خبرات التصميم الجرافيكي في خدمة التشكيليمثل العمل الفني أحد ضروب المعرفة الإنسانية المدركة عن طريق الحواس كما هو أيضا علم قابل للاكتشاف والتغير، واستغلال وحفظ وصيانة التراث الإنساني وأنظمة الحياة السائدة في فترة زمانية ومكانية واصطلاحية وتأريخية محددة، هو كما عرفه معين خليل فعل اجتماعي يتحدى به الفنان واقعه ويحفزه للتعبير عن المشاعر والأفكار الصادقة والحقيقية، خاصة التي تتضمن تحديات ثقافية ومعاني لتصورات وتخيلات من مضامين الحياة الاجتماعية مكانا وزمانا لفنانين يمتلكون الموهبة والبراعة والذوق في تقديم هذه المفاهيم... ومهما غرق الأثر الفني المعاصر في التجريدية أو ما يسمى المفاهيمية فهو يعكس بشكل من الأشكال أنماط الحياة اليومية أو بعضا منها اما بالحنين أو التفاعل أو النقد وحتى محاولات التجاوز شريطة أن يمتلك الفنان الأليات التقنية والفكرية والجمالية اللازمة.وللتفاعل مع هذا اليومي المعاش والمتغير يتفاعل الفنان يوميا مع الصور والذكريات والأماكن والازمنة والأشخاص... لإبراز فلسفته الخاصة ورؤاه وتطلعاته المختلفة بأساليب معالجة وطرق تعبير مختلفة في كل مرة، ولعلّ الفنان التشكيلي سلمان الحجري في معرضه الأخير "ضفاف الحلم" الذي أقيم خلال الفترة من 26 أبريل الى 3 مايو الجاري بمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، الرقة، دبي، قد قدم لنا مادة بصرية تمكننا من إستخدام ملكة العقل والإدراك والتذكر والتخيل والتفكير في التعامل مع منتجاته الفنية، باعتبارها متجددة عن ما أنتجه الفنان في السابق، ومعتمدة على خبرات الفنان التكوينية في مجالات الفن والتصميم. هذا المعرض يحتوي قرابة 40 عملا مرّ من خلالها الفنان الى حالة من التجريد ونوع من الترميز لتخليص رؤاه من المباشر ولإنتاج المعنى الذي قد يحرك فكر المشاهدين ويضمن اختلاف قراءاتهم وتفاعلاتهم مع الأثار الفنية، التي هي في حقيقة الامر أسلوب وطريقة خاصة في النظر والاحساس والتعبير، هي عناصر لبناء خبرات ومعارف متجددة انطلاقا من ماهو يومي ومألوف ومشترك، حيث يرى إتيان سوريو في هذا الاطار ان الفن بما هو طريقة للنظر الى الأشياء هي موضوع لا من حيث هي امتداد محض، وليست الصور مجرد علامات او رموز بل هي وقائع مليئة ذات حياة مستقلة.بما معناه أن الأثر الفني لدى هذا الفنان ليس مجرد وسيلة للترميز والتجريد وانما للتعبير عن ما هو واقع وكامن في دواخل وبواطن الذات المبدعة من وقائع وحيوات قائمة الذات ومفعمة بالامتلاء الفكري والفلسفي والجمالي لصياغتها.فجاءت اعمال المعرض على محامل متنوعة ( كانفاس، خشب) وبتقنيات مختلفة (أكريليك، أقلام حبر، طباعة) لتعالج العديد من الإشكاليات العالقة جماليا وفلسفيا في ذهن الفنان، وبالتالي تفاعلت هذه العناصر الثلاثة من شكل ومضمون ومادة، إيجابيا لتولد الآثار الفنية وتتعدد بمقتضاها المعاني والدلالات باعتماد الفنان الخطوط والألوان والابعاد والاحجام والخامات... ولعل تكوين الفنان في مجال التصميم وخاصة الجرافيك قد قدم له الحلول التقنية والجمالية اللازمة لتقديم الموضوع بصفة متنوعة وطريقة معالجة مختلفة.ولعلّ قراءتها وفهم طرق انتاجها قائم أساسا على مجموعة من الدلالات والرموز التي تمثل لغة تشكيل الفنان وادراكه الشامل والمتزامن لما حوله، حيث يمكننا بداية الانطلاق من ما هو كلي قبل الخوض في التفاصيل معتمدين في ذلك على العين المتجولة داخل ارجاء المساحات الملونة، كعضو حسي مباشر يؤمن علاقتنا التواصلية بالأعمال الفنية ومن ثمة عملية الاستعانة بالعقل والادراك والحس، فالمشاهد أعمال الفنان سلمان الحجري يلاحظ بصفة مباشرة إعتماده على المكان والمحيط من حوله اما باعتماده على المشاهد الطبيعية والعمرانية المميزة للبيئات المختلفة التي عاش فيها الفنان سواء كانت محلية او اجنبية، من خلال اعتماده تارة على تجريد هذه المشاهد وتحويلها الى اشكال وخطوط هندسية راوح من خلالها الفنان بين الخطي الجرافيكي والنقطة والكتلة والاحجام والمسطحات اللونية، وطورا على خصوصية المشهد كما هو بما يحتويه من أشجار النخيل والمباني والطيور...وحضور البيئة والمحيط لم يكن مختصرا في المشاهد الطبيعية والبيئة العمرانية فحسب بل أيضا من خلال استخدامه للزخارف الهندسية والغنائية التي تميز البيئة العمرانية والتي استوحاها الفنان عادة من الحرف والمكتسبات التراثية لمنطقته، هذا بالاضافة الى ميولات الفنان الواضحة لجماليات الخط العربي ومحاولة استغلال ابرز تفاصيله وانحناءته وتعرجاته لتأثيث مساحاته البصرية بأسلوب تقني جمالي وتشكيلي يعتمد أساليب التكرار والتجاور والتراكم وفق نسق جمالي محكم البناء والهندسة.هذا بصفة مباشرة وتفاعلا مع ما هو ظاهري لمجموعة أعمال المعرض أما المتأمل جيدا فيمكنه تدريجيا فهم وتأويل ما يبحث عنه الفنان من مظاهر الجمال ومكامن المعنى التي تترجم في رموز تتطلب إدراكا ذهنيا، بما أن الفنان له نظم وقواعد واسس لفنه تمكنه من بناء عوالم خاصة تلامس احاسيس المتلقي وفكره في ذات الان، حيث يقول تول ستوي" ان الفن يثير في المرء شعورا سبق وأن جربه، اذ يثيره في نفسه ثم يعمد الى نقل هذا الشعور بواسطة الخطوط والألوان او الحركات والأصوات، او الاشكال المعبر عنها بالكلمات وغيرها، بحيث يصبح هذا الشعور جزءا من تجربة الاخرين" بما معناه أن مخاطبة الفنان سلمان للمتلقي بما جربه وقام بلقائه سابقا هو محاولة لإعادة اختبا رشعوره واحساسه به في لحظة وسياق وحضور مختلف، حيث ينتهج الفنان منهج الاختزال وبعث رسائل لحقائق أخرى لما هو معاش ومجرب سابقا، هو بناء جزئية الحقيقة واختزال للواقع، هو استخلاص الجوهر من الأشياء وصياغته صياغة جمالية من خلال الاهتمام ببناء الرموز والدلالات والتعبير عن حال الشيء بتحريف الاشكال الأساسية عن أوضاعها، اعتمادا على التضمين والتعريج والايحاء. انه البحث عن الحقيقة الثانية لما هو قائم في ذهن المتلقي، من خلال ابراز البعد الزماني والمكاني والروحي من خلال قوة الفكرة والتقنية ولعل تكوين الفنان في مجال الجرافيك والتصميم فتح امامه المجال واسعا كما سبق وذكرنا للتنويع في التراكيب وأساليب المعالجة الخطية واللونية.حيث كانت عناصر بنائه التشكيلي العامة قائمة على: الفكرة أو الموضوع (الخامة أو المادة)، أما البنائية فانطلق من نقطة نحو الخط بمختلف أحجامه واتجاهاته ونوعياته فالشكل اما التشخيصي وفي أغلب الأحيان المجرد، هذا الشكل الذي يستقر على المساحة اما في شكل غرافيكي او كتلة وحجم وما يربط بين هذه الاشكال المؤثثة للمساحة البصرية هو فراغ فضوء وظلّ واللون من خلاله. حيث اعتمد على التضاد اللوني بين الألوان الحارة والباردة إضافة الى اعتماده على الألوان المتكاملة، وكذلك الحضور الكبير للقيم اللونية الابيض والاسود في شكل خطي غرافيكي او في شكل مساحات ملونة او خلفيات او اشكال مكونة لعناصر البناء الكلية، فاعتمد الفنان من خلالها خصوصا على الوحدة والاتزان حينا والتنوع والايقاع أحيانا أخرى كما سيادة شكل او خط أو مفردة على مساحة معينة من خلال اعتماد طرق معالجة متناسقة حينا ومتناقضة أحيانا أخرى من حيث السمك والملمس وتنوع علاقة الشكل بالأرضية.كل هذه العناصر العامة والبنائية والكلية كانت أساسية في بناء الفنان لآثاره الفنية كما كانت مهمة في قراءتها وتذوقها، بماهي تعكس قدرات الفنان التصميمية والجرافيكية والتشكيلية والتي تضافرت حسب رايي الشخصي وكونت نواه هذا المعرض وميزة تركيباته التي تعكس بحثا ومنطقا خطيا ولونيا وجماليا يثير فينا الرغبة في التواصل ومحاولة ربط العلاقات وايجاد سبل للإدراك والتأويل، فأعمال الفنان عكست حساسية كبيرة تجاه الموضوع والتقنية وطرح الموضوع هذه الحساسية التي تجمع ذات التشكيلي بالمصمم البارع تمنع المتلقي من التوهان والشعور بالغربة تجاه الاثر الفني رغم التوجه التجريدي في المعالجة لأنها تذكره دائما بما عايشه سابقا، وتحيله الى اخر جديد هنا داخل الأثر من خلاله، فيبدأ بربط الخلفيات والمراجع والذكريات لينتشي بتلك اللحظة التي يواجه من خلالها الاثر الفني الذي تتعدد وظائفه وخصائصه منها الجمالي، الدلالي، التربوي، الثقافي الفكري، التأثير الانفعالي والعاطفي الى غير ذلك من الأدوار التي يعتمد الوصول اليها صيغ اسلوبية عديدة تتفق وتختلف عن ما جاءت به المدارس الفنية الحديثة من رؤى وأفكار وتختلف من فنان الى آخر حسب قدراته التقنية ورؤاه الفكرية والفلسفية.العمل الفني للفنان سلمان الحجري يحتل جوهر لحظة ما وفكرة ورؤية، لجعلها دائمة وبالتالي هو يحمل في طياته معاني وفكرة وتقنية...يثير الاحساس الجمالي للمتلقي ويستفزه للقراءة والتأويل كما لا يعمق احساسه بالغربة بما هو قادر الى إعادته للواقع من خلال ذلك الامتلاء الحاصل لديه لحظة وقوفه إزاء الأثر، امتلاء ساهم ذلك المصمم الجرافيكي الذي يسكن الفنان التشكيلي في شحنه داخل الأثر وبالتالي داخل المتلقي على حد السواء.ركزت خلال هذه القراءة على أهمية تكوين الفنان في مجال التصميم في اخراج اثر نوعي وخاص رغم التقاء العديد من الفنانين العمانيين في نفس المواضيع تقريبا الا ان هذه الخصوصية التي أظهرها الفنان سلمان الحجري في هذا المعرض قد تمكنه من المزيد من التميز والتفرد ان واصل الاشتغال عليها في المستقبل لأنه وحسب معرفتي بأعمال الفنان السابقة يعد هذا المعرض نقلة نوعية ومرحلة مهمة يجب البناء عليها لما هو آت. فشئنا اليوم ام ابينا يتميز الفنان الذي يمتلك اليات بناء وتشكيل وتكوين في اختصاصات متنوعة عن غيره من الفنانين نظرا لما توفره هذه الآليات من حلول وطرق معالجة مختلفة. دلال صماريباحثة وتشكيلية تونسية