عبدالعزيز بن محمد الروشديكثيرة هي المقالات والتحليلات التي تناولتها وكالات الأنباء العالمية حول زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة، وقليل منها فقط من تناول هذه الزيارة من منظور أعمق. هذه الزيارة ليست الأولى لرئيس أميركي للمنطقة، وعندما أقول المنطقة فينبغي ألا نُركّز على بقعة جغرافية بعينها، إذ أنّ الوفود كانت من جميع الدول العربية تقريبا دون استثناء. طرحت تساؤلا حين فاز الرئيس الأميركي الحالي في الانتخابات الأميركية مطلع هذا العام، وكان تساؤلي حينها: هل تفشل الدبلوماسية الاقتصادية في عهد الإدارة الأميركية الجديدة؟ كل هذه التأويلات والتساؤلات كانت نتيجة للشعارات التي رفعها هذا الرئيس، والتي كانت تحمل في طيّاتها سياسات مُعادية تجاه الشرق الأوسط بوجهٍ عام. فلم تكن هنالك أيّة بوادر من قِبل الإدارة الأميركية الحالية في إعادة مدّ جسور التعاون على الأصعدة كافة، بل إنّ الأمر أنذر بفشل حقيقي للدبلوماسية السياسية والاقتصادية التي تبنّاها الرؤساء من الطرفين على مرّ عقودٍ طويلة. تلك الشعارات المُعادية ما لبثت أن تحوّلت إلى علاقات واتفاقيات عسكرية واقتصادية وزيارات رسمية تُنبئ بإعادة التعاون في شتّى المجالات. ما يهمّنا في الأمر هو معرفة فيما إذا كانت هذه التحوّلات سوف تُساهم في الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة وتحصينها ضدّ أيّة تهديدات خارجية، أم أنّها مُجرّد ملاحة جديدة في الشرق الأوسط الذي لا زال يُعتبر ممراً آمنا لتحقيق الأهداف والمصالح الغربية. على سبيل المثال، وعلى الصعيد الاقتصادي، وكجزء من رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وقعت شركة أرامكو السعودية إحدى أكبر شركات النفط في العالم عدة اتفاقيات مع بعض الشركات الأميركية، وذلك بدوره سيمهد تدريجيا لبناء آفاق تعاون بين البلدين، مما سيساهم ذلك في خصخصة هذا القطاع تدريجيا. هذا التحوّل الكبير سيستهدف وينشّط قطاعات عديدة، خاصة في مجال الإنتاج والتنقيب والمُعالجة وتسويق المنتجات النفطية وتطوير وإنشاء مصانع متخصّصة لتصنيع مُعدّات حقول النفط. مما سيساهم ذلك في إيجاد فرص عمل جديدة، ليس فقط على مستوى المملكة بل على مستوى المنطقة ككل. بالإضافة إلى العديد من المشاريع اللوجستية التي ستكون بمثابة عوامل جذب للاستثمارات الخارجية بشكلٍ مباشر، خاصة وأنّ بنود بعض الاتفاقيات نصّت على تخفيض أسعار التأجير اليومي للمعدّات بشكلٍ كبير وإلغاء التكاليف المترتبة على تحريك أجهزة الحفر البريّة. كل هذه الاتفاقيات وغيرها قد يراها البعض بأنّها إهدار غير مُبرّر للمال الخليجي الذي كان يُفترض أن يوجّه نحو تعزيز ودعم الموازنات المحليّة. بينما يراه البعض بأنّها استثمارات مشروعة قد تأتي بعوائد مالية ضخمة على المدى القريب والبعيد. ولندرس القضية من جوانبها الأخرى بعيداً عن العواطف والتأويلات التي في بعض الأحيان لا تكون صحيحة، بل لا تعدو كونها افتراضات سابقة لأوانها. خاصة عندما نقول بأنّ الاتفاقيات العسكرية لا ينبغي أن يكون لها وجود في أيّة خُطة تنموية بعيدة المدى. إذ أنّ هذا الأمر باعتقادي يتناقض كلّيا مع مفهوم التنمية الشاملة التي تستدعي أن تكون هناك حراسات يقظة على المُنشآت الصناعية الكُبرى التي تشكّل عصب الاقتصاد في بلدان الخليج ككل. والقضية هي ليست قضية شراء سلاح فحسب، بل هي القدرة على تأمين مصالحك في المنطقة ضد أيّة أخطار مُحتملة. ولا زالت هناك العديد من الأوراق التي ستكشفها الأيام المُقبلة عن ماهيّة هذه التحركات الخليجية الأميركية في المنطقة، وهل ستكون هي مُجرّد ملاحة جديدة في المنطقة أم أنّه تحوّل اقتصادي جديد؟.جامعة السلطان قابوس[email protected]