات المادية والاجتماعية في الاختلاف للطفل في عالم متغير. وفي إطار علاقة الطفل بالحضرية تتجلى علاقة تنشئة الطفل بالمدينة وأماكنها المركزية والأماكن العامة فيما يتعلق باستخدام الأطفال لتلبية احتياجاتهم وأنشطتهم المختلفة. في المؤتمر الدولي الأول للمدينة والطفل والذي عقد في الجزائر بمدينة باتنة أواخر عام 2014 قدم كاتب هذه السطور ورقة حول علاقة المدينة بالطفل بعنوان (Children, City and Society: Creating Positive Changing Built Environment for Children ) والتي بحثت في جدلية العلاقة بين الطفل والمدينة والمجتمع وأهمية خلق بيئة حضرية اجتماعية تطورية متغيرة وايجابية للطفل اعتمادا على دراسات سلوكية واجتماعية ونفسية. وقد طرحت الورقة مجموعة من الأفكار المهمة اعتمادا على دراسات وملاحظات خاصة وتطبيقات في مدينة لندن وباريس وجنيف كحالات دراسية بحثت طبيعة علاقة الطفل بالبالغين في المتاحف وفي الساحات العامة. وتم التوصل لاستنتاجات محددة لخدمة أهداف البحث من منظورين مختلفين: الاجتماعي والمادي فيما يتعلق بالطفل والفراغات العمرانية في السياق الحضري والمدينة. وقد بحثت الورقة في العلاقة بين الفضاء والبيئة الطبيعية بوصفها سياق تكوين الوسط الاجتماعي وتربية الطفل بوصفه المواطن القادم للمجتمع الحديث.اهتمام متزايد بالطفل: اجتماعيا وسياسيالقد أصبحت الأمم المتحدة مهتمة بصورة متزايدة بحقوق الأطفال، وكذلك برفاههم، في عالم سريع التغير ـ مليء بالمجاعة والصراعات والكوارث الطبيعية. وقد وضعت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (UNCROC: The United Nations Convention on the Rights of the Child) رقابة منتظمة، مما أدى إلى التعريف العالمي "بحقوق الأطفال، وجلب الأطفال بطريقة غير مسبوقة تحت المجهر.وقد تم الاعتراف بحالة "التغريب" والتهميش السابقة للأطفال من قبل مجتمعاتهم كسبب لمشاكل اجتماعية كثيرة، حيث وجد أنه من مصلحة المجتمعات المحلية الاهتمام والرعاية، وقبل كل شيء تغذية علاقة صحية لهؤلاء المواطنين في الانتظار او "الجيل القادم". وفي بعض الأحيان، كما أظهر الاستفتاء الاستقلالي الاسكتلندي الأخير في 18 سبتمبر 2014، فقد تم تغيير القانون لمصلحة الأطفال الذين يبلغون من العمر 16 عاما، لأول مرة في التاريخ السياسي الأخير، بحيث يمكن لهؤلاء الأطفال ان يدلوا بأصواتهم، لتقرير مستقبل انفصال اسكتلندا عن بريطانيا، وإن كان هذا القرار مثيرا للجدل. وهذا يدل على الأهمية المتزايدة التي أوليت للأطفال في السنوات الأخيرة وفي المجتمعات الديمقراطية الحديثة ويأتي اعترافا واضحا بدورهم في مجتمعاتهم ومستقبلهم على حد سواء.الطفل والمجتمع والبيئة المبنيةفي حين أن المجتمع محوري للأطفال، فإنه ليس المتغير الوحيد في المعادلة، هناك العالم المادي أو الفضاء والمكان أو البيئة المبنية. وهذا واضح في الدراسات البحثية لهيكلية العائلة، ولكن البيئة المكانية أو المحيط الطبيعي له تأثير مباشر ومتغير على تنشئة الطفل. ليس فقط ذلك، ولكن حتى نفس الحيز الفراغي يمكن أن يكون تأثيره مختلفا جدا على اثنين من الأطفال، اعتمادا على قدراتهم ـ أو الإعاقة، والاحتياجات، والخلفية، والعمر، ونمط الحياة، وكذلك المزاج الفوري والحالة الذهنية. على سبيل المثال، قد تكون هناك بيئة مواتية ويسهل الوصول إليها لطفل قادر بدنيا وفي نفس الوقت مختلفة جدا من قبل طفل معاق آخر قد يجد صعوبة في التعامل والحركة فيها.فالحيز المكاني مهم جدا بكل بساطة، وهو العامل الذي تجري فيه الأنشطة. انه، مثل المجتمع يشكل ويحفز السلوكيات. فإنه يرفع أو يغير المزاج، والموقف، والنظرة، والحالة النفسية للعقل. فهو يؤثر على المؤانسة، والفرص، واللعب، والرفاه والصحة. وفي مقابل كل هذا، يبدو أن الفضاء قد حظي بأقل قدر من الاهتمام، أو أنه يعتبر أمرا مفروغا منه بالنسبة للأطفال من قبل صانعي الفراغات المعمارية أو المخططين الحضريين. وللحديث بقياتالمؤلفون:كلير فريمان هي أستاذ مشارك في قسم الجغرافيا، جامعة أوتاجو في نيوزيلندا. أما بول ترانتر هو أستاذ مشارك في الجغرافيا في جامعة نيو ساوث ويلزالأكاديمية، أستراليا.الكتابFreeman, C., Tranter, P., (2011), ‘Children and their built environment: Changing Worlds’, Earthscan, London. وليد احمد السيد