وفاء الشامسية
[email protected]

لا زلتُ أتذكّر تلك الحكايات الشعبيّة التي كانت جدتي – رحمها الله- تحكيها لنا قبل النوم، ونحن متحلّقون حولها، ومدهوشون من شخصيات الحكاية المناضلة، متذمرون من الشخصيات الشريرة، وخائفون من الشخصيات الخارقة للطبيعة.
تقول الدكتورة فاطمة الصائغ في إحدى مقالاتها المنشورة في جريدة الخليج الإماراتية: "على الرغم من كون الكتابة الأدبية للطفل جديدة في العالم العربي ومنطقة الخليج إلا أن إيصال القيم له عبر الحكاية أو”الحزورة” أو “الخروفة” كما يطلق عليها في منطقة الخليج ليس بالجديد. فقديما اعتمد المربون والآباء والأمهات على “الخروفة” لإيصال العبرة والموعظة للطفل عبر حكاية قصيرة معبرة مع التركيز على تدرجات الصوت. فكان الراوي يعبر عن جوانب القوة والضعف في هذه الحكاية عن طريق الإيحاء الصوتي. كما كانت العبرة تبرز في النهاية التي يحظى بها البطل في هذه الحكاية". وهذا ما لمسناه حقيقة من خلال "الخراريف" أو "الحكايات الشعبية" التي كانت تُحكى لنا.
وأشار الدكتور أحمد زلط في كتابه (أدب الطفولة: أصوله ومفاهيمه، 1994) إلى أن " بعودتنا لأدب الطفل في العصور القديمة؛ نجد إشارة بسيطة إلى بعض القصص التي كانت الشعوب والجماعات تتداولها وقتها، متضمّنة الاعتداد بعادات وتقاليد وقيم تلك الشعوب، ومنها القصص التي تتحدث عن الغول والعنقاء أو التنين، في قالب يعتمد على التشويق المصحوب بمفاهيم وقيم الشجاعة والبطولة. وقد جاء في الحضارة القديمة من خلال الرسوم على الجدران بعض هذه الإشارات والقصص، مثل: الحضارة الصينية، والحضارة الفرعونية. وبمراجعة بعض مصادر الحضارة اليونانية الرومانية القديمة، فإننا نلحظ بعض المشاهد والمعلومات والأفكار التي تُبنَى على عناية تلك الشعوب بالنواحي الدينية والأخلاقية للأطفال؛ حيث يحرصون على تعليمهم قيم البطولة والشجاعة والدفاع عن النفس من خلال تدريب بدني، وتدريب ذهني مرتبط بتلك القصص الأسطورية والبطولية".
أما فيما يتعلق بالشعر الموجه للطفل فقد أفرد الناقد بيان الصفدي في كتابه (شعر الأطفال في الوطن العربي، 2008) فصلا كاملا عن شعر ترقيص الأطفال عند العرب، وهو ما كان منتشرا في تلك الفترة وامتدّ حتى العهد القريب في كثير من مجتمعاتنا المحليّة، حيث يقول: "من مميزات شعر الترقيص أن جُلـّه مجهول القائل، وهذا ملمح أساس يدل على شعبية هذه المقطوعات، وعلى كونها مما يقال بشكل عابر، لا يصدر عن شاعرية تبحث عن التوثيق لها رواية ً أو كتابة ً.. إنها أشبه بأبيات من الزجل تقال هذه الأيام. فهذا اللون لم يُـقـل من شعراء معروفين بل هي من مرتجَلات الناس تعبيرا ً عن عاطفة أو حاجة للتسلية أو المرح .
من ذلك قول أعرابية (الدراري في الذراري . ص 26):
يا حبـــــــذا ريـــــــح الولـــــــدْ
ريـــــح الخُزامـــــى فـــي البلـدْ
أهكــــذا كــــــــــــلُّ ولـــــــــــدْ
أم لـــــم يلــــد مثلــــــي أحــد ْ؟
إنها مقطوعة مشهورة، امتازت بالصدق واللغة السهلة العذبة، وإيقاع في غاية القصر، حيث تكتفي الأعرابية هنا بمجزوء الرجز : مستفعلن مستفعلن
وعلى الوزن والإيقاع والقافية نفسها تقول أعرابية أخرى:
يا حســـــــــرتا علــى ولــــــــدْ
أشــــــــبهَ شـــــــــــيء بالأســــــــــــــــــدْ
إذا الرجـــــــــــــــال فـــــــــــي كـَـبـــَــــدْ
تغالبــــــــــوا علــــى نـَكــــدْ
كــــان لـــــه حـظ الأســـــدْ
إن هذه المقطوعات التي تعبر عن محبة الولد هي الأكثر دورانا ً في تراثنا، ومن قبل الأبوين، إذ نقرأ لجرير يرقص ابنه بلالا ً بقوله (محاسن الأراجيز. ص 184):
إن بلالا ً لـــم تـُشـِــــــنـْه أمُّهْ
لم يتناســـــــــــب خاله وعمه
يشفي الصداع ريحه وشــــمّه
ويُذهب الهموم عني ضــــمـُّه
كأن ريح المسك مُسْــــتـَحَـمُّـه
ما ينبغي للمســــــــــلمين ذمه
يُمضي الأمورَ وهو سـام ٍهمه
بحرُ بحور واســـــــع ٌ مَجَمُّه"
ومما تم الإشارة إليه حول الشعر والأغنية في أدب الطفل في إحدى فعاليات الندوة الثقافية المتخصصة حول (الموروث الشعبي وعلاقته بالإبداع الفني والفكري في العالم العربي -أدب الطفل) التي أقيمت على هامش المهرجان الوطني للتراث والثقافة الثامن عام 1993 كان " أن العرب القدماء أدركوا بفطرتهم النقيّة الأصول التربوية التي تدخل على صغارهم الفرحة والبهجة؛ فقدموا لهم من شعر المناغاة ما يوفر لهم صفاء النفس، وهدوء الخاطر، وراحة الجسم. وحرصوا على نظم بعض الأبيات الشعرية الخفيفة التي تترنم بها الأم وتتغنى به من أجل تنويم صغيرها أو تلعيبه أو ترقيصه لإدخال السرور على نفسه.
كما تمّت الإشارة إلى أغاني المهد حيث كانت الأم تعمد إلى هذا النوع من الشعر لتنويم طفلها أو لإرضائه ليكفّ عن البكاء، أو لتحريكه وترقيصه بهدف تسليته أو بهدف تمرين جسمه أو تشجيعه على الإقبال على الطعام أو لتعليمه النطق وتحفيظه بعض الكلمات الموزونة لتعويده على الحفظ وتعويد أذنيه على السماع والاستمتاع المنغوم وقد أطلق على الأغاني الخاصة بتنويم الطفل اسم أغاني المهد الخاصة بملاعبة الطفل فتسمى أغاني الترقيص. وهناك من لا يرى هذا التفريق فشعر ترقيص الأطفال يعد ضربا من ضروب الشعر الشعبي العربي ويطلق عليه كذلك أغاني المهد أو أغاني الطفولة". ولعلّنا نستكمل استعراض الأمثلة في هذا الجانب في المقال القادم بمشيئة الله.