"خارطة الطريق" لتفعيل التراثخامسا – المحطة التالية هي "المحطة الأقتصادية". فعلاقة التراث بالإقتصاد المحلي هي محورية وبدون تحقيق هذه العلاقة وتنميتها وتقويتها يبقى التراث طي الماضي ولا علاقة له بالحاضر ومعطياته. فالتراث ليس ماهية لها شيء معنوي غير ذي قيمة اقتصادية، ولذلك فلا بد من العمل على قراءة التراث وتقديمه للمجتمع كمحرك اقتصادي يلعب دورا فاعلا ومهما في حياة المجتمعات المحلية أفرادا وجماعات. التراث هو محور لصناعات متعددة ودورة اقتصادية مهمة فيها معاش ومنافع للناس. ولو تناولنا التراث العمراني لوجدنا أن "اليد العاملة" المحترفة لها مكان متسيّد شكل إرثا نقله الآباء للأبناء. التراث دورة اقتصادية محكمة تمنع نقل رأس المال المحلي خارج الإقليم وتحميه. التراث هو الضامن الأساسي لتشغيل العمالة المحلية وتنمية الرساميل الإقليمية في بيئاتها بعيدا عن تطاول عولمة الإقتصاد الرأسمالي وتغوله على اقتصاديات المجتمعات المحلية الفقيرة. وبسبب تغييب التراث في المجتمعات التقليدية تدهورت الأحوال الإقتصادية والمعيشية وترهلت أحواله المعيشية وسادت البطالة في مقابل تغول رؤوس الأموال العالمية والشركات التي اجتاحت المجتمعات المحلية وتهددت العديد من الحرف المرتبطة بالتراث."صناعة" التراثسادسا – هناك مفهوم محوري ومركزي مرتبط بالتراث تم إغفاله بشكل مذهل في أية خريطة طريق لإحياء التراث وجعله واقعا حيا في المجتمع هو مفهوم "صناعة" التراث. ومصطلح "صناعة" التراث يحتمل معنيين أحدهما إصطلاحي كما نقول "صناعة السينما" مثلا، ومعنى آخر حقيقي مرتبط "بالصناعة"، ومقصودنا هنا هو المعنى الحقيقي وليس الإصطلاحي. والحقيقة أن غياب المفهوم المجازي ينبع أصلا من غياب المفهوم الفعلي العملي "للصناعة" في دول العالم الثالث ومنه العالم العربي. ولا يمكن أن تفهم أية محاولة جادة لإعادة التراث واقعا حيا معاشا فاعلا في المجتمعات المحلية في غياب كامل لمفهوم "الصناعة" عن العالم العربي. عن أي تراث نتكلم ومصانع الإنتاج قد توقفت ماكيناتها؟ ألم نسمع أنه (لا خير في أمة لا تأكل مما تزرع وتلبس مما تنسج)؟ إذن كيف سيكون هناك إنتاج لتراث ما إن لم تكن هناك "صناعة" أصلا؟الصناعة هنا تشمل بالمعنى الواسع كل مظاهر الإنتاج المحلية بالأيدي العاملة المحلية. ولنا أن نتخيل الصورة السوريالة حين نتغنى بمظاهر تراث، أي تراث سواء أكان تراثا عمرانيا أم ثقافيا أم ماديا أم هوياتيا وكل مظهر وعنصر من عناصره يتم إنتاجه بأيدي عاملة مستوردة ومصانع أجنبية؟ ماذا تبقى من التراث إذن سوى اسمه وبعض القشور السطحية كمؤثرات بصرية لا نفع ولا ارتباط لها لا بحياة الأمة ولا بهويتها؟بدون النظر جديا وعلى أعلى مستويات صناعة القرار المهتمة بالتراث في مسألة تفعيل "الصناعة"، أية صناعة مهما بدت ضئيلة، لا يكون الحديث عن التراث سوى رومانسية خيالية ليس لها ربط بالواقع العملي. وإلا كيف يمكن الكلام عن أقدم تراثين بشريين، صناعة الخبز وضرب الطوب، في أمة لا تصنعهما؟ كيف يكون هناك تراث في صناعة الجبن واللبن ومنسوجات تقليدية وصناعة العمارة وموادها وتطور آليات لإنتاجها عبر الزمن ضمن هوية محلية، كيف يمكن الكلام عن هذا وغيره وموانئ الأمة قد ازدحمت ببواخر الإستيراد لكل صنف ولون مما تحتاجه الأمة. والأهم ماذا سيحدث لشباب الأمة وعاطليها عن العمل وأسواقها قد تحولت لمجرد باحات استهلاكية مفتوحة لكل مصانع العالم شرقا وغربا وما هب ودب من منتجات ومفرزات العولمة؟ عن أي تراث نتكلم في هذه الحالة، عن تراثنا أم عن تراث غيرنا؟هل نتكلم عن تراث عمراني والعمالة مستوردة والمواد غير محلية؟ هذا تناقض وإشكالية لا بد من الإلتفات إليها جديا. لا بد من مسح الغبار عن ماكينات الإنتاج في "مصانع" الأمة وفتح مشاريع "صناعة" للأمة تعمل برؤية مستقبلة للتوسع والإمتداد لكافة مناحي الإنتاج المصنعي الذي يشمل مظاهر الزراعة والبحر والعمران والبشر. في هذه الحالة وبعد عقود يمكن البدء بالقول أن عندنا "تراثا" عمرانيا محليا يديره ويحركه سواعد محلية وعقول ذات هوية محلية ارتبطت احداثياتها بالثقافة والحضارة وغدا انتاج التراث مرتبطا بهوية وماضي الأمة. ويمكن آنئذ القول أن هناك تراثا متراكما وخبرات مكتسبة ينقلها الآباء للأجداد في مجالات الصناعات اليدوية الغذائية: اللبن والجبن الخ، ويمكن القول أن هناك نواة لإبداعات محلية في صناعات الأزياء والفولكلور والإرث في الملابس التقليدية، ويمكن بعد تشجيع الصناعات الخشبية وفتح مراكز النجارة والحدادة ومدارس التدريب المهنية المتخصصة أن نقول أن هناك إرثا عريقا في هذه المجالات. ويمكن بعد رفد وتخصيص ميزانيات لهذه المراكز وتبادل الخبرات الإقليمية بدعم وتشجيع من الدولة وتدريب وتأهيل الطاقات المحلية المهمشة والعاطلة عن العمل أن نقول بوجود نواة "لصناعة" التراث. وبدون ذلك يبقى الحديث عن إحياء التراث نظريا محضا فارغا ومفرغا من مضمونه."تسويق" التراثسابعا – يرتبط مفهوم "تسويق" التراث بمفهوم "صناعة" التراث الذي أشرنا له في مداخلتنا السابقة أكثر من ارتباطه "بالإقتصاد" كما قد يتبادر للذهن لأول مرة. والمعنى الدقيق الذي نقصده هنا مرتبط بالكيفية التي (نقدم بها التراث ليتفاعل مع المجتمع المحلي والخارجي، إضافة إلى العملية المستمرة التي نربط بها عملية "إنتاج التراث" بالمدينة بمحتوياتها الفيزيائية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية). ولتوضيح هذه العبارة بكلمات أبسط، فنحن نعني ضرورة تقديم التراث للمجتمع، ومن المجتمع، بوسائل شرعية وأليات وبرامج منهجية تضمن ديمومة التراث وتكفل حياة "صنائع"، وصناعات، ارتبطت ارتباطا مباشرا بالتراث، يتهدد بقاؤها لو غابت من خلالها وسائل "تسويق" ناجعة وناجحة للتراث، نعبر عنها من خلال النسيج العمراني للمدينة وأنماطا معينة من المباني.وللخروج من دائرة التنظير المجرد للحيز العملي، سأضرب مثالا من واقع خبرة سابقة. قبل عدة أعوام كلفت كمستشار، من جهات حكومية أردنية، للعمل على تطوير مشروع حيوي بوسط البلدة القديمة بالعاصمة الأردنية عمان، وهي منطقة حيوية جدا تتداخل بها عناصر حركة أساسية للمدينة مع لمحات من ذاكرة نمو المدينة التي قامت على "سيل" تاريخي، وترابطت مع محددات جغرافية محصورة بين جبال عمان السبعة وبين "مجتمعات" متباينة طبقيا، اجتماعيا واقتصاديا، فضلا عن تحديات المحافظة على روح وذاكرة المكان، ومعالجة ذلك كله، على رقعة شريطية تمتد لأكثر من أربعة كيلومترات، في إطار النهوض بالواقع الإقتصادي والمعيشي للحواف الإجتماعية لهذا النسيج العمراني الشريطي الممتد. أضيف لهذا التحدي عدم وجود "برنامج" وظيفي محدد للمشروع بل ترك ذلك مفتوحا للإجتهاد وللإجتراح الفكري الخلاق، مما شكل فرصة كبيرة لطرح برنامج "إصلاحي" يرتقي بالواقع الإجتماعي مصحوبا بفعاليات وعناصر "بنائية" تستلهم روح وتراث المكان لتقديم "آليات" تعبر عنها المباني لتعمل على إيجاد "ثلاثية" خاصة بتراث المكان: الأولى تتمثل في التعاطي مع موجودات النسيج الشريطي القائم أصلا وتطويره وإبرازه كشاهد عمراني من البيئة المبنية على طبقات أركيولوجية للمكان والهوية الثقافية، الثاني تمثل باجتراح معاهد تعليم وتدريب كفاءات من الشباب ترتبط مباشرة "بصناعة" التراث، وهي أنشطة ومهارات حرفية (vocational). وأهمية وجود مثل هذه الأكاديميات في ذلك المكان وضمن النسيج العمراني، رغم وجود غيرها في أماكن أخرى كمدينة السلط القديمة مثلا، ينبع من خصوصية المكان وبعده التاريخي. والثالث هو فعاليات ترتبط بعملية "تسويق" التراث.وهذا المصطلح، "تسويق" التراث لا يعني، كما قد يتبادر للذهن فقط عملية "بيع" منتجات الحرفية المرتبطة بالتراث، بل هو مفهوم شامل بالمعنى الواسع للكلمة، يعني ("تقديم التراث للمجتمع "بثلاثية" إفرازه: صناعته (industry) وتعليميته (pedagogy) وإنتاجه (production). وهي عملية متكاملة عبرت عنها الكثير من المباني في الفترات الإسلامية المختلفة كما في أسواق الخيامية بالقاهرة ووكالة الغوري. وللحديث بقية د. وليد احمد السيدمستشار تطوير التراث العمراني [email protected]