كومة من الحطب على قارعة الطريق تبدو للمرء من بعيد كخيمة سوداء، مراجل فوق أثافيها، أطفال يتقافزون هنا وهناك في مرح.
هذه دلائل حدث سعيد يقام في شارعنا الذي يتوسط البلدة، إنه عرس قدم إليه الصغار من كل حدب وصوب، كنت واحداً منهم، لكن الوليمة لم تكن هي مقصدي، فالعروس جار لنا، وهذا يعني أن صينية كبيرة ملآنة بالأرز واللحم والبهارات والتوابل ستكون بانتظاري في البيت، لكن الالتقاء بالصحاب الذين يأتون من كل أنحاء البلدة هو الغاية من قدومي، فقد اعتدنا نحن الصغار التجمع في الأعراس لنلهو سوياً.
كان حضور أصحاب الجبل في ذلك العرس طاغياً على أبناء البلدة أنفسهم، كانوا متميزين بوجوههم وسواعدهم السمراء وشعورهم الطويلة المتدلية على أكتافهم، وأرديتهم الداكنة الألوان التي يغلب فيها اللون الأسود على غيره، وبأسلحتهم والتي قليلاً ما يرون بدونها.
عندما صُفت الصينيَّات اقترحت على صديقي الحميم أن نذهب بدلاً من مزاحمتهم، فالوليمة لن تفوتنا ما دمنا سنجد منها ما ينتظرنا في بيوتنا، أخذنا نلعب قريباً من بيت صديقي كما هي عادتنا، وفيما نحن كذلك تناهى إلى مسامعنا صوت مدوٍ ارتعدت له فرائصنا، تكرر عدة مرات، نظرت إلى صديقي في فزع، أشرت إليه بأن نفترق، فيسرع كل واحد إلى بيته، نهض دون أن ينبس ببنت شفة وأطلق ساقيه للريح، كذلك فعلت، إلا أن صراعاً داخليْ بدأ حينها ما بين الخوف والفضول انتهى بانتصار الأخير، فقصدت مصدر الصوت بدلاً عن البيت.
رأيت رجالاً يركضون متجهين نحو المكان الذي أقيمت فيه الوليمة، أخذت أعدو معهم، شاهدت كتلاً سوداء في وسط الطريق، عندما اقتربت منها فوجئت بأنها جثث آدمية، لم يرهبني ذلك، بل أخذت أطوف حولها مستمتعاً بما أراه، فلم يدر بخلدي يوماً بأني سأرى جثة صريع حقيقة أمامي، وعلى مسافة قاب قوسين أو أدنى، فرؤية القتلى والجرحى الذين عادة ما أراهم يتساقطون أمام مدفع رشاش، لم يكن يتعدى عندي حدود شاشة التلفاز.
كانت الجثث لبعض الجبليين، ظللت أتفرس في وجوههم التي غشيتها السكينة، وفي ملابسهم التي زادتها الدماء قتامة.
بعد ذلك رميت لفضولي ـ ذلك الرفيق الذي يأبى أن يفارقني ـ الحبل على الغارب، فما أن فعلت حتى أخذ يدفعني دفعاً ناحية مجموعة من المتجمهرين، أخذ يغريني موهماً إياي بأني سأجد الأمتع والأجدَّ هناك.
حين وصلت إلى الصفوف المتقدمة ووقع نظري على ذلك المنظر الذي استدعى كل أولئك الناس تسمرت في بقعتي، لم يكن مغرياً كما توقعت، لم يكن مما يبهج النفس ويمتعها، بل كان منظراً منفراً لم أحتمل مشاهدته، كنت أمامه مذهولاً جامد النظرات لا أستطيع أن أشيح بوجهي عنه أو أتراجع إلى الخلف، لا أعرف كيف أصف حالتي حينها، هل كالسكران كنت أم كالمنوم تنويماً مغناطيسياً، فلقد كان صعباً على صغير لم يبلغ السابعة من عمره تحمل رؤية إنسان جريح وسط بركة من الدماء وهو بنصف وجه، إحدى عينيه وجزء من ذقنه وأذنه لم يعد لهم وجود.
كانت الناس تسأله عن الفاعل، كان يرد عليهم بصعوبة بالغة، كنت أحسبه غريباً عن البلدة، ولكني علمت فيما بعد أنه جارنا بيت بيت، كان منظره بشعاً مُرعِباً حسبت معه أن الخيال ليعجز عن الإتيان بمثله.
لقد اتجهت فيما بعد إلى البيت وأنا لا أعرف كيف استطعت الخروج من التجمهر، كيف استطاعت قدماي أن تحملاني، كنت أسير وأنا ألعن فضولي، كم كنت غبياً عندما أطعته، فما حسدت أحداً من قبل كما حسدت صديقي الذي كنت ألعب معه منذ سويعة، فلا بد أنه الآن يهنأ بكل شيء، بدفء وأمان الدار، باللعب مع إخوته، بالطمأنينة بين والديه، وأيضاً بما تكدس من لحم وأرز في الصينية المرسلة إليهم، أما أنا فقد انطفأت لدي كل الرغبات ما عدا رغبة واحدة، أن أنام نوماً عميقاً ثم أستيقظ صباح اليوم التالي ناسياً ما حدث. في الطريق سمعت شيخاً يجلس على دكّة إحدى البيوت واضعاً وجهه بين يديه ويقول باكياً: لماذا يفعلون هذا ؟ إنهم أبناء عمومة، إنه ابن عمهم لحَّاً، لم أدرك ما يعني، ولكني أدركت أن وطأة الحدث لم تكن شديدة عليَّ وحدي، لقد وصلت البيت ولا أدري كيف تم ذلك.
في الممر شبه المظلم عندما اقتربت من الدرج نظرت ناحية دهليز من دهاليز بيتنا الكبير، فخيل إليَّ أنَّ جارنا النزيف قابع هناك وها هو بوجهه الذي شُوِّه تشويهاً يزحف نحوي مستنجداً، هرعت إلى الخارج وأنا في هلع شديد، وما إن وقفت أسفل حجرتنا التي في الطابق العلوي حتى أطلقت العنان لما قد تجمع بداخلي من مشاعر، صرخت باكياً مستغيثاً بأمي من المستغيث الذي ينتظرني قرب الدرج، طالباً أن ينزل إلي أحد كي أتمكن من الصعود الطابق العلوي.
-------
نافذة لغوية ( 240 )
الأمن اللغوي (2/2)
د.أحمد بن عبدالرحمن سالم بالخير أستاذ الدراسات اللغوية المشارك عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة [email protected]
إنّ حجج المندحرين للتشبّث باللغات الأجنبية وتفضيلها على لغتهم الأم تذكِّر بعهود التسلط والاستعمار، في بعض البلدان في الماضي، وما أشبه الأجواء الثقافية لعهد العولمة الحاضر بالأجواء الثقافية بعهد الاستعمار الغابر، من حيث تسويغ الاستلاب الثقافي والديني عن طريق الهجوم الشرس على اللغة وزعزعتها في حياة الأمة، وإحلال اللغة الأجنبية بمسوّغات بالية.
وحين يحدثونك عن اللغة وسوق العمل ليتهم يحدثونك عن مصطلحات علمية، وتقنيات متقدمة، واتصال بالجديد من العلم والتقنية، ولكنه مع الأسف ليس سوى إتاحة لعمالة وافدة متوسطة التأهيل، ومتدنية الكفاءة، تتربّع على مواقع العمل في المؤسسات والشركات، والأسواق والتجارة، مهمتهم عرض البضائع وترويج السلع، وترتيب المستودعات، وقيد السجلات، وضبط المراسلات.
سوق عمل مخزي، تحولت فيه المستشفيات والفنادق وبعض أقسام الجامعات وبعض الأسواق ومعارض البضائع واللوحات الإعلانية والتجارية، تحول كل ذلك إلى بيئات أجنبية، يتبادل فيها أبناء الأمة لغة أو لغات أجنبية، حتى تحولت قوائم الأطعمة والسلع والأسعار إلى اللغة الأجنبية، وفرضت وجودها وأنماطها على شرائح واسعة من أجيال الأمة، فاضطربت لغة التخاطب، وفسدت الألسن، وزادوا تخلفًا إلى تخلفهم، وضعفًا إلى ضعفهم، وامتلأت سوق العمل بالوافدين من غير حاجة حقيقية، ويريدون من أبناء الأمة أن يتحدثوا اللغة الأجنبية من أجل هؤلاء، زاعمين أنهم بهذا يهيئون لأبنائهم فرص العمل.
إن وجود وافدين مهما كان عددهم، ومهما كانت الحاجة إليهم، بل مهما كان مستواهم العلمي والفني، لا يجوز أن يكون سبيلاً للتفريط في السيادة على أرضنا، وقد علم العقلاء والاجتماعيون، فضلاً عن العلماء والمربين أن اللغة من أهم مظاهر السيادة، وكم تمزقت بلاد حين تعددت لغاتها، بل لقد ظهرت مبادئ انشقاق وطني في بعض الشعوب، وتصدعت صفوفها، وتسببت في إثارة الفتن والنعارات من أبناء البلد الواحد مما تشاهد آثاره المدمرة ماثلة أمام العيان، والأعداء لنارها يوقدون.
إن من الغفلة الشنيعة الزعم بأن مصلحة السوق، ودواعي الاستثمار تتطلب لغة أجنبية، فكل بلاد العالم ولا سيما المتصدرة منها قائمة التقدّميّة لا يمكن أن تُؤثر شيئاً على لغتها مهما كانت الأسباب والدواعي والدوافع.
أما كان الأجدر بهؤلاء إن كانوا وطنيين مخلصين أن يجعلوا تحدث لغتها شرطاً في العمالة الوافدة، بدلا من إجبار أبنائنا أن يتحدثوا لغة أجنبية من أجل هؤلاء الوافدين؟! إن هذا ـ والله ـ لانتكاسة عجيبة.
وفي محاسبة جادة، ومساءلة صادقة، إن كثيراً من الشعوب الموصوفة بالنامية قد انزلقت في تعليم أو تعميم اللغة الأجنبية في أبنائها، فماذا أفادت وماذا استفادت؟ هل خرجت من قوس النامية هذا؟!
إن أي أمة تروم التقدم والقوة والعزة والاعتماد بعد الله على نفسها لا يمكن أن تمتلك زمام العلم والتقنية إلا حين تعلّم ذلك كلَّه بلغتها.
لقد ظهرت دعوات تطالب بتعليم اللغة الأجنبية للأطفال الصغار، من الصفوف الأولى، وعلت نداءات تدعو إلى تدريس لغة الأجنبي في جميع العلوم، وتعالت أصوات تريد جعل اللغة الأجنبية شرطاً لتحصيل الوظيفة أو العمل.
إن من التناقض الصارخ، والغفلة القاتلة أن يتحدث رواد الفكر والمثقفون عن توطين التقنيات، واستنبات العلوم في أرض الوطن، وهم في الوقت نفسه يصرّون على الدعوة إلى تدريس العلوم والتقنيات باللغة الأجنبية، والتي لن يتقنها المتعلمون من غير أهلها، ولو أتقنوها كما يتقنها أهلها، فقل: على الأمة وعلى لغتها، بل على وجودها السلام.
إن الحل والسلامة، والحصانة والمشاركة الحقيقية في البناء، وسلوك مسالك التقدم الصحيح والنظيف هو بالتصدي لخطر الإذابة بالعمل المنظم الجادّ، بعيداً عن الشعارات الجوفاء، والكتابات الخرساء، عملٌ جاد يكسب المناعة ضد محاولات الإذابة، وطمس الهوية، ومن ثمَّ المشاركة في البناء، ومعطيات الحضارة الصالحة النافعة.
إن كان في الأمة غيرة، وإن كان ثمة صدق وجدّ في خدمة الدين، والأمة واللغة، فالطريق واضح والمحجة بينة.
الأمة تحتاج إلى سياسة لغوية، فليست المشكلة ولا القضية في المعرفة النظرية لقواعد اللغة وأصولها، بل الذي يحتاجه عموم الناس والمتكلمون هو الكفاءة اللغوية في النطق والكتابة والتعبير، نحتاج إلى سياسة لغوية تنسق عمل المؤسسات المعنية باللغة، وخطاب الناس، ولا سيما الإعلام بوسائله، والتعليم بمناهجه وطرائقه فتكون الفصحى الميسرة هي الهدف المنشود التحقيق، وحينئذ لا تكون اللغة مادة دراسية مجردة مفردة معزولة، محصورة بين حيطان قاعات الدراسة في ساعات محدودة، بل يجب أن تكون هي لغة الحياة في كل ميادينها. مطلوبٌ الاهتمام الخاص باللغة في التعليم العالي، في الأقسام العلمية والنظرية، وإلزام الالتزام بها تدريساً وتحدثاً وكتابة. مطلوبٌ الغيرة الصادقة على اللغة في الوقفة الصارمة أمام هذه الأسماء التجارية والصناعية الوافدة، التي لا تعكس سوى الانهزام والتبعية، والشعور بالذلة والدونية.
إن قوة اللغة واستمرارها ـ بإذن الله ـ يعتمد بالدرجة الأولى على وعي الأمة وحرصها على رعايتها وحمايتها وانتشارها، واليقين الجازم بأنها صالحة لمقتضيات الحال، قادرة على متطلبات الوقت، ومعطيات التحضر، ومستجدات التطور.
وتلك أهداف كبرى تخطط لها الدولة المحترمة والأمة العظيمة فتقيم المؤسسات المتخصصة، وتبني مراكز البحوث المتقدمة، وتؤسس الهيئات الفنية لتعليم اللغة، وتطوير أساليب تدريسها، وترجمة المصطلحات الأجنبية.
لا بد أن يبقى للغتنا شموخها، ولا بد من تقوية المناعة الذاتية في جسم أبناء الأمة، والاعتزاز بالدين والدار، والتعامل مع اللغات الأجنبية ببصيرة، وحسن استفادة من غير ذوبان.
يجب أن نعلن ونلقن ونرسم أننا بحاجة إلى الأمن اللغوي، كما أننا بحاجة إلى الأمن الفكري، والغذائي، والمائي، وكل أولئك من ضروريات الحياة، والعيش الكريم.
سعيد بن عبدالله الدارودي