عبدالعزيز بن محمد الروشدي:
في العام المنصرم كنت في زيارة عمل إلى جمهورية مصر العربية، وكأي زائر يزور أيّ بلد يسعى إلى اكتشاف كل ما فيه من تاريخ وثقافة، خاصة وإنني أتحدث عن مصر، هذا البلد ذو العمق التاريخي الممتد لأكثر من سبعة آلاف عام.

قصدتُ في تلك الرحلة عدّة أماكن سياحية، كان من أبرزها "سوق خان الخليلي"، السوق التاريخي وأحد أقدم الأسواق العربية. ذلك السوق الزاخر بشتّى المنتجات المصرية التقليدية، كالقطن المصري والمشغولات اليدوية ذات النقوش الإسلامية، والتي برع صانعوها في تجسيد الثقافة المصرية العريقة بأبهى صورها.

ما شدّ انتباهي أثناء تجوّلي في السوق التاريخي هو كثرة تواجد السائحين الأجانب والعرب رُغم ضيق أزقّة السوق وازدحامه الشديد. قصدتُ بعد ذلك "قهوة الفيشاوي" والتي يرجع تاريخها إلى أكثر من 220 عاماً، والتي كان يرتادها العديد من الأدباء والمشاهير أمثال الأديب العالمي نجيب محفوظ وجمال الدين الأفغاني وغيرهم. فلا تكاد تصل هناك إلا بعد عناء طويل لضيق الأزقّة المؤدّية إلى القهوة، ورغم ذلك فإنك لن تجد موطأ قدم فور وصولك لازدحامها بالسائحين.

بعد ذلك واصلتُ مسيري نحو زقاق آخر يؤدّي إلى أحد أشهر المطاعم التاريخية في السوق القديم، وهو مطعم نجيب محفوظ، الذي يعود تاريخ إنشاءه لأكثر من قرن، والمبنى الذي يحوي بداخله المطعم تم بناءهُ في عصر الدولة الفاطمية، ولا يزال شاهداً على عراقة الحضارة المصرية أمام آلاف السائحين الذين يقصدونهُ سنوياً. في هذا السوق تحديداً يدرك المصريون أنّهم يمارسون دوراً ثقافياً هاماً، إذ أنّ هذا التناغم يعكس الصورة التاريخية التي ينبغي أن يكون عليها ذلك السوق، دون أدنى تعارض مع القيم والعادات. ناهيك عن أهرامات الجيزة، والمتحف المصري، وقلعة صلاح الدين وغيرها الكثير من الآثار التاريخية التي أصبحت استثمارا اقتصاديا يدرُّ على مصر ملايين الجنيهات سنوياً.

هذه بعض المشاهدات التي لا زالت عالقة في ذهني.
ولا زلت أسال نفسي: كيف يمكن أن نستثمر تاريخنا وثقافتنا ونُعرّف العالم علينا من منظور آخر؟

لقد أصبح الاستثمار في الثقافة والتاريخ جزءا لا يتجزّأ من اقتصادات الدول، وقلّما تجد دولة تخلو من أي دلالة وموروث ثقافي. ورُغم أن الحروب والصراعات في فترة من الفترات حالت دون تبنّي بعض الدول استراتيجيات فاعلة للنهوض بقطاعها السياحي والاستثمار في الثقافة والتاريخ وإبراز موروثها للعالم، إلّا أنه وبعد الاستقرار السياسي والاقتصادي عادت بعض الدول لتنشيط هذا القطاع الذي ظلّ مُهملاً لعقودٍ طويلة. كدول الاتحاد السوفياتي السابق وبعض الدول الآسيوية.

اعتقد بأننا إذا أردنا أن نستثمر في الموروث الثقافي والتاريخي ونحوّله إلى صناعة واستثمار حقيقي فإنهُ ينبغي علينا أن نتحوّل من الفكر الإشرافي إلى الفكر الصناعي القائم على خلق الفرص وترويجها، وأن نتعامل مع الثقافة والموروثات بأنّها مشاريع قابلة لاستهلاك الجماهير وجذب السائحين.

والفكرة هي أساساً قائمة على تحويل المواد الثقافية والموروثات التاريخية إلى مشروعات اقتصادية يمكنها أن تساهم في دعم اقتصاد الدول وخلق مصادر أخرى للدخل القومي. وهناك العديد من المجالات الثقافية التي يمكن أن نستثمرها، كالسينما والمسرح وإنتاج البرامج والمسلسلات الوثائقية التي تعكس الجوانب التاريخية والثقافية.

ولكن وقبل أن نحرّك رؤوس أموالنا باتجاه هذه الصناعات ينبغي أن نعي قيمة ذلك.
وختاماً أقول: إن الحراك الثقافي لا ينبغي أن يقف عند حدٍ مُعيّن، فهو مستمر باستمرار عطاء المُبدعين في شتّى ميادين العلم والمعرفة والثقافة.

جامعة السلطان قابوس
[email protected]