وليد احمد السيد*
*مستشار تطوير التراث العمراني
[email protected]

"محطات زمنية وضمنية" للتراث
يكتسب التراث معناه بإطارين: المحتوى الزمني والضمني. مسيرة التراث الزمنية في حياة الأمة، طويلة ولا منتهية، أو هكذا ينبغي أن تكون. ولكن في هذه المسيرة الزمنية، وكأي رحلة حقيقية متمثلة بقطع مسافات لا بد من وجود محطات تعطي للرحلة معناها وتضع ما يسمى "علامات على طريقها" أو بالتعبير الإنجليزي (Milestone). وللمفارقة فهذه الكلمة في التراث الإنجليزي اللغوي لها مدلولها الموروث من الماضي التراثي بما أكسب الكلمة معناها ومبناها. ففي القديم كانت المسافات "يتم تعليمها بأحجار توضع على جانب الطريق ويكتب عليها المسافات نحو المدن، ومن هذا الإرث التطبيقي اكتسبت اللفظة مدلولها اللغوي وكثير غيرها.

الشاهد في حديثنا هنا هو أن الموروث الثقافي والعمراني والحضاري عموما يكتسب كل يوم أهمية خاصة من "محطات" زمنية وقف عندها وشكلت كينونته وأضفت عليه حضورا في اللحظة الماضية والراهنة. سأضرب مثالا لتقريب الفكرة، ولإسقاطها على الموروث العمراني بدلالة الاستقراء العقلي. في سوق المنتجات الحرفية بلندن، وقعت عيناي على "بسطات" لمواد مطبوعة، جرائد قديمة. في حد ذاتها، وفي وقت إنتاجها في الماضي، وبدلالة الكميات وحدث اللحظة الماضية، في وقتها قد لا تساوي الصحيفة أكثر من مليمات ويزهد بها. لكن بدلالة الحاضر، ومن معطيات "المحطة الزمنية التاريخية" التي وقفت عليها هذه المطبوعة، تتضاعف قيمتها الضمنية والحسية. لحظة إنجاز غير مسبوق للبشرية، في العلم أو الطب أو الأدب أو الاكتشاف أو الاختراع، أو وفاة مبتكر، أو تتويج ملك، أو انتصار أمة، كلها تكتسب عمقا في الحاضر بدلالاتها "كمحطات" تدل عليها هذه المطبوعة. صحيفة أنتجت مثلا في العام 1880، بحجمها آنذاك ورسومها وأخبار الأمة حينئذ تصبح "وثيقة مهمة" تصبح مدار بحث الباحثين في مدارات الأزياء وحبو البشرية في مجالات تكنولوجية، ومعرفية وطبية، وعلمية. هناك في ذات الإطار الطوابع البريدية، التي تخلد لحظة زمنية، أو حدثا معينا يكسب المنتج المادي بمرور الزمن صفة مكتسبة "ضمنية" تتفاعل مع المنتج المادي نفسه لتعطيه قيمة مضافة. في هذا المعنى، يكتسب التراث، الأدبي والعلمي والمادي والمعنوي ـ سواء كان سلوكا أم ممارسة أم منتجا حضاريا أو ثقافيا أو عمرانيا ـ قيمة قصوى تستمد من محتواه الضمني والمعاني التي يبثها وينقلها عبر الزمن.

في مجال التراث العمراني يكتسب الموروث العمراني أهميته من "محطات" على طريق رحلته الزمنية لها بعد "ضمني" خاص. فأحداث أو شخوص أو مرور شخصية لها حضور فاعل في الماضي كلها تعطي بعدا "لازمنيا" للتراث يكتسب قيمته من "المحتوى الضمني" ويضيف حضورا متجددا للموروث في الحاضر، تتضاعف قيمته "تراكميا" بمعطيات اليوم لا بمعطيات الأمس فقط وبالضرورة. وبذلك فتقييم التراث العمراني لا يجب أن يخضع لمقاييس فيزيائية بمعطيات الحاضر فحسب (أو بالضرورة)، ولكن لا بد من قراءته بعلاقته الممتدة عبر الزمن وبظروف إنتاجه الضمنية التي تبرر إنتاجه وتعطيه شرعية مستمدة من علاقته الحضارية أكثر من "شرعية" الصور والأشكال التي تتبدل بالضرورة بين الماضي والحاضر، وقد تدور في حلقة من حلقات "الموضة" الشكلية التي تنتمي "لدورة زمنية فقط" أكثر من متعلقات المضمون.

"جوهر" التراث و"أشكال" التراث
سننعطف في تأملاتنا على التراث العمراني، رغم أن الحديث يؤسس لفهم التراث بعمومه كمجال بحث فلسفي ونظري أدعى للفهم من مجرد إسقاطه وحصره في نمط من أنماط التراث. من المعلوم أن الموروث بعمومه له ظروف نشأته وعوامل كثيرة أفرزته في مكانه وزمانه. بتعدد هذه العوامل وتنوعها ومقدار درجة تأثيرها في إفراز تراث معين لأمة وثقافة معينة بمقدار ما ينصبغ التراث بهذه الثقافة. لكن من الطبيعي أن تكون مقادير التمازج بين العوامل المؤثرة في التراث متباينة؛ بمعنى أن يكون هناك تراث بصبغة عامة "اجتماعية"، أو "سياسية" أو "اقتصادية" وهلم جرا. وفي نفس الوقت هناك تراث كإسم جنس مثل: تراث "عمراني" أو "فكري" أو "موسيقي" أو "اجتماعي"، لكنها جميعا تشترك في أنها مستمدة من مصدر واحد يعطيها الهوية والشخصية هي "الثقافة بعمومها" أو الحضارة التي ينتمي لها التراث.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى أن جميع أنواع التراث، المادية والمعنوية، الممارسة سلوكا والموروثة نمطا وأسلوبا والمتراكمة إجماعا، كلها تشترك في "البوتقة" الواحدة التي شكلت معالم هذه التراثات، هذه "البوتقة" هي "الثقافة المجتمعية السائدة" وبشكل أرقى "هي الحضارة" المهيمنة على أنماط التشكيل والتمظهرات المختلفة التي تدل على آثار مجتمع ما أو شعب أو أمة. ضمن هذه "البوتقة" تتفاعل أخلاط من عوامل بنسب ومقادير معينة، لكن هذه النسب والمقادير لا تؤثر مطلقا في "جوهر" واحد ووحيد للتراث، فهذا "الجوهر" هو "مفرد" ولا يمكن أن يكون "جمعا". فلا يمكن القول "جواهر (جمع جوهر)" للتراث. تراث أمة ما ليس له إلا "جوهر" واحد يمليه الأقنوم الاعلى وهو "القيم التي استمدت منه الحضارة خصوصيتها وروحها وميزتها عن بقية الأمم".

في المقابل لا يمكن تحديد الناتج في "شكل" واحد للتراث، بل هناك "أشكال" و"أنماط" للتراث تعطي تعبيرات وبدائل للإبداع تعكس ذات "الجوهر" ولكن بصور متعددة. ومن هنا فقراءة التراث بعد وقت إفرازه تخطئ أيما خطأ إن كانت "للشكل" دون "تلازم الشكل والجوهر معا". لا بد من ربط "الشكل"، وهو واحد من متعدد، مع "الجوهر" الواحد للوقوف على سببية العلاقة بين الظاهر والمحتوى، أو السبب والنتيجة. بهذا الفهم، يتحرر العقل من إطار قراءة "الموروث" بأشكال ورموز بثتها إبداعات زمكانية في ظروف معينة، أو بالأحرى تتكسر الأطر التقليدية التي تحول دون تواصل الإبداع في الزمن الحاضر. فمربط الفرس يكمن في ضرورة العودة "لروح" و"جوهر" التراث والتي استمدت مبادئها من قيم حضارية وثقافية. ولهذا فحين يطالع المتجول في أحياء التراث العمراني في مدن العالم العربي العتيقة شواهد عمرانية، يتفتح العقل بهذا الفهم لإدراك روعة المنتج العمراني في القديم من ناحية، ومن ناحية أخرى يتحرر من إسار الفهم التقليدي والجمود الذي تفرضه قيود "الشكل والتشكيل" وقد تحد الإبداع والتطور. ومن ناحية ثالثة، فإن إدراك العلاقة السببية بين (البوتقة ومدى تمازج العوامل التي تصوغ التراث داخل هذا البوتقة ونسب مقاديرها) يحرر بعض العقول التي تجمدت عند حدود التعاطف مع "عامل ما"، وحيد ويتيم، تم الاعتقاد بأن له اليد الطولى في تكوين تراث عمراني ما بصورة شبه مطلقة.

"إنسانية" التراث
للتراث جانب "إنساني" لا يمكن إغفاله، مقابل "ميكانيكية" الحداثة. هذا المعطى "الإنساني" للتراث يجعل فيه قوة تضمن ديمومته وتفوقه عبر الزمن. فطبيعة إنتاج التراث ارتبطت ارتباطا وثيقا بالبعد "الإنساني"، بالمعنى الواسع للكلمة، أيما ارتباط، سواء في منتجه كفاعل أو في آلية انتاجه أو في منفعته والمستفيد من مفرزاته كفرد ومجتمع بأبعاده وتجلياته كحقيقة لا كمتخيل أو مفترض.

الفاعل الذي يقوم خلف إنتاج التراث هو "إنسان"، له مشاعر وأحاسيس وذاكرة وقدرات فنية وموهبة مكتسبة ومعرفة متراكمة ومتناقلة عبر الزمن والأجيال، كما له لمسه من إبداعات "الحياة" التي تتركها آثاره في منجزاته بما يعطي للحاسة السادسة، المرتبطة بالعمل الفني الحسي والمعنوي التي نستقبل بها ونتذوق العمل الإبداعي، دورا مهما في تقييم وتقبل العمل ومفاضلة هذا عن ذاك. هذا كله في مقابل منتجات الآلة أو الميكانيكا الحداثوية التي تفرز وحدات متكررة متماثلة تكاد تخلو من الحياة.
القطع التراثية، كعناصر حضارية، سواء كانت أعمالا فنية تقليدية أو مآثر عمرانية، تجد في جوهرها "دينامو فني ثقافي" يشع ذبذبات نلتقطها بحاسة خفية لدينا تتجاوز الحواس الخمس، نقرأ بها لمسات وبصمات "الإنسان" القائم خلف العمل. نقرأ "الخطأ البشري" الطبيعي والحتمي الذي يميز بين قطعتي حجر أنتجهما ذات الحرفي، برغم اجتهاده أن يتقن عمله. لكن هذا التمايز "وذاك الخطأ" غير الملحوظ، هو ما يضفي على العنصر التراثي بعدا "خامسا" نقرؤه بحاسة فنية تعلي من شأن العمل اليدوي التقليدي. في لمسة الحرفي الإنسان تقرأ "الحياة"، في مقابل ذلك تتشظى مفرزات "الماكينة" التي تنتج وحدات متماثلة تخلو من الحياة وتشع بسمات "الجمود". وبين "حياة" التراث الذي أفرزه فنان له قلب يدق، وعقل ينضح بالفكر، وبين "جمود" حداثة الآلة ومنتجاتها بون كما السماء والأرض. ولذلك ليس عجيبا أن تكون المنتجات اليدوية، في كل شيء حتى في الأطعمة، أعلى سعرا من نظيرتها المصنّعة آليا.

أما في علاقة التراث بالمجتمع والفرد وآلية وسرعة إنتاجه، فالتراث ينتج "بقَدَر"، بينما منتجات الآلة غالبا ما تنتج بدوافع "استهلاكية" مادية تتجاوز وتتجاهل طبيعة وحاجة المجتمع. في هذا الإطار ينسجم التراث ويتجلى في تناغمه مع طبيعة الخلق وما يحيط من مظاهر البيئة التي قال عنها الخالق عز وجل (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)- سورة القمر، أي بمقدار لا يزيد ولا ينقص وخلفه حكمه في توازن كوني إعجازي غير عبثي يحقق المنفعة والوظيفة والمصلحة ضمن دورة كونية محكمة. والتراث كمنتج "إنساني" يتحدد كمّا بطاقات الفرد المبدع المحدودة ويتناغم مع طبيعة هذه الحكمة الربانية، فلا يفيض التراث كمنتج أكثر من حاجة المجتمع الذي يحدد ويفرض ويلزم حتما "كمية" وطبيعة قبوله وتسويقه. في مقابل ذلك تتراكم منتجات الحداثة التي تتشابه لدرجة الملل وتنتج بكبسة زر في مصنع بناء على رغبة صانع قرار يعيش حالة انعزال عن متطلبات المجتمع الذي قد لا يراه أكثر من سوق استهلاكي. ولذلك فليس من العجب أن ترى في المجال العمراني عرضا يفوق الطلب، ومدنا تخطط "افتراضيا" بمعايير وأسس تعتمد نموذج الإنتاج الحداثوي المكيانيكي اللامتناهي وغير المنضبط أكثر من جانبه "الإنساني" المجتمعي الذي التزم بخطه التراث كأقنوم مقدس لم يحد عنه تراث منذ قدم التاريخ البشري.