إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامريالمساجد بيوت الله وهي أحب الأماكن إلى الله وأنقى بقاع الأرض وأطهر ساحات الدنيا, منها شع نور الهداية وبزغ فجر الدعوة, وفيها تزكّى الأنفس وتقر الأعين وتهدأ القلوب وترتاح الأرواح, ولهذا أمر الله ـ جل جلاله ـ بإقامتها وعمارتها وشهد لأهلها بالإيمان والهداية ووصفهم بوصف الرجولة فقال:(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور 36 ـ 37)، وقال:(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة ـ 18).دور إيجابي فعالإن المساجد في عهد السلف الصالح ـ رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم ـ كانت منارات تُضيء الدنيا وتُصلح المجتمعات, وتُخرّج الرجال وترَبِّي الأجيال, وتزودهم بالغذاء الروحي والزاد الإيماني, وتُكسبهم الأخلاق الحميدة والسمات الفريدة, وتزيل عنهم أوضار الجاهلية ونزواتها الشريرة, ولم يقتصر دورها كما هو الواقع اليوم على أداء الصلاة وخطبة الجمعة وتلاوة القرآن وإنما كان لها دور إيجابي فعال في كل نواحي الحياة؛ التعبدية والتربوية والتعليمية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية .. فأخرجت قادة الدنيا الذين غيروا وجه التاريخ, وقادوا البشر وسادوا الأمم بعد أن كانوا بدواً رعاة للغنم:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح ـ 29) فهي مساجد الله تضاف إليه سبحانه وتعالى لأن فيها تقام العبادات التي يخضع بها العباد له سبحانه وتعالى، وفيها تتلى آياته وفيها يذكر الناس بمنهج الله والطريق الموصلة إليه، كما في قوله عز وجل:(إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى الا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)، ووردت أحاديث كثيرة في فضل بناءها، كما في حديث عثمان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم): أنه قال:(من بنى مسجداً يبتغى به وجه الله بنى الله به مثله بيتاً في الجنة)، وكذلك ورد فضل عظيم في السعي إليها كما ورد في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي يرويه أبو هريرة ، أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال:(من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزل في الجنة كلما غدا أو راح)، وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه:(من توضأ فاحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلى الصلاة إنه كلما خطا خطوة إحداهما تحط عنه خطيئه والأخرى ترفع له درجه) كما في حديث مسلم، وقال (صلى الله عليه وسلم) كما في صحيح مسلم وأبي داود:(الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً)، ونعلم حديث بني سلمة لما أرادوا أن ينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم:(بني سلمة دياركم تكتب آثاركم) أي: الزموا دياركم وسوف تكتب آثار سيركم إلى هذه المساجد.أعظم الفضائل ومعالم الأهميةومن هذا التفضيل والأهمية إن الله ـ جلّ وعلا ـ جعل مواطنها أحب المواطن كما في الحديث عن أبي هريره رضي الله عنه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنه قال:(أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) ـ صحيح مسلم، ولعل من أعظم الفضائل ومعالم الأهمية ما ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ومنهم:(رجل قلبه معلق بالمساجد)، ومن أهميتها ومن وجه آخر مما يزيد ويهيئ للقيام بمهمتها ورسالتها ماورد في أجر المكوث فيها فقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم):(إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه).المسجد في عهد سلفنا الصالح كان ملاذًا لهم، إذا ضاقت بهم الهموم واشتبكت الغموم أتوه وانطرحوا بين يدي ربهم، فتنفرج لهم الدنيا. المسجد في عهد سلفنا الصالح كان منارة هدى ومعهد تعليم ومدرسة تربية، لكَم تعلم فيه الجاهل، واتّعظ فيه الغافل، واسترشد فيه الضال، واهتدى فيه المنحرف. المسجد في عهد سلفنا الصالح كان مكانًا لإطعام الجائع ومواساة الفقير، فبالله أهل الصفة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كانوا؟! كانوا في المسجد. المسجد في عهد سلفنا الصالح كانت تتعالى فيه أصوات التكبير والتسبيح والثناء والألسنة الصادقة بالدعاء، فما أن يدخله الداخل حتى يزداد إيمانه، ويشتدّ في الحق بنيانه. المسجد في عهد سلفنا الصالح كان مدرسة الأجيال وملتقى الأبطال، خرج من بين جنباته المفسر للقرآن العالم به والمحدث والفقيه والخطيب والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخرجت رحاب المساجد آنذاك قادة الدنيا الذين غيروا وجه التاريخ وأصبحت سيرتهم غُرّة في جبين الزمن وأنموذجًا لم تعرف البشرية مثله، ولكم أن تسألوا: وما هي تلك المساجد العظيمة التي أخرجت هؤلاء العظماء؟ إنها مساجد بنيت من الجريد وسعف النخيل، إنها مساجد بنيت من الطين، قد تجد فيها سراجًا ضعيفًا وقد لا تجده، إنها مساجد لم تكن مكيفة ولا منمقة ولا مزخرفة. لا، لكن أخرجت أولئك العظماء.ميدان من ميادين التجارة الرابحةالمساجد في عهدهم جامعةً للعلم, ومحكمة للحق, ومركزاً للتجمع, ونقطة للانطلاقة, ومكاناً للعبادة, ومركزاً للقيادة, وبرلماناً للسياسة, وأساساً للدولة, عقدَ فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ألوية الجيوش, واستقبل فيها الوفود, وأبرم فيها المعاهدات, وأقام الاجتماعات والمشاورات, فعندما وصل (صلى الله عليه وسلم) مهاجراً من مكة المكرمة إلى طيبة الطيبة كان أول مشروع قام به هو وضع حجر الأساس لبناء المسجد النبوي ليكون مسجده (صلى الله عليه وسلم) روضة من رياض الجنة, وميداناً من ميادين التجارة الرابحة وسوقاً من أسواق الآخرة؛ يتعبد فيه العابدون ويلوذ به الحائرون, ويلجأ إليه الخائفون ويأوي إليه المساكين، وتعلقت بالمساجد أفئدتهم وطابت فيها نفوسهم, وأنست بالجلوس فيها قلوبهم, فلا يملون الجلوس فيها وإن طالت مدته, ولا يسأمون التردد عليها وإن بعدت مسافته, يحتسبون خطاهم إليها, ويستثمرون أوقاتهم فيها, ويتسابقون في التبكير إليها, ويجدون راحتهم بين جنباتها, ويتوجهون فيها إلى مولاهم وحده بالعبادة, قال تعالى:(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وعدّ النبي (صلى الله عليه وسلم) سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله, وذكر منهم: ورجل قلبه معلق بالمساجد البخاري.الدعوة إلى الأخلاق الفاضلةومن رسالة المسجد الدعوة إلى التوحيد واتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، الدعوة إلى الحفاظ على الفرائض والواجبات، الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة في المأكل والمشرب والتعامل والكلام وفي الجوارح بشكل عام وفي الأسرة وفي المجتمع، الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة والقيم الأخلاقية الإسلامية في كل مجالات الحياة.إن المسجد هو منبع العلم النافع، ومنبع الإيمان، ومنبع التربية الإسلامية، نعم من رسالة المسجد الأمر بالأخلاق الفاضلة والنهي عن أخلاق الرذيلة مثل الزنا وشرب الخمر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقتل النفوس المحرمة، سفك الدماء، والخوض في الأعراض، والاعتداء على الحقوق، والظلم ودعوة للأخلاق الفاضلة، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها يلتقي المسلمون فيتعارفون ويتوادون ويقفون كالبنيان المرصوص تصطف أجسادهم وقلوبهم، ولاشك أن لقاء المسلمين ومصافحتهم لبعضهم وتوحّدهم في أداء عمل واحد، مما يورث المودة في القلوب والمحبة في النفوس، وفي المساجد تُقام حلق العلم، وتتلى فيه آيات القرآن، وتفسر ويتعلم الناس فيها العلم النافع. وفيها تُقام خطب الجمع والعيدين والاستسقاء وغيرها، ويستمع الناس فيها للمواعظ التي ترقق القلوب، وتلين النفوس، وتعيدها إلى خالقها وباريها جل في علاه. فيها تُقام حلق تحفيظ وتعليم القرآن الكريم، فينشأ الأبناء والبنات على كلام الله يتعلِّمونه، ويتدارسونه إلى غير ذلك من المهام الجسام التي يقوم بها المسجد في حياة الناس، حتى لقد أثَّر هذا الأمر في رجل كافر وكان السبب في إسلامه وذلك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم:(أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بعث خيلًا قبلَ نجدٍ. فجاءت برجل ٍمن بني حنيفةَ يقال له ثُمامةُ بنُ أُثالٍ. سيدُ أهلِ اليمامةِ. فربطوه بساريةٍ من سواري المسجدِ. فخرج إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: (ماذا عندك، يا ثُمامةُ؟) فقال: عندي، يا محمدُ! خيرٌ. إن تقتُلْ تقتلْ ذا دمٍ. وإن تُنعِم تُنعِمْ على شاكرٍ. وإن كنتَ تريد المالَ فسلْ تُعطَ منه ما شئتَ. فتركه رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى كان بعد الغدِ. فقال (ما عندك، يا ثمامةُ؟) قال: ما قلتُ لك. إن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكرٍ. وإن تقتُلْ تقتُلْ ذا دمٍ. وإن كنتَ تريد المالَ فسلْ تُعطَ منه ما شئتَ. فتركه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى كان من الغدِ. فقال: (ما عندك؟ يا ثمامةُ!) فقال: عندي ما قلتُ لك. إن تُنعِمْ تُنعِمْ على شاكرٍ. وإن تقتُلْ تقتُلْ ذا دمٍ. وإن كنت تريدُ المالَ فسلْ تُعطَ منه ما شئتَ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :(أَطلِقوا ثُمامةَ) فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد. فاغتسل. ثم دخل المسجدَ، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه. يا محمدُ! واللهِ! ما كان على الأرض وجهٌ أبغضُ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه كلِّها إليَّ. واللهِ! ما كان من دينٍ أبغضَ إليَّ من دِينِك. فأصبح دينُك أحبَّ الدينِ كلِّه إليَّ. واللهِ! ما كان من بلدٍ أبغضَ إليَّ من بلدِك. فأصبح بلدُك أحبَّ البلادِ كلِّها إليَّ. وإنَّ خيلَك أخذَتْني وأنا أريد العمرةَ. فماذا ترى؟ فبشَّره رسولُ اللهِ صلى الله عليه ولم. وأمره أن يعتمرَ. فلما قدمَ مكةَ قال له قائلٌ: أصبَوتَ؟ فقال: لا. ولكني أسلمتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ولا، واللهِ! لا يأتيكم من اليمامةِ حبةُ حنطةٍ حتى يأذن فيها رسول ُاللهِ صلى الله عليه وسلم، كما أن من رسالة المسجد تدعو إلى تحقيق الأخوة والمحبة بين المسلمين، والله تبارك وتعالى إنما أنزل الدين ليكون إلْفَاً وأخوة ومحبة واجتماعاً تجتمع عليه القلوب.