كثيرا ما تطفو على السطح، ليس فقط على المستويات الأكاديمية والمهنية بالضرورة، ولكن في الأوساط الشعبية المهتمة، عن طبيعة العمارة. وسبب هذا التعريج والتساؤل ينبع من حقيقة ان العمارة تمس الأفراد والمجموعات على اختلاف مداخيلهم ومكانتهم في السلم الاجتماعي أو الاقتصادي او السياسي او الإنساني عموما. فالعمارة الجيدة العامة ينتفع منها المجتمع، سواء بالفرد والمجموعة الصغيرة، كما يتضرر من العمارة السيئة الفرد كما المجتمع عموما – بالرغم من ان تعريف العمارة الجيدة او السيئة يظل نسبيا نظرا لشق العمارة الجمالي او الفني بعيدا عن نصفها العلمي المنطقي.

وانطلاقا من ذلك فإن الأسئلة الجدلية المهمة التي تطغى على المداخلات والنقاشات ينبثق عنها مجموعات من التعريفات او الدلالات التي يتوالد عنها مفاهيم ومستويات اعمق من الفهم وتفتح ابوابا واسعة من التأمل في محاولة لفهم طبيعة العمارة ذاتها – هذا العلم الجمالي المعقد الذي ينتفع منه الناس باختلاف أنماط المباني ووظائفها ومواقعها وتركيباتها الفراغية والوظيفة المعقدة التي تشكل وبالضرورة حياة الناس فضلا عن أذواقهم ونفسياتهم وسلوكياتهم.

في هذا الإطار وضمن هذا المنظور يبرز تساؤل أساسي حول ارتباط العمارة وتداخلها مع المجتمع. وهذا الارتباط أرّق المفكرين والمهنيين وبرزت مدارس معمارية اجتهدت كل منها في تعريف العمارة اجتماعيا. هل العمارة "شعبوية" ام "نخبوية"؟ أم هل هي "سردية تاريخية" كحلقة متواصلة عبر التاريخ أو كبوتقة تنصب فيها علوم الاقدمين وتتواصل في شكل خطي او لولبي حلزوني متصاعد ام انها عبارة عن مجاميع من "انقطاعات" تاريخية تنتهي "حضاريا" ثم تعود لتبدأ مع نهوض حضارات جديدة بمفاهيم جديدة وتعيد تكوين ذاتها لترتبط اجتماعيا، او على الأقل على هذا المستوى المهم، بشريحة معينة من شرائح المجتمع وضمن التركيبة الجيو- سياسية، أو الديموغرافية بتركيبتها الهرمية المرتبطة سياسيا- اقتصاديا؟

في الحقيقة لا يمكن ببساطة تقديم إجابة جاهزة دون البحث في مستويات متعددة تنتمي لها العمارة وتكون بنيتها التكوينية على المستويات المنهجية والفيزيائية الحسية، فضلا عن الطبيعة اللامحسوسة للعمارة، وما يعرفه بعض علماء العمران بالحاسة السادسة في العمارة كما هو عنوان كتاب (راسموسن).

ولنعد للخطوة الأولى بعد هذه المقدمة ونطرح تساؤلا اوليا: اين تقع حدود اهتمامات الفرد العادي بالعمارة وأين تتقاطع مداركه مع المستويات المعقدة للعمارة والتصميم؟ وبكلمات ابسط نعيد تركيب السؤال: كيف يفهم الفرد العادي العمارة ويتفاعل معها وهل يختلف فهمه عن فهم المعماري؟ ام ان "المعماري يعرف أفضل"؟ وهذا المصطلح يحيل العمارة بتكويناتها الى مستويات متداخلة لا بد من تفكيكها لمحاولة فهم الإجابة. ولعل اهم المحاور التي يمكن بحثها هو المحور الاولي المتعلق بعملية التصميم المعماري ذاتها ومتعلقات التشكيل الظاهري مع العلاقات الأكثر عمقا كالوظيفة مثلا.

التصميم المعماري - الشكل مقابل الوظيفة
ثمة منهجيتان تشكلان محور التصميم المعماري الذي ينحو إليه معماريو العالم العربي المعاصرين وهما (bottom –up) والثانية (top-down) – وكلاهما قد يعتريهما القصور عن إدراك العلاقة بين الشكل والوظيفة. وبكلمات أخرى فأن نجاح التصميم بهما مرهون بالقدرة على الإنطلاق من خلفية قوية ومتوازنة في إدراك العلاقة بين الشكل وبين الوظيفة. وهذه المساحة تتناول بالتحليل أهمية العلاقة بين الشكل والوظيفة وانعكاسهما في التصميم المعماري المعاصر. فما هي هذه العلاقة؟

مسألة الوظيفة والشكل شكلت محور النظريات المعمارية الحديثة في القرن العشرين، إذ انبثقت عن الجدليات التي ارتبطت بها مجموعات من النظريات التي تميل لتغليب أحد طرفي المعادلة. وتتضمن جدلية الشكل والوظيفة في العمارة تلك العلاقة التي تربط التشكيلات المعمارية بالبرنامج المعماري والوظيفة التي ينبغي أن يؤديها المبنى. وتبرز الإشكالية في هذه العلاقة من فكرة أن العمارة تنتمي للفن التطبيقي الذي يرفد جانبها التشكيلي من ناحية ولمجموعة من العلوم التي تغذي جزأها الوظيفي من الناحية الأخرى. ولذلك فكل الأعمال المعمارية التي يجتهد المعماريون في تقديمها تراوح بين هذين القطبين وتسعى - في أحسن الأحوال - لتحقيق توازن بين قطبي المعادلة. وقد تطرق لمفهوم العلاقة بين الشكل وبين الوظيفة ليس فقط النظريون في مجال العمارة، وإنما شمل هذا الإهتمام التطبيقيين أيضا. والمتضرر الأساسي من سوء العلاقة بين الشكل وبين الوظيفة في المباني هم المستعملون الذين يعيشون هذه النواتج التي قد لا تلبي الاحتياجات الأساسية للعمارة بمفهومها الجيد من تحقيق خصائص المنفعة والوظيفة والجمال التي ذكرها (Vitruvius) في تعريفه للعمارة. ويضيف بعض النظريين في هذا المجال من أمثال (Bill Hillier) أن العلاقة بين الشكل والوظيفة يصعب التطرق لها بإلمام نظرا لطبيعة العمارة ذاتها التي تختلف عن التخصصات الأخرى مثل الإنارة أو الإنشاء أو الصوتيات وهذه تخضع بدرجة كبيرة لقوانين ونظريات علمية بخلاف العمارة التي تنفرد بشق فني كبير الذي يضعها ضمن دائرة الفن التشكيلي.

فالوظيفة (function) تعنى بمعالجة وحل المشاكل الأساسية وهي الغاية من عملية التصميم والمرادفة لمفهوم التصميم (design)، بينما يعنى الشكل بالخارج وهي المرادف للطراز (style) إذ يتعلق بالسطح الخارجي. ولذلك فالتصميم والطراز– أو الوظيفة والشكل هما متغايران في المضمون، فالأول يعنى بالعقل والعلم والمنطق فيما الثاني يعنى بالفن والجمال. الأول يعنى بالكل والجوهر ويعنى بإعمال العقل في إيجاد حلول للمشكلات بطريقة إبداعية مبتكرة، بينما الطراز أو التشكيل فيعنى بالمظهر والسطح الخارجي وغالبا ما يصاحب التصميم كعملية متممة وليست جوهرية كالتصميم. ففي التصميم الميكانيكي مثلا تقل أهمية الشكل والطراز عنها في التصميم المعماري إذ تبرز أهمية الجوهر الوظيفي بشكل طاغ على متعلقات الشكل ومتعلقاته السطحية الجمالية. في العمارة برزت جدلية الوظيفة والشكل في غلبة أحدهما على الآخر في الناتج من ناحية، وفي مدى غلبة أحدهما على الآخر في عملية التصميم ذاتها من ناحية أخرى. وبرزت مدرستان إحداهما تنادي بأن "الشكل يتبع الوظيفة" والأخرى "بتبعية الوظيفة للشكل".

ومن هنا يبرز التساؤل في أهمية البحث في أبرز النظريات التي بحثت في هذا الموضوع. دعونا نلقي نظرة سريعة، ولنستمع من بعض المعماريين العالميين في هذا المجال، وبالذات من لوكوربو زييه وميس فان دروه.

تبين الدراسة لنظريتي "لوكوربوزييه" و" ميس فان دروه" في طبيعة العلاقة بين الشكل وبين الوظيفة تناقضاً واضحاً بين الاثنين، أو لنقل أنهما على طرفي نقيض. "لوكوربوزييه" يعرّف العمارة من وجهة نظر تشكيلية، فيما ينظر لها "ميس فان دروه" من الناحية الوظيفية نافيا التشكيل كعنصر أساسي أو كمعرف لما هيتها. فقد عرّف "لوكوربوزييه" العمارة على أنها "التلاعب الذكي الرائع والجميل بالكتل تحت الضوء، وأن أعيننا مخلوقة لترى الأشكال تحت النور وما ينتج من ظل لها. ولهذا فإن المكعب والمخروط والكرة والهرم وغيرها من الأشكال الهندسية تتميز بذاتها حال سقوط النور عليها. ولهذا السبب بالذات، فهذه الأشكال التي نستعملها في العمارة هي الأشكال الجميلة تلك هي الأشكال الأكثر جمالا". وعلى النقيض من مقولة "لوكوربوزييه" الشهيرة هذه نجد أن "ميس فان درو" يعرّف العمارة على أنها "التعبير عن الحضارة من خلال الأحيزة الفراغية التي تتضمن الواقع والمتغير، وفيما نرفض إدراك المشكلات المرتبطة بالشكل إنما نميز فقط تلك المرتبطة بالمباني ووظيفتها. إذ إن الشكل ليس هو الغاية من عمل المعماري، لكنه فقط نتيجة، الشكل بحد ذاته غير موجود إذ أن اقتباس الشكل بذاته هو تشكيل فقط وهو ما نرفض تماما". وفي الحقيقة فليس الاختلاف بين هذين المفهومين مقتصرا على "لوكوربوزييه" و"ميس فان دروه"، بل يشمل الكثير من المعماريين الذين يجتهدون في تقديم التعريفات المختلفة كل حسب منظوره وإدراكه لطبيعة العلاقة وكيف ينبغي أن تكون. ويشمل ذلك معماريين أو منظرين في مجال العمارة الحديثة أمثال (Norberg-Schulz) أو (Charles Jenks) و (Reynar Banham) وغيرهم.

ومن أبرز النظريات الحديثة التي قدمت تفسيرا يمكن نعته بالمعقولية إلى حد ما هو الذي يتقدم به (Bill Hillier) حيث يرى أن العلاقة بين الشكل والوظيفة يمكن النظر إليها من خلال متغير يدعى (configuration) أو علاقة الجزء ضمن الكل. وبكلمات أخرى تتحدد العلاقة بين التشكيل من خلال النظر بالمفردة التشكيلية ذاتها وعلاقتها بالتشكيل الكلي. ولذلك فإن (Hillier) يرى التصميم المعماري كعملية (bottom-up) إذ تنبع من الجزء وإدراكه ضمن الكل. وبذا فإن العملية التي يقوم بها بعض المعماريين بفرض شكل كلي ومن ثم "حشر" الفراغات الوظيفية ضمنه - والتي يمكن النظر إليها على أنها (top-down)- هي مرفوضة من وجهة نظره، وليست هي الطريقة السليمة لمعالجة عملية التصميم المعماري، ويدعم حجته بقوله أن المفردات المستعملة في التصميم لا تملك قيمة منفردة بذاتها، بل تستمد أهميتها من علاقتها بمجاوراتها وبكونها جزءا من المحتوى الكلي الذي يسعى المصمم للتوصل إليه. أو بكلمات أخرى هي مهمة بانتمائها إلى (configuration) كلي – أو منظومة كلية من العلاقات الفراغية والوظيفية. والتساؤل المهم الآن هو: ما هي خصوصية العلاقة بين الشكل وبين الوظيفة في الوعي المعماري العربي المعاصر وكيف تتم ترجمتها وما هو انعكاسها على الناتج؟

من وجهة نظرنا، كمعماريين مصمميم وكباحثين نظريين، أن عملية التصميم المعماري هي عملية عقلية ذهنية تجمع بين القدرة الإبداعية التخيلية وبين المهارة والخبرة المكتسبة التراكمية، وهي عملية مركبة تبدأ بمرحلة تلمسية أشبه ما تكون بالتجربة والخطأ لتلمس بداية الطريق باتجاه حل معادلة تتجمع بها أطراف متعددة ومتناقضات في بعض الأحيان ولذلك فليست هناك من وسيلة لبدء هذه العملية الذهنية الشاقة الا مما يراه المعماري المصمم نفسه وبحسب قدراته وإدراكه وقدرته على التخيل والإبداع. ولكن من المفيد الاشارة إلى ان هذه العملية قد تبدأ أحيانا من فكرة جزئية وتنمو وتتبلور ككل متكامل. وبكلمات أخرى قد يرى المعماري المصمم ان بداية الطريق قد تكون بإدراك علاقة الفراغات ببعضها من خلال المقطع المعماري أو من نواح تشكيلية بالواجهة المعمارية. بيد ان ذلك لا يعني البتة ان هذا الجزء هو المهيمن على الناتج النهائي، انما هي شرارة الانطلاق، أو بتصوير فني آخر العملية هي أشبه ما تكون بمسح الغبار عن صورة من أية زاوية منها لإدراك ماهية الكل من خلال الجزء.

من هذه الفكرة التمهيدية يمكن القول أن العملية التصميمية هي معتمدة بالصورة الأساسية على الجزء ولكن ضمن علاقته بالكل لا كمحدد مفروض مسبقاً انما كمعطى نهائي يتكون بالمنطق والمقدمات البدهية التي تتراكم أثناء مرحلية عملية التصميم. ولذلك فيمكن النظر إلى بعض "الوصفات المعمارية الجاهزة" التي تتمخض عنها عقليات بعض المعماريين العرب المعاصرين على انها تقوقع ضمن الشكل على حساب الوظيفة، أو هي سوء إدراك طبيعة عملية التصميم من ناحية وتغليب الشكل على حساب الوظيفة، أو في بعض الأحيان هي نزوع إلى استعارة مفردات جاهزة من الماضي "بشكلها" لا بمضمونها. ولكن هناك تساؤل مهم يتمحور في هذا الإطار حول عملية التصميم المعماري وهو موقع الفكرة المعمارية ودورها في تشكيل التصميم الواعي؟ تساؤل برسم الإجابة.

المراجع :

1- (Vitruvius، ‘The Ten Books on Architecture’، Dover، New York، 1960).
2- (Bill Hillier، ‘Theory Liberates: Intelligent representations and theoretical descriptions in architecture and urban design’ Lecture given at UCL in the Darwin Theatre on 13th June 1990) صفحة 10.
3- (Le Corbusier، ‘Towards New Architecture’، translated from the French by Fredrick Etchells، London، 1927) الصفحة 29.
4- (Johnson، P.، ‘Mies Van Der Rohe’، Modern Art، New York، 1947) الصفحة 183.
5- (Bill Hillier، ‘Architectural Possibility and Architectural Actuality: some theoretical consequences of graphical knowledge interfaces’ paper to the 25th anniversary conference of the Martin Centre، University of Cambridge 28-30، 1992).

د. وليد أحمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
[email protected]