[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
ألقى رمضان برحاله في فضائنا فقلنا مرحبا بك يا رمضان ، نزلت خيرا وعقلت شرّا. فالعالم الإسلاميّ يعيش هذه الأيام المباركة بين أروقة أرقى المدارس السلوكية، والتي تحمل في أيامها ولياليها أعظم القيم والمبادئ والسلوكيات الحميدة وذلك في شهر يأتي في العام مرة واحدة ، إلاّ أنه يبث سلوكيات لا تستطيع أمم العالم بثها وتعليمها في مثل هذه الأيام المعدودة التي تتجسد فيها عبادة الله حين يصبر المرء على الصوم كما يصبر على تحمل الجوع والعطش مغلقا كتاب الشهوات. وعليه يحق لنا أن نصف الشهر الفضيل بأنه أعظم مدرسة سلوكية عرفتها البشرية ففي أيامه ولياليه تحدّ كبير وامتحان جليّ لإرادة البشرية التي تحاول أن تجتهد لتطهير نفوسها وتنقيتها من أدران الخطايا التي اكتسبتها خلال رحلة الحياة. إنّ مدرسة الصيام العظمي تصل بالمرء إلى أعلى مراتب الشفافية التي توصله إلى أعماق قد لا يدركها في غير الصيام وذلك ببثها ترانيم روحانية يترجمها المرء إلى سلوك دنيوي يمشي به بين العباد من خلال تذوقه المرهف للحظات الصوم.
إنّ ما ينبغي أن يتجلى للمرء وينكشف له من خلال مدرسة الصوم تلك القيم والسلوكيات التي يبثها الشهر الكريم رسائل تترائى للإنسانية حين يصبر الانسان على تحمل الجوع فهو يشعر بالفقراء حول العالم الذين لا يملكون قوت يومهم وحين يشعر الانسان بتعب الصوم وإرهاقه فهو يشعر بالعمال الذين يكدحون تحت حرارة تصل درجاتها فوق الخمسين وحين يصبر الصائم على تحمل العطش فهو يشهر بانه ثمة أناس لا يجدون الماء العذب للشرب فيتقاسمون كوب الماء ويبحثون في طلبه فهل أصبح صيامنا اليوم مختلف أو قد خرج عن مدرسته السلوكية الحميدة أليس منا من خرج عن معاني الصيام العظمى فلم يحرم نفسه عن شهوات الدنيا وملذاتها من الغذاء والاطعمة والكساء فأعطى النفس كل ما تشتهيه ومناها عند الإفطار بمائدة تحمل من صنوف الطعام ما لذّ وطاب حتى تجاهل بعضنا سلوكيات العبادة في هذا الشهر الفضيل فأصبحنا نغضب لأتفه الأسباب بحجة أننا صائمون.
أليست نعمة عظيمة أيها المرء حين وهبك الله تعالى الصيام هذا العام لتكتسب المنافع الصحية والبدنية والروحية وتنشط همتك ويزول فتورك فتستمتع بصوم الأيام المعدودة عبادة وتقربا الى الله تعالى؟ أليس من الواجب أن تشكر الله تعالى على بلوغ شهر الصوم الذي جعله الله تعالى مضمارا للعباد ليتسابقوا على طاعته؟ فهل بدأت بالتسابق الى طاعة الله تعالى؟ وهل صام سمعك عن المحرمات..؟ وهل صام بصرك عن الممنوعات..؟ وهل توقف لسانك عن اللغط ؟ فتأكد انه لن ينظر أحد إلى صيامك أو صلاتك ولكن سينظرون الى السلوكيات التي تكتسبها من مدرسة الصوم إنهم سينظرون إلى صدق حديثك إن تحدثت، كما ينظرون الى أمانتك إن اؤتمنت ويقيسون صبرك عند الشدة، ومدى ملكك لنفسك عند الغضب والتزامك بأوقات الصلاة وترددك إلى المساجد وهل قويت إرادتك وصغر في عينيك كل شيء؟
إنّ فريضة الصوم رياضة روحية للمرء ، فيها يعتاد على قهر البدن وكبح جماحه ففيه تقوى إرادة الانسان فينتشل النفس من الفتور والكسل ويستبدل مواطن الضعف إلى مواطن القوة فتنشط دافعية الانسان كلما صام يوما تلو الأخرى فيصل إلى حالة من السمو الروحي لا يدركها غير متأمل لحكمة الله من وراء فريضة الصيام. وحسبنا رمضان جُنّة.
[email protected]