د. علي بن سيف العوفي:
أصدر عالم الاجتماع والمستقبليات آلفن توفلر Alvin Toffler في عام 1980 كتاباً تحت عنوان الموجة الثالثة Third wave كأساس لنظرية تناقش موجة حضارية جديدة في حياة الإنسان المعاصر، أي مرحلة انتقالية من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات، توفلر رحل عن حياتنا منتصف السنة الماضية، ولكنه تنبّأ بتغيرات مدهشة وسريعة جداً تمر بها مجتمعات اليوم، وما شهدناه خلال العقدين الماضيين تحديداً من تطورات وابتكارات لا يمكن إلّا أن يكون ترجمة حقيقية لركوب الموجة الثورية الثالثة في حياة البشر، وتعتبر صناعة المعلومات وإنتاج المعرفة بمثابة النشاط الاقتصادي الأساسي في هذه الموجة، ولن يكون في مقدور الدول النامية إحراز تقدم اقتصادي واجتماعي ما لم تتقن ركوب الموجة الثالثة وتصنع لها وجود تنافسي حقيقي تسهم فيه بالإنتاج والابتكار لا بالاستهلاك والاتكال.
إن أكبر التحديات التي تواجه دول العالم الثالث في القرن الحادي والعشرين هو كيفية تقليص الفجوة المعرفية المتنامية بينها وبين الدول المتقدمة، والعبور باتجاه الاقتصاد الرقمي، أو ما يعرف بالاقتصاد القائم على المعرفة knowledge-based economy الذي تبلور في تسعينيات القرن الماضي، وهذا ينطبق علينا نحن كذلك، إذ لن نتمكن من تحقيق تنمية مستدامة من خلال الاستمرار في الاعتماد على النفط والغاز وغيرها من الثروات الطبيعية النافدة، بل من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، وهذه حقيقة لم تعد تقبل الشك بسبب تنامي عدد النماذج التطبيقية الناجحة، ومن يعتقد أن ثروات الأمم تتمثل في أصولها المادية الملموسة فقد جانبه الصواب، وأمية القرن الحادي والعشرين ترتبط بضعف قدرة البشر على تطوير معارفهم ومهاراتهم ذاتياً.
أهم ما يميز مجتمعات المعرفة هو بروز دور المؤسسات المعنية بالتعليم والتدريب والبحث العلمي والابتكار والتطوير، ومتى ما وجّهت الدولة جلّ اهتمامها ودعمها لعوامل النهوض الأساسية تلك، وباتت واضحة في خططها القصيرة والاستراتيجية الطويلة بات حرياً أن يطلق عليها مجتمعات معرفية، مجتمعات تبتكر وتنتج وتؤثر، ومجتمعات المعرفة هي مجتمعات تساهم في إنتاج المعرفة واستخدامها بصورة فاعلة في تحقيق أهدافها التنموية، وتبرز تقنية المعلومات والاتصالات كلاعب محوري في تحقيق أهداف مجتمع المعرفة، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بالحوكمة، وانتشار التقنية، وسيادة العدالة والقانون.
ان أهم ما ينبغي التفكير به للانتقال إلى مجتمع المعرفة هو التأكيد على أهمية التعليم وتطويره، وزيادة الانفاق عليه، فالتعليم الجيد من شأنه أن يوصلنا إلى الخيوط التي تقربنا من انتاج المعرفة، ونقلها، واستخدامها بصورة فاعلة. ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ يؤكد أن انتاج الثروة، والنمو الاقتصادي، وسعادة أفراد المجتمع والارتقاء بمستوى رفاههم ترتبط ارتباطا وثيقا بالقدرة على توليد المعرفة وتناقلها، والاستخدام الفاعل لها. كما أشارت احدى نظريات النمو الأولى أن زيادة جرعات التعليم وحدها لم تعد تجدي نفعا، بل ما يجدي هو طريقة وأسلوب التعليم ذاته؛ التعليم النشط والتفاعلي الذي يصل النظرية بالتطبيق. كما تشير دراسات علمية إلى وجود صلة وثيقة بين اهتمام الدولة بالتعليم والبحث العلمي والتطوير، وارتفاع مؤشر النمو الاقتصادي.
ينبغي علينا أن ندرك أن جلب المعارف والخبرات والتقنيات الأجنبية وتطويعها لتعزيز النشاط الاقتصادي المحلي ودعمه لا يعطي مردود إيجابي على المدى البعيد، فما يمكن التعويل عليه وحده هو زيادة الاستثمار في رأس المال البشري الوطني من خلال إعادة النظر في خطط وممارسات التعليم بشقيه العام والعالي، المعرفة والتقنية تتسارع بطريقة لا تمهل المجتمعات المتباطئة حتى تلحق بها، والفجوة الرقمية والمعرفية بين الدول النامية والدول المتقدمة تتسع بحيث تصبح المطاردة عديمة الجدوى كسراب بقيعة في ظل غياب الدعامات الأساسية المرتبطة بإصلاح وتطوير الأنظمة التعليمية السائدة حالياً، الاقتصاد القائم على المعرفة يلزمه عمّال معرفة، ومخرجات واعية وقادرة وناقدة ومبتكرة، وتمكين موارد بشرية بمواصفات عالية يمثّل العمود الفقري لاقتصاد المعرفة .. كما يجب أن نسلّم حقيقة أن أي برامج تطوير وتنويع اقتصادي لا تضع التعليم الجيد في قائمة أولوياتها لن تخطو إلى الأمام، والمثل الشائع يقول "إن أردت أن تحصد لسنة فأزرع قمحاً، وإن أردت أن تحصد لقرن فأزرع إنسانا"، وما أحوجنا نحن اليوم لزراعة عقول بشرية منتجة ومبتكرة.

أستاذ مشارك بقسم دراسات المعلومات، جامعة السلطان قابوس.
[email protected]