عبدالعزيز بن محمد الروشدي:لماذا يجب أن نفهم الاقتصاد وخباياه؟ لماذا يجب أن نقرأ التاريخ جيدا ونحلّل قضاياه؟ وهل يمكن لشخص واحد أن يغيّر مسار دولة واقتصاد بأكمله ويجعلهُ يسير نحو القمّة أو الهاوية؟ لا شك أنّ جُلّ هذه التساؤلات تدور في أذهان الكثير منّا، ولكن حتّى نستطيع الإجابة عليها لا بدّ من قراءة عميقة للحاضر والمستقبل، وربطه بأحداث الماضي، الأحداث المفصليّة التي غيّرت وجه العالم، وأبرزت السياسات التي تقوم عليها الدول، وموقف كل دولة مما يستجدّ من أحداث.بيد، أنّ الاعترافات التاريخية الموثّقة والتي تتناول تجارب الشخصيات التي أثّرت على مناحي الحياة المختلفة هي أقرب إلى الدراسة والتحليل الذي يقوم على التنبّؤ بالمستقبل ورسم ملامحه. تجربة "جون بيركنز" الخبير الاقتصادي والشخصية الاقتصادية الأشهر في أميركا في القرن العشرين، ربما تكون الأبرز من وجهة نظري، لما رافقها من اعترافات عاشها بيركنز وسردها في كتابه الشهير "الاغتيال الاقتصادي للأمم". والذي أشار فيه بأنّه كان أحد أهم قراصنة الاقتصاد الذين كانوا يعملون لصالح السياسة الأميركية. ليس بيركنز فحسب، بل العديد من أساتذة الجامعات والمسؤولين الحكوميين الذين كانوا يعملون على الضّفتين، ما بين دعم سياسات بلادهم بالأطروحات والنظريات العلمية والشّعارات البرّاقة، وما بين العمل كمستشارين لدى زعماء بعض الدول النامية التي كانت ترى في القوى العظمى حينذاك المثل الأعلى.على أيّة حال، لنأخذ جانبا واحدا تناوله بيركنز والذي يعكس حقيقة بعض الشعارات والقرارات والاتفاقيات التي تتم بين الدول العظمى ودول العالم الآخر المغلوب على أمره إن صحّ التعبير.كتب بيركنز في كتابه عن الخديعة الكبرى التي تتعرض لها الدول النامية من خلال المعونات- أو المساعدات - التي تقدمها هذه القوى عبر قنواتها المالية، رغم علم هذه القوى بأن الدول النامية لن تكون قادرة على الوفاء بديونها والتزاماتها في الأجل المتفق عليه، ومن هنا تبدأ الأزمة وتبدأ المفاوضات فوق الطاولة وتحت الطاولة، والزيارات الرسمية وغير الرسمية، والسرية في كثير من الأحيان. ومن الجانب الآخر يبدأ دور هؤلاء القراصنة أو "المستشارون" في تقديم الاستشارات والنصائح لزعماء تلك الدول بضرورة الرضوخ لبعض السياسات والاتفاقيات الاستثمارية التي تُجرّد الدول النامية من سيطرتها وقبضتها على اقتصادها المحلي. بلا شك شاهدنا الكثير من هذه الأحداث في فترات ماضية في بعض دول شرق آسيا وأميركا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية. على سبيل المثال، اعترف بيركنز بأنّه وبعض زملائه الاقتصاديين دفعوا جمهورية الاكوادور نحو الإفلاس التام، عندما اقترحوا على الحكومة الأميركية التركيز على الاكوادور وإغراقها بالديون، ومن ثمّ إجبارها على بيع مخزون غابات الأمازون من النفط، والذي يحتوي على مخزون ينافس مخزون الشرق الأوسط من النفط. هذه الصفقة التي فازت بها شركات النفط الأميركية ذهبت بالأكوادور نحو الهاوية، عندما ارتفعت نسبة الفقر لتصل إلى 50% من إجمالي عدد السكان، في حين أنّ الدين العام بلغ 16 مليار دولار خلال العقود الماضية. ولا زالت الاكوادور إلى يومنا هذا تدفع ما نسبته 75% من إجمالي الحصة القليلة التي تحصل عليها من اتفاقية غابات الأمازون لسداد ديونها الخارجية، على حساب التنمية والصحية والتعليم. هل توقّف الأمر إلى هذا الحد؟ بالطبع لا، فالدول الطامحة لتكوين إمبراطوريات عظمى لا ينبغي لها أن تكون دولا محايدة، بل عليها أن تسخر كل وسائلها لتحقيق مطامعها وأهدافها. يقول بيركنز:" إن العراق ليس فقط هو النفط، ولكن أيضا المياه والموقع الاستراتيجي والسوق الواسعة للتكنولوجيا الأميركية وخبراتها الهندسية". من هذا المنطلق تبدأ هذه القوى بتحسّس مصالحها في العالم أجمع، وقد تختلف الوسائل والأدوات التي تُستخدم وتُدسّ للسيطرة على بلدٍ ما باختلاف بُنية ذلك البلد وسياسته وحكومته، منها من يسقط بسقوط قادته، ومنها من يسقط بإخلال أمنه العام وإثارة الصراعات الطائفية بين أفراده. تماما كما حاولت إدارة الرئيس بوش الأسبق قلب الموازين في فنزويلا خلال حكم رئيسها الأسبق "تشافيز"، إلا أن الأوضاع عادت كما هي عليه بعد أقل من 70 ساعة، وذلك بفضل الجيش الذي ظلّ صامدا بجوار الشعب.جامعة السلطان قابوس[email protected]