[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2015/09/mmostafa.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد مصطفي [/author]
لم يكد يستوعب المصريون صدمة تفجير كنيستهم في طنطا، حتى باغتتهم آلة الإرهاب الغاشمة بتفجير آخر استهدف كبرى كنائس الإسكندرية "المرقسية"، ذات الدلالة الروحية لدى المصريين الأقباط، وبعد دقائق من مغادرة الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، وفي حدود ثلاث ساعات مؤلمة، تلقى المصريون تفجيرا تلو الآخر وصل عددها إلى خمسة تفجيرات، طافت القُطر المصري من شماله إلى جنوبه، عشرات الضحايا من المصريين، صعدت أرواحهم إلى خالقها، تشكو إليه ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على الناس.
ومع توالي ردود الأفعال الرسمية والشعبية، لاحت في الأفق تساؤلات مؤلمة لعلها تضع النقاط على الحروف، وتُظهر الأسباب والدوافع وراء هذا العدوان غير المسبوق والذي أضحى "حالة"، وجب البحث في اسبابها وانقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الأوان، تلك التساؤلات بحاجة إلى إجابات شافية وناجزة يستحقها المصريون على ما بذلوه من دماء وجهد وصبر في سبيل استقرار لم ينالوه، وأحلام غارقة في البساطة، أضحت سرابا.
أطلقت أبواق بعينها ووجوه محفوظة، واُعملت آلات التوجيه والإلهاء، وأشلاء الضحايا لم ترفع بعد من دور العبادة الواقعة تحت القصف، كلام غاب عنه المضمون وغرق في التشتيت والملهيات و"تطيب الخواطر"، غابت فكرة التحليل العاقل، وحضرت سكرة "التحريض" واستهواء الجماهير واستغلال ميولها ودغدغة مشاعرها المضطربة بفعل الفاجعة، على وقع طبول معارك كلامية في اللا شيء، ودعوات تشديد "القبضة" ومباغتة الإرهاب بـ"ضربة المعلم" إياها، حتى وصل الأمر إلى "الشخط" فيه، واستدعاء مومياوات الدراما المصرية الأثيرة، ورفع نبرة الضجيج المزعج على شاشات الفضائيات من الأذرع الاعلامية الممولة، وكأن ساكني الكهوف من إرهابيي "الجماعات" سيلقون بالا بضجيجهم المزعوم وشخطهم السمج "كفاية إرهاب".
دماء المصريين المراقة في شوارع طنطا والاسكندرية وأسوان وهي مدن يفصل بينها مئات الكيلومترات، بحاجة إلى إجابات، تستصرخ الإجابات، من حقها أن تعرف كيف وبأي ذنب قتلت، يدفع المصريون من "دم قلبهم" كي ينالوا القسط الأقل من الأمن والرعاية، من حقهم معرفة كيف تسلل الإرهابيون إلى ذات الكنيسة مرتين في أسبوع، يزرعون في أركانها البارود والموت، فشلوا في الأولى، بحسب بيانات أجهزة الأمن التي تحدثت عن عبوة مفخخة صغيرة الحجم في بدايات الشهر الجاري، ولكنهم استطاعوا في الثانية تفخيخ حدث مهم وحيوي مثل "أحد الشعانين"، يوم عيد وبركة، يحتفي به المصريون عقب أشهر من الصيام الشاق والمضني، يوم فيه استقبل المقدسيون سيدنا المسيح عليه السلام بالسعف والزيتون، فهل يستحق القوم التمزيق في يوم مثل هذا؟!
تساؤلات حول شكل ما هو قادم من مواجهات، يجب أن نبحث له عن تصور وإعداد خاص، تحديدا بعد إعلان ما يسمى بـ"تنظيم الدولة" أو "داعش" مسؤوليته عن هذه الهجمات المفزعة، فالمعروف أن تنظيم ما يسمى "ولاية سيناء" هو وكيل "داعش" فيما تمارسه من إجرام في مصر، مايستدعي ضرورة الانتباه لحجم المجموعات التابعة للتنظيم في الداخل المصري والتي تستقي أوامرها المباشرة من المركز وليس الأطراف، صرنا أمام حقيقة وجب التعامل معها بجدية، وهي ان التنظيم في المركز مازال قادرا أو لنقل "يرغب" في تقديم الدعم للأطراف وفي أسوأ الاحوال إلقاء ثقله في المواجهة، مع محاولات فك الطوق الأمني عن ولاياته المزعومة الناشطة في إقليم سيناء المحدود والمحاصر بساكنيه من الجو والبر والبحر، عبر ضربات في الوادي والحضر، من هنا، يبدو أن أصحاب نظرية "الذئاب المنفردة" بحاجة لمراجعة تصوراتهم.
دخول داعش، المركز، على خط المواجهة يحيلنا إلى ملف آخر وهو ملف غاية في الحيوية، وهو مدى جهوزية الأجهزة الأمنية المصرية لما هو قادم، وهذا أمر تنبهنا إليه ملابسات الهجوم الذي تعرضت له كنيسة مار مرقس في طنطا، وهي الكنيسة المحاطة بعدد من الهيئات المهمة، مبنى الرقابة الإدارية وهو مبنى شبه عسكري استخباري، ومبنى البنك المركزي، ومقر جهاز الأمن الوطني، والادهى أن الشرطة أعلنت الكشف عن عبوة ناسفة الأسبوع الماضي في ذات الكنيسة، وهنا تساؤل مهم: ما مدى جاهزية أجهزة الأمن بحالتها الحالية للتعامل مع تلك التحديات؟ هل هي في حاجة إلى تغيير استراتيجيات التأهيل واختيار العناصر، أم بحاجة لتغيير القناعات والتصورات في مجملها، والتركيز في مهمتها الرئيسية وهي حفظ الامن؟.
هذه القضايا تم طرحها بعد ثورة الـ25 من يناير، ولكن ضاعت في زحمة الصراع، واختفت في عواصف ما بعد يوم التنحي، فلا يعقل أن تحمل تلك الأجهزة بما لا تطيق من ملفات ومناشط ليست من اختصاصاتها، وهذه أمور تشتت الجهود وتزعزع الكفاءة.
حتى هذه اللحظة تبدو مهمة مواجهة الإرهاب في مصر مهمة غاية في الصعوبة، في ظل المعطيات الحالية يستعصي "الإرهاب" على الإخضاع أو حتى الاحتواء، طالما استمرت نفس الأدوات والإجراءات "التقليدية" والمكررة في التعاطي مع ذات الظاهرة، الغارقة في الاستثنائية والتعقيد، فنحن أمام كيانات مسلحة في حالة تنامٍ مستمر، تتوافر لها عوامل التمدد والازدهار، غير محددة الملامح، قررت في لحظة جنون استهداف المسيحيين المصريين على أساس الهوية، ويعلم الله وحده من ومتى سيضربون المرة القادمة.
حصر المواجهة في شرنقة "التأمين" هو أمر شبه مستحيل، فالمسيحيون ليسوا أقلية وفقا للمفهوم "الكيجوهاتي" لمصطلح الأقلية، فنحن أمام ملايين المصريين من المسيحيين متداخلين في نطاقات جغرافية واسعة في أحياء وقرى ومدن ممتدة من الإسكندرية لأسوان، تأمينهم مهمة مستحيلة.
اعتماد "الحل الأمني" وسيلة وحيدة لمواجهة غربان الجماعات، مثلما يروج محللو "المساء والسهرة" على قنوات الإعلام التعبوي، هو أمر ضارب في الخيال، معه يبدو لنا أن مصر بمكوناتها المتنوعة في حاجة إلى وقفة صادقة مع الذات، في حاجة إلى مصارحة ومصالحة، ومساحات لالتقاط الأنفاس والصدق في مواجهة ما هو قادم، ليس عيبا أن يتحدث أبناء الوطن الواحد عن فترات لـ"الاستشفاء" من جراح سنوات عجاف، أو حتى طروحات حالمات حول "عقد اجتماعي" جديد، يجنبنا احتكار الحق والحقيقة، والأهم إحياء مجالات السياسة في هذا البلد تحفظ مواطنيه من الاحباط والإهمال، حتى نراه وطنا حاضنا بحق، يأمن فيه المصري على نفسه في دور العبادة وفي الطرقات.
غير ذلك، سيستمر الوضع على ما هو عليه كثيرا، وربنا يلطف بالمصريين..
[email protected]