في نسخته الثامنة التي باتت تعقد كل عامين، طرح مؤتمر عجمان الدولي للتخطيط العمراني الأسبوع الماضي بمشاركة مجموعة من المعماريين والمخططين ومهندسي تنسيق المواقع، موضوعا مختلفا في بحثه في قضايا المدينة حيث سعى لتعريف وتحديد أسس المدينة السعيدة والمتسامحة. ويأتي هذا الموضوع بعد ان صدر تقرير السعادة العالمي لعام 2017 عن مجموعة من الباحثين المستقلين والذي يعالج مجموعة من القضايا الاجتماعية والبيئية والصحية والنفسية عبر تقاطعات عابرة للقارات بحثا عن تصنيفات لمعايير الرفاه والسعادة في الدول والأقطار المختلفة.مؤتمر عجمان الدولي الثامن، حيث اتيحت فرصة المشاركة فيه كمتحدث منذ عدة سنوات والذي تنظمه بلدية عجمان، وبدعوة من البروفسور صباح مشتت، جاء متساوقا مع توجه دولة الامارات العربية المتحدة باستحداث وزارة جديدة للسعادة، وجاءت البحوث والمناقشات ضمن هذا الإطار من خلال عرض التجارب المختلفة الدولية من الباحثين والمشاركين. هذا المؤتمر يطرح موضوعا مهما يتساوق مع معطيات القرن الحادي والعشرين وفي فترة باتت المدن تحتاج للالتفات للمعايير اللامحسوسة التي بدون شك لها اثر باتجاهين في البيئة المبنية.المدن السعيدة والمتسامحةفكرة المدينة السعيدة تبدو مثالية وحالمة لأول وهلة، ويقفز للذهن مباشرة فكرة المدينة الفاضلة أو المدينة المثالية من جهة، كما يبدو المصطلح مغايرا لفكرة المدينة التعيسة أو مدن الكراهية والتناقض الاجتماعي. والتساؤلات التي تطرح هي كيف نعرف المدينة السعيدة وما هي معايير السعادة؟ فهذا مصطلح نسبي يرتبط بالادراك والشعور النفسي اكثر منه كحالة تطبيقية انعكاسية على البيئة العمرانية والبيئة المحسوسة. أم هل للبيئة المخططة جيدة دور أساسي في تحقيق السعادة للقاطنين؟ الإجابة تبدو متشعبة ومرتبطة بالعلاقة بين المدرك واللامدرك من التنظير الفلسفي لمفهوم السعادة ولمحاولة النظريين والتطبيقيين لاسقاط هذا المفهوم ضمن رؤية مثالية للمدينة الفاضلة على النسيج الحسي للمدينة. ولكن قبل ان نناقش هذا التطور التاريخي الفلسفي لمحاولة الفلاسفة الاقدمين لتعريف البيئة الجيدة والمثالية وما تلاها من محاولات المخططين والمعماريين لتعريف النسيج العمراني الجيد، لنبدأ أولا بمداخلة أساسية يطرحها علماء الحضرية في نظرتهم المتباينة للمدينة الحديثة. فمن جهة يرى بعضهم ان المدن الكبيرة الضخمة هي فرص كبيرة للاستثمار والثراء وتوفير الحياة الكريمة لسكانها، ومن جهة أخرى يرى آخرون انها مستوطنات ضخمة تعيسة وبائسة تنتشر فيها الامراض والاوبئة ومناطق الفقر وعدم تكافؤ الفرص والظلم الاجتماعي ونقص الرعاية الصحية، فأيهما اقرب للواقع، وهل يمكن فعلا تلافي سلبيات المدن سعيا نحو مجتمعات وبيئات افضل تقترب من النظرة الإيجابية للمدينة المعاصرة؟ولذلك فقد جاءت مداخلة كاتب هذه السطور كأحد المتحدثين بالمؤتمر ضمن عدة أطر ومحاور لتفكيك هذا المفهوم، لا سعيا نحو تعريف المدينة السعيدة او المتسامحة، كما جاءت اغلب مداخلات المتحدثين، ولكن سعيا لفهم الفكرة بمناقشة ضدها، فالشيء يعرف بضده ونقيضه.المدينة: نظرة متصلةفالمدن العالمية الحديثة كما يذكر (Tom Angotti) باتت هي علامة القرن الحديث، فأكثر من نصف سكان الكرة الأرضية يسكنون في مدن ضخمة رئيسة، وبالوتيرة التي تستمر عليها الزيادة المطردة في الحضرية يعتقد بأنه مع حلول نهاية القرن الحالي سيكون كل سكان الكرة الأرضية يسكنون في عواصم ومدن حضرية تاركين ما يعرف بالريف للزراعة ومناطق شبه خاوية تخصص للزراعة الصناعية والتنجيم وشؤون الغابات. ويرى علماء المدن والدراسات الحضرية والمدينية ان التحضر أصبح ظاهرة عالمية منذ أكثر من قرنين من الزمان. فالعالم في العام 1800 لم يعهد مدينة يصل عددها المليون باستثناء مدينة واحدة هي لندن. وبينما كان عدد سكان المدن المائة الكبرى في العالم قاطبة لا يزيد عن 20 مليون نسمة آنذاك, أصبح عدد سكان المائة مدينة كبرى مجتمعة يزيد عن 540 مليونا في العام 1990, كما ان أكثر من 220 مليونا منهم يتركز في 20 من هذه المدن العالمية الكبرى مثل طوكيو التي يزيد عدد سكانها عن 30 مليونا اليوم, ومكسيكو سيتي 20 مليونا ونيويورك 10 ملايين.ومع نهاية القرن العشرين هناك 20 مدينة ضخمة تحوي أكثر من 10 ملايين نسمة. كما أن 19 مدينة من أصل 25 مدينة ضخمة تنتمي للعالم الثالث. وهناك أكثر من 60 مدينة في العالم يبلغ تعداد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة. كما انه كان من اللافت تصاعد وتيرة موجة الهجرة من الريف للمدينة في العالم بشكل عام في النصف الثاني من القرن العشرين. ويهاجر أكثر من 20 مليون فرد للمدينة سنويا بسبب للتطور الصناعي والإغراءات المدينية مقابل تدهور حال الأراضي الريفية والريف بشكل عام نتيجة التلوث البيئي أحيانا. وقد قفزت أعداد السكان بالمدن العالمية من 200 مليون في العام 1950 إلى مليارين في العام 1990, ويتوقع أن يصل هذا العدد إلى 3 مليارات في العام 2025.في عام 1925 كان هناك أقل من 10 بالمائة من السكان في الدول النامية يعيشون في المدن. بين العام 1950 والعام 1975 استقطبت المدن الحضرية في هذه الدول النامية أكثر من 400 مليون نسمة. ونزح للمدن الحضرية في البلدان النامية بين العام 1975 والعام 2000 أكثر من 1000 مليون نسمة, نصفهم من السكان الذين يعيشون في هذه المدن أصلا وذلك بفعل الزيادة الطبيعية العالية وعدد أفراد الأسرة الكبير طبيعيا.مشكلات "مدينية"المحور الآخر الذي تطرقت له مداخلة كاتب هذه السطور في عرض واقع المدينة الحالي، في محاولة لإظهار ما تعانيه المدن الكبيرة ضمن الأطروحة التي تظهر المدينة كواقع متشابك من السلبيات والإيجابيات كان عرض موجز ضمن نقاط تلخص علاقة المدينة بالبيئة المحيطة. فالمدن الحديثة تشكل فقط 2% من مساحة سطح الكرة الأرضية ومع ذلك تستنفد ثلاثة أرباع المصادر الطبيعية للأرض، وتطرح نفس الكمية الهائلة من الفضلات ومخلفات الصناعات.وقد جلبت المدينة والمدنية الحديثة مجموعات مستحدثة من الأمراض المزمنة التي لم يعرفها أسلافنا من البشر منها أمراض القلق والكآبة النفسية وأمراض الظهر والربو وأمراض الجهاز الهضمي والبدانة المفرطة التي تقود للكثير من الأمراض المزمنة وذلك بفعل تناول مجموعات ضارة من الأغذية التي تقود إليها مع قلة الرياضة والحركة بالجلوس لساعات طويلة سواء خلف المكاتب وأمام شاشات الكمبيوتر أو التلفاز. كما أن هناك تحورات بيئية ومشكلات المدينة غير المسبوقة إذ تشكل مسألة علاقة المدينة الحديثة بالبيئة المحيطة إحدى أبرز المشاكل المعاصرة الآخذة بالإتساع. فهناك مشاكل التلوث بأنواعه المتعددة. وهناك تناقص الموارد الطبيعية بتزايد رقعة المدينة على حساب الأراضي الزراعية، والمشكلات الإجتماعية كالبطالة والجريمة. وتغير مفاهيم الصحة الفردية وتدهورها في المدينة. يضاف لها مشكلة التزايد المستمر في درجة حرارة العالم. ونتيجة لثراء المجتمعات الحضرية وتنامي المدن العالمية الضخمة بما تتطلبه من حرق مصادر الطاقة والوقود لتسيير حياة سكانها اليومية وتصاعد الغازات الضارة في الجو وتلوث الهواء وإنتاج الكميات الهائلة يوميا من ثاني أكسيد الكربون والميثان وثاني أكسيد النيتروجين وغيرها فقد تسبب كل ذلك في تكون ظاهرة "التسخين العالمي" أو (Global Warming), وهي ظاهرة باتت مقلقة للحكومات والمجتمعات الإنسانية. كما ان احتباس الإشعاع الحراري في طبقات الجو العليا مما يرفع من درجة حرارة الجو، وهذه الظاهرة تنامت في المائة عام الأخيرة فقط حيث زادت درجة كمية ثاني اكسيد الكربون بنسبة 25 بالمائة خلال القرن المنصرم وحيث زاد معدل درجات الحرارة بمقدار نصف درجة مئوية منذ الثورة الصناعية وكانت أكثر السنوات حرارة في الثمانينيات والتسعينيات مقارنة بمثيلاتها من القرن السابق. وهذه ظاهرة تهدد المدن التي تقع على شواطئ الأنهار والبحار, فتغير منسوب مياه البحر وستعاني من نقص مصادر الغذاء نتيجة الإرتفاع المتزايد لمنسوب المياه نتيجة التسخين العالمي والفيضانات وذوبان كتل الجليد الهائلة في القطب الجنوبي. ويكن مكافحة التسخين العالمي بزراعة كميات هائلة من النباتات والمحافظة على الثروة الحرجية . ومن الظواهر المستحدثة الصراع على المصادر الطبيعية والمدن "الطفيلية”. كما تعاني مدن العالم نتيجة فائض الهجرة من صراع على الموارد الطبيعية وفرص العمل وضغط على السكن أكثر بكثير مما يمكنها توفيره مقارنة بالمساحة الجغرافية لهذه المدن. فمن أبرز المشكلات الأخرى التي تواجه مدن اليوم هي المصادر الطبيعية. فقيام المدن أصلا قام تاريخيا بناء على مواقع استراتيجية شكلت العامل الرئيس في اختيار مواقعها بالإضافة إلى ميزات وقوعها على خطوط التجارة والمواصلات.وهناك مفهوم الرقعة الجغرافية "الفعلية" للمدينة والتي تتجاوز مساحتها الجغرافية الظاهرية. حيث تعرف الرقعة الجغرافية الفعلية للمدينة على أنها المساحة الفعلية اللازمة لاكتفاء المدينة بسكانها من المصادر الطبيعية, وتمويل احتياجاتها من منتجات الأخشاب وكذلك المساحة اللازمة لطرد غازات ثاني أكسيد الكربون التي تطرحها مخلفات الصناعة بها, والمساحات الخضراء اللازمة لعمليات الأيض الطبيعيوهناك عوامل صناعية تعتمد عليها المدينة في وجودها كمحطات الطاقة والمصانع والتي تساهم في تدمير البيئة الطبيعية أكثر فأكثر. فالمدينة تستهلك موارد الطاقة الطبيعية وهي منتج رهيب للمخلفات من الصناعة والمخلفات الأخرى. وتستهلك مدن العالم وتحتاج إلى كميات هائلة من الماء لاحتياجات الفرد للشرب والاستحمام ووظائف الحياة والترفيه. ويتمتع مواطنوا شمال امريكا بحظوة كبيرة عن نظرائهم وبخاصة مواطنوا العالم الثالث. أما توفير اللحوم لسكان المدن فيعني توفير الحيوانات بكميات كبيرة في مزارع خاصة لها وظيفة وحيدة هي تربية الحيوانات لذبحها للإستهلاك البشري مما يعني تطوير أساليب العناية البيطرية واستعمال المواد الكيماوية لتنميتها بسرعة. كما أن البحث عن الغذاء الرخيص لتوفيره للمستهلك لا يمثل بحال الكلفة الفعلية والخسارة التي تتكبدها صناعة الغذاء وتوفيره للمستهلك على المدى البعيد, حيث أن مشكلات انجراف التربة الزراعية والضرر الذي يتكبده التوازن البيئي الريفي بواسطة الزراعة الحديثة.مشكلات اسكانية واجتماعيةثمة دراسة حول أكبر 100 مدينة عالمية لتقييم مستوى الخدمات والرفاه التي تقدمها المدن للمواطنين من خلال معايير منها السلامة العامة تكلفة الغذاء المساحة المتوفرة للسكن ومستوى الخدمات الإسكانية ونقاء الهواء والمواصلات والأمان الإجتماعي. المدن التي سجلت نتيجة "جيد جدا" كانت تقع في شمال أمريكا وأوروبا وأستراليا واليابان. اما المدن التي سجلت نتائج "جيد" فكانت تقريبا في نفس المواقع السابقة بالإضافة إلى بعض مدن شرق أوروبا. وهناك المدن ذات مستوى المعيشة "المقبول" مدن جنوب أمريكا الكبيرة والصين وكوريا وشمال أفريقيا. اما الدول ذات مستوى المعيشة "السيء" كانت في الهند وبيرو والبرازيل والباكستان وأفريقيا.مشكلات بيئية: الفضلات والتلوث واستهلاك الطاقةبقدر زيادة الرفاه الإجتماعي للمدن بقدر ما تزيد أطنان الفضلات التي تطرحها يوميا. وتتصدر العالم قاطبة مدينة نيويورك في طرح أكبر كمية فضلات يوميا حيث يطرح كل فرد 1.6 كيلوغراما يوميا من القمامة, وتتخلص المدينة يوميا من 24 ألف طن من القمامة ويطرح الأوروبيون عموما نصف ما يطرحه الأمريكان رغم أن كمية القمامة المطروحة تظل عالية. في بعض المدن مثل كالكتا بالهند يتم حل بعض مشكلة القمامة حيث يعتاش بعض الآدميين على الطعام المتوفر في القمامة.السوائل الكيماوية السامة التي تطرحها المدينة يوميا تجسيد للمدن الصناعية المعاصرة ومظاهر المدنية. مخلفات التنظيف الصناعة والزراعة ومخلفات الزيوت ومساحيق التنظيف والأسمدة الكيماوية ومبيدات الحشرات تهدد العيش الصحي لسكان المدن والتلوث البيئي وتلوث الغذاء والثروة السمكية والكائنات البحرية وهناك مناطق عالمية تعد مناطق منكوبة من ناحية بيئية وصحية - دول أوروبا الشرقية ودول الإتحاد السوفييتي السابقة. وللحديث بقيةد. وليد احمد السيد مستشار تطوير التراث العمراني [email protected]