المسجد الآخر في هذه الفئة والذي ينتمي للقائمة القصيرة، هو مسجد مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية في الرياض. ويتميز هذا المسجد بأنه يقدم تعبيرا معاصرا عن الأصالة والزمان والمكان في طابعه العمراني وتكوينه العضوي بالنسبة للموقع العام، فضلا عن تقديم أفكار مهمة فيما يتعلق بالاستدامة وبما يواكب عمارة القرن الحادي والعشرين. كما يبين روعة الناتج المعماري في تناغم مع المحيط. ولقد أنشئ المسجد للمجمع السكني للمركز، ويجسد البعد الاجتماعي بالإضافة لأبعاده العمرانية حيث يخدم الموظفين وعائلاتهم. ويقع المسجد، ضمن مساحات خضراء والتي تشمل سلسلة من الساحات التي توفر رؤية واسعة للمسجد وللمحيط الذي يقع فيه. ويرتفع بمقدار ثلاثة أقدام فوق المساحات المجاورة المفتوحة. ونظرا لأنه تحيط به بركة ماء عاكسة يبدو المسجد وكأنه يرتفع ويتلألأ فوق صفحة الماء مع الإضاءة الليلية. ولذلك يبدو شكل المسجد وكأنه يتغير بين الليل والنهار. في النهار تنعكس الظلال من خلال النوافذ الزجاجية المتوهجة، مما يخلق تجربة ديناميكية تختلف حسب الموسم المناخي. أما في الليل، فيعمل الصندوق الزجاجي مثل المصباح، حيث يتلألأ مع الضوء في الأسفل وتتخلله نقاط الضوء من الأعلى.ويتميز المجمع والمركز باستخدامه لعناصر ومبادئ التصميم المستدام، إذ تم البدء بالتصميم المستدام في المخطط العام الرئيسي. وقد تم تصميم التنسيق الحدائقي في الحرم الجامعي بحيث لا يتجاوز الموازنة المائية للتكنولوجيات المتاحة لمياه الصرف الصحي المعالجة، مع استخدام مواد التنسيق الطبيعي المناسبة للصحراء والتي تتحمل الجفاف. ويحتوي المسجد، بالإضافة إلى الإستفادة من جميع استراتيجيات الخطة الرئيسية الشاملة، على سلسلة من الخطوات لدمج التصميم المستدام في المبنى. لقد تم تصميم المبنى بجدار مصمت من 5 جوانب من الخرسانة المصبوبة في الموقع في المكان بسماكة 500 مم تتميز بأنها توفر كفاءة الطاقة من خلال الكتلة وتتيح الكتلة تخزين الطاقة أثناء النهار والتخلص منها خلال الليل. هذه الجدران تحتوي الحد الأدنى من الفتحات، وتتخللها فتحات صغيرة لجلب أنماط من الضوء الطبيعي إلى المسجد ولكنها تسمح باكتساب قليل للحرارة. ثانيا، تم تصميم المبنى مع فراغ خلالي بين كتلة الجدار المصمت والحائط الساتر. ويستخدم هذا الفراغ لرفض الحرارة من الوحدات الميكانيكية، والتي تقع في الطابق السفلي. وتقوم الوحدات بتنفيس الهواء في الجزء السفلي من هذا الفراغ، والذي يتم تهويته في الجزء الخلفي من الحاجز العلوي، وبالتالي خلق قشرة مزدوجة التهوية للمشروع.أما المشروع الآخر من هذه الفئة فهو مسجد تميم بن أوس. في مسجد تميم بن أوس تعتمد الفكرة التصميمية على فكرة التوحيد، الركن الأساسي من أركان الإسلام. كما استلهمت الفكرة التصميمية جوهر الدين ووسطية الإسلام باجتماع القوة والبساطة وربط ودمج عناصر المسجد العضوية في جسم واحد متجانس. ويتسم التصميم بشكله العام الخارجي والداخلي على حد سواء بالبساطة والاعتماد على استخدام المفردات المعمارية الشائعة في عمارة المساجد بالتجريد ودون اللجوء إلى الأشكال التقليدية. فقد استعملت مئذنتان للمسجد بشكل مجرد، وروعي في هاتين المئذنتين توظيف الشكل لحساب الوظيفة المحوّرة. فقد تم استخدامهما لتعملان كملقفي هواء لتحريك الهواء من داخل وخارج المسجد وصحنه الخارجي. كذلك تم تنظيم العلاقة بين الداخل والخارج من خلال تنظيم دخول الإضاءة الطبيعية للمسجد. وفي نفس الوقت تم التعامل بقدر كبير من الاهتمام بالظلال والتظليل في فراغات المسجد الخارجية لأهميتها في تقليل حدة الشمس والحر، وكعامل مساعد في توفير قدر مهم من الراحة للمصلين. وقد تم استخدام المشربيات الخشبية على ارتفاعات متفاوتة في تصميم المسجد لأهميتها في تنقية والتقليل من حدة أشعة الشمس وتنظيم دخولها للفراغات وكسر حدة الحرارة العالية في الصيف. وقد امتاز الحل التصميمي للمسجد بمراعاة العامل البيئي ومبادئ الاستدامة، وكذلك استخدمت مواد ونظم بناء في المشروع بما يتلاءم مع شروط تحقيق متطلبات الاستدامة. وعلى الأخص تم استخدام مواد بناء تمتاز بالاستغلال الأمثل للطاقة وكذلك إدارة مخلفات البناء والتخلص من المواد الخطرة واستخدام مواد المركبات العضوية المتطايرة المنخفضة بما يتناسب مع اشتراطات نظم الاستدامة.جوائز تكريم إنجازات الحياةوشملت المشروعات التي تم استعراضها مشروعات قدمت من راسم بدران من الأردن وعبد الواحد الوكيل من مصر، وهما اثنان من المهندسين المعماريين المميزين اللذين لا تخفى أعمالهما وقوبلت دائما بإعجاب. وقد صمم كل منهما عددا من المساجد في المنطقة، كانت علامات مهمة في تحديد تطور عمارة المساجد بشكل عام خلال الفترة قيد النظر، ويمثل كل من المعماريين المخضرمين منهجية مختلفة إلى حد ما في عمارة المساجد. ونظرا لإسهاماتهما المستمرة واجتهاداتهما وطروحاتهما المتميزة على المستويين النظري والتطبيقي فقد رأت لجنة التحكيم أن مساهماتهما في عمارة المساجد خلال الفترة قيد النظر تتطلب الاعتراف بشكل يتجاوز تصاميم مساجد فردية أو معينة بحد ذاتها. ولذلك فقد اقترحت لجنة التحكيم أن تمنح جائزة الإنجاز مدى الحياة لكل من بدران والوكيل.تصاميم مسجد راسم بدران تعبر عن درجة عالية من الانضباط والبراعة في تفسير المعالم المعمارية التقليدية المحلية لتطوير الحلول المعمارية المعاصرة التي توفر شعورا قويا بالهوية والمكان. إن النقلات التطورية المستشرفة للمستقبل التي أظهرتها مشاريع بدران، ومنها ما اعتمده من نظام الموديول في المسجد الجامع لقصر الحكم وجامع الدولة الكبير في بغداد يظهران نزعته لتقديم العمارة المسجدية ضمن أطر متعددة منها العمارة التشكيلية. ما ميز مساجد هذه الفترة من حياة راسم بدران العملية كان التعامل مع الأشكال كمنهجية تؤطرها محاولاته الدائمة في الاستعارة التاريخية مع تحويرات للمفردات والعناصر المعمارية والبحث الدائم عن مواد بناء جديدة، ترمي بتصميماته المعمارية في إطار المعاصرة مع استعمال متوازن ومدروس للألوان الطبيعية، وكلها كان يتم تنسيقها بشكل مبهج صوريا وعلى مستوى التشكيلات العمرانية. العلاقة الأهم، والتي تجاوزت حدود العلاقة بين الشكل وبين الوظيفة، كانت في تنظيم العلاقات تحت مظلة فكرية نظرية عامة تحدد وتؤطر بشكل صارم حدود الفكر الثقافي المحلي ومتداخلات الفكر العالمي.أما مساجد عبد الواحد الوكيل فقد شكلت ظاهرة معمارية غير مسبوقة وجريئة في التعامل مع الماضي بمعطياته كمصدر للاستعارات التاريخية، والوكيل قد عاد لتراث غني جدا من القاهرة الفاطمية والمملوكية وتراث العمارة العثمانية، وقدّم نماذج معمارية متميزة وأسّس لمنهج وناتج عمراني في وقت اختلطت فيه معالم العمارة الرصينة بالممارسة الرديئة بأخلاط من تداخلات العمارة العالمية وشواهد من عمارة دخيلة اجتاحت الوطن العربي منذ سبعينيات القرن الماضي. كما يؤسّس عبد الواحد الوكيل لإرث عريق في طرق البناء التقليدية من خلال بنائه لمجموعة المساجد في المملكة العربية السعودية. ليس هذا فحسب، بل يعيد تسليط الأضواء على حرف تقليدية ومهنيين ومعلمي بناء وعمال مهرة كادت حياتهم المهنية أن ترتبك، وبعضهم ممن عاصر المعماري الراحل حسن فتحي وواكب تجربته الرائدة في إحياء طرق البناء التقليدية باستخدام الطوب. وتمثل مساجد عبد الواحد الوكيل تنوعا مبتكرا ابتعد تماما عن التكرار، حيث قدّم في كل مسجد فكرة مبتكرة من حيث الشكل العام، والتركيبة الفراغية العامة للمسجد، مع تلاعب ذكي وبتمكن المصمم من تراكبات الكتل المتناسقة معا. وفوق ذلك أظهر المصمم قدرة فائقة في التعامل مع نسب المفردات المعمارية، سواء من حيث مرجعيتها التاريخية أو بالنسبة لعلاقة المفردات بالتكوين العام للمسجد. وبالإضافة لذلك، كانت دراسة العلاقة بين الكتلة وبين الفراغ متميزة (علاقة الداخل والخارج) أو الساحات والأفنية بكتلة المسجد الرئيسة.وبهذا الإطار فقد قدم بدران والوكيل منهجيات متباينة في فهم كل منهما للعمارة المسجدية والتي رسمت ملامح العمارة المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي والعالمين العربي والإسلامي.آفاق جائزة عبد اللطيف الفوزان بعد دورتها الثانيةتفتح جائزة عبد اللطيف الفوزان الباب أمام قراءة الاجتهادات فيما يخص عمارة المساجد في منطقة الخليج العربي. وبالإضافة لتقييم محاولات المبدعين من المعماريين في مجال التصميم المعماري، فالجائزة كذلك تسلط الضوء على الفكر والخطاب المعماري الذي يقف خلف هذه المحاولات، من أجل قراءة وتفسير العلاقة بين الماضي وبين الحاضر من جهة، وتلمس الطريق أمام تداخلات الفكر والثقافة العالمية التي باتت تغزو المجتمعات العربية والمسلمة من خلال العولمة.إن الطروحات والتفسيرات التي قدمتها الجائزة في دورتها الثانية من خلال القائمة القصيرة تعبر عن تعددية الخطاب المعماري المعاصر بالنظر إلى التفسيرات المقابلة التقليدية والحداثوية وما بينهما على حد سواء. وتعبر كذلك هذه الطروحات المقدمة على التفتح الواعي الذهني من قبل المصممين لضرورة تقديم حلول تتجاوز أحيانا طروحات الماضي الشكلية والتشكيلية لتخطو للأمام نحو تقديم عمارة مسجدية تلبي الحدود الدنيا الشرعية المفروضة لعمارة المسجد مع مراعاة الظروف البيئية وخصوصية الأبعاد الإجتماعية والظرفية والمناخية، سعيا نحو اجتهادات لا تغفل الماضي ولا تغبن الحاضر والمستقبل.لذلك ـ وضمن اعتبار هذه الأطر، ومن خلال اختيار لجان التحكيم الواعية لكل دورة ـ تقدم جائزة عبد اللطيف الفوزان طروحات نقدية جادة ومهمة لتأسيس خطاب معماري واعِ وغير مسبوق يحدد الأطر الناظمة لعمارة المساجد. ونظرا لتخصص الجائزة في عمارة المساجد وهي جائزة غير مسبوقة، فإن الجائزة بذلك تقدم طروحات مرتبطة بالثقافة والمجتمع وتعيد ترسيم الحدود بين قفزات غير واعية في العمارة العربية المعاصرة قد تجسدها بعض الطروحات الفكرية غير المسؤولة وبين التدبر المتزن لأسس المجتمع والثقافة التي تجسدها وتمثلها عمارة المسجد في الإسلام وفي منطقة الخليج العربي. د. وليد احمد السيدمستشار تطوير التراث العمراني [email protected]