إبراهيم السيد العربي:القارئ الكريم: أما عن حُسن الخاتمة فهو أمر عظيم يستحق منا وقفة مع أنفسنا لنحاسبها هل نحن أعددنا العدة للقاء الله رب العالمين؟ ام اننا في غفلة معرضون كما قال تعالى:(إقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) (الأنبياء ـ 1).فمن يفكر في حياتنا هذه وحال العبد فيها يجد أن الصالحين منهم كانت غايته في هذه الحياة الدنيا أن يُحسن الله له خاتمته, فيموت على التوحيد وهذا الأمر يحتاج إلى طول مثابرة, ومداومة على عمل الصالحات مع الدعاء باستمرار والطلب من الله تعالى أن يتقبل منه هذا العمل وأن يُحسن له الخاتمة. اللحظات العصيبةيقول الله تعالى مبيناً لنا صورة العبد عند احتضاره ومفارقته لهذه الحياة الدنيا (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق, وظن أنه الفراق, والتفت الساق بالساق, إلى ربك يومئذ المساق) تعالوا لنتصور حالة العبد عند هذه اللحظة وقد اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب من الذي يصعد بروحه وهل كان هو صالحاً أم فاجراً؟ هل كان مؤمناً أم كافراً؟ والله تعالى وحده هو الذي يعلم بحال عباده في هذه اللحظات العصيبة, ثم تعالوا نتفكر في أهل هذا العبد وكأنهم يتنادون فيما بينهم هل من يرقيه لحظاته هذه؟ هل من يُسعفه؟ والغرغرة قد وصلت إلى الحلقوم (والتفت الساق بالساق) تعالوا لنتفكر في حال هذا الإنسان الذي كان يتباهى يوماً بقوته وصحته يملأ الأرض حركة وحيوية سرعان ما يصير طريح الفراش, غريب وسط الأحياء, هذا هو شأنه لا يستطيع حراكاً وفي هذه اللحظات قد اجتمع أهله حوله وكلهم يبكي, لكن بكاءً أشبه بالبكاء على النفس, قبل أن يكون بكاءً على الراحل كما فال أحد الصالحين عند وفاته وقد أفاق من غيبوبته قال لأهله:(كلكم يبكيني لنفسه, فمن الذي يبكيني لنفسي؟ من الذي يبكيني لما أنا مُقبل عليه) والإنسان وهو يودّع هذه الدنيا نجده ينتقل من شدة إلى شدة, من حياة إلى موت من حيات لها أحكامها إلى موت له أحكامه هل يا ترى سينشغل في لحظاته هذه بأموال أم بأولاد؟ أو بجاه أو بقصور أو بمنصب قد حازه؟, كل هذا إن لم يكن في طاعة الله يكون وبالاً على صاحبه ويكون مبعث ندم وحزن لأنه عاين الأمور على حقيقتها وأتته الملائكة لقبض روحه، يروي الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال عن هذه الحالة التي يكون عليها العبد (فإذا كان العبد مؤمناً أتته ملائكة بيض الوجوه, كأن وجوههم شمس يجلسون منه مدّ البصر, ويحييه ملك الموت فيقول: يا أيتها الروح الطيبة, أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء يأخذها ملك الموت ولا تدعها الملائكة بيده طرفة عين, يضعونها في ذلك الكفن الذي هو من أكفان الجنة, وفي ذلك الحنوط الذي هو من حنوطها, ويخرج منها ريح طيبة كأطيب ما وجد على ظهر الأرض ويستفتحون له ويصعدون بها في السماء الدنيا حتى يصعدون بها إلى السماء السابعة, فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين, ثم أعيدوه إلى الأرض, فمنها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أُخرجهم تارة أخرى, فتعاد الروح إلى الجسد ويأتيه ملكان فيُجلسانه, ويسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ وما ذا تقول في الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: ربي هو الله وديني الإسلام, والرجل الذي بُعث فيّ هو محمد صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدقت، فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة , وافتحوا له باباً إلى الجنة , يأتيه من ريحها وطيبها , ويأتيه رجل طيب الوجه طيب الريح طيب الثياب فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير. فيقول له: أنا عملك الصالح فيقول ربٍ: أقم الساعة, حتى أرجع إلى أهلي ومالي .. أما حال الكافر فهو بخلاف ذلك) ـ رواه الإمام أحمد.بين أجلينعلى كل مسلم ومسلمة أن ينظر لنفسه, وينظر إلى هذه اللحظات العصيبة ويعمل من أجل أن يُنجيه الله تعالى ويسأل الله دائماً حُسن الخاتمة, وهذا يتأتى بالبعد عن اللعب واللهو والانشغال بما هو زائل, وهناك حقائق يجب على كل عاقل أن ينتبه لها فلم يبق من عمرك أيها الإنسان إلا اليسير وأنت بين أجلين، بين أجل قد مضى لا تدري ما الله فاعل فيه, وبين أجل قد بقي لا تدري ما الله حاكم فيه فهذا في علم الغيب, وكلنا سيواجه مصيره لا محالة, هذا يتناول كتابه بيمينه, وهذا يتناول كتابه بشماله, وستعرض صحائف الأعمال على البشر وفيها كل ما حدث من البشر, وعندها يقول المجرمون (ما لهذا الكتاب لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) (الكهف ـ 49)، ثم إننا لا ندري: هل سنأخذ كتابنا باليمين أم بالشمال؟ فواجب علينا أن نسأل الله تعالى كثيراً أن يعطينا كتابنا باليمن وأن يُحسن لنا الخواتيم.موقف رهيبأخي المسلم الكريم: إننا ينتظرنا موقف رهيب وحقائق لابد من وقوعها فهناك موت وقبور وآخرة وصراط وميزان, وغدا سينكشف الغطاء, وكل إنسان على قدر عمله سيأخذ من الله تعالى الجزاء فنسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ممن أحسن الله خاتمتهم .. اللهم آمين. واجب على كل مسلم أن يُحسن في عمله ويتق الله في كل أحواله. والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا. فهو القادر على كل شيء وهو بكل شيء عليم , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * إمام وخطيب جامع الشريشة ـ سوق مطرح