[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
أسدل الستار على شهر الخير والبركات، على شهر فيه ليلة خير من الف شهر، بعد أن أناخ راحلته للناس في رحلة دنيوية عابرة مدتها ثلاثون يوما فكان كشجرة وارفة الضلال استراح تحتها المسافرون، وجنوا من ثمارها ما لذ وطاب، تفيئوا تحت ظلالها الوارفة ورتعوا تحت مرابعها فانتشو منها عبيرا بقدر جهودهم وطاعاتهم. فهل كان شهر رمضان اختبار لقدرات الناس وصبرهم على تحمل العطش والجوع والشهوات والملذات فحسب ..؟ أم أنه امتحان للعبد على صبره لعبادة الله تعالى وطاعته في جميع مجالات العبادة وفروعها..؟ نعم فشهر الصوم محطة سنوية يختبر فيها العبد مقدرته على العيش في الحياة الدنيا بسلوك راقي، سلوك لا يتنافى وطبيعة البشرية بل سلوك مستمد من ديننا الحنيف حين يحاط شهر الصوم بمدرسة سلوكية متكاملة، مدرسة سلوكية عظيمة لا تنتهي بانتهاء شهر الصوم بل من صام رمضان ايمانا واحتسابا تبقى سلوكياته ما بعد رمضان رفيقا له في دربه حين يدرك معنى العطاء ويستلهم قيمة التعاون ويستجلي معنى الرحمة في قاموس الحياة والعطف والرفق بالآخرين كما ينور حياته بالعفاف والطهر والصدق والأمانة والكرم كل تلك القيم والمبادئ المستلهمة من مفهوم الصيام تبقى رفيقا مصاحبا له طوال حياته لمن أدرك قيمة شهر الغفران والعتق من النيران.
ها هو شهر الصوم يطوي صفحته خلال هذا العام الهجري إلاّ أنّ توجيهاته وإرشاداته وأهدافه وأهميته تبقى نمشي بها على الأرض سلوكا محسوسا وملموسا فتبين حين نقدر قيمة أباءنا وأمهاتنا الذين هم عضدنا وسندنا في هذه الحياة فترافقنا قيمة الرحمة بهم والإحسان إليهم كما تتجسد كذلك تلك السلوكيات في لمّ شمل أسرنا وجمعهم وتوحيد صفوفنا على كلمة واحدة، وتوجه واحد، لتحقيق هدف يسمو بنا معا إلى معالي السعادة والمودة والنقاء. سلوكيات الشهر الفضيل نمشي بها في دروب الحياة لتلامس وجداننا وعواطفنا فنرفق بجارنا، ونعطف على شيخنا، ونسهر على راحة أبنائنا، ونعود مريضنا، ونواسي مصابنا، ونمد يد العون لمحتاجينا، ونمسح على رأس فقيرنا، ونصفح عن المسيئ علينا، هكذا تتجلى فينا نفحات شهر الصوم سلوكا نترجمه لبقية حياتنا وقتئذ يحق لنا أن نصف أنفسنا بالصائمين القائمين الذاكرين الراكعين الخاشعين الذين يعيشون الحياة الدنيا باعتبارها جسر عبور لدار القرار.
ها هو هلال رمضان الذي كنّا نترقبه ولد وأفل، وهلال شوال قد هل وإجازة العيد وقد انتهت وتلك الأيام يداولها الله تعالى بين الناس فمن منا يشعر بأنّ الأيام تجري كما تجري الدقائق في ثوانيها ومن منا يدرك بأن الحياة عظات وعبر، بالأمس معنا فلان وفلان واليوم مات فلان وبقي فلان هكذا رحى الأيام تدور فيوم مصاب جلل وكذلك مولود جديد إنها سنة الحياة وسنة الله في عباده حيث العيد نعيش أيامه ترجمة حقيقية ومظهراً من مظاهر الصيام من أسعد الله أيامه وعاش ليوم العيد فليتعظ وليعتبر فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يتقبل منا الصلاة والصيام والقيام والدعاء كما نسأله تعالى أن يوسع في أرزاقنا وأن يطوي صحائف أعمالنا نقية بيضاء وأن يجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة وأن يعيد علينا جميعا رمضان والعيد أعواما عديدة وأزمنة مديدة. وكل عام والجميع بخير.
[email protected]