حظيت الترجمة العربية لهذه الرواية فور صدورها بداية العام الحالي بسمعة رائجة، لا تقل شأنا عن السمعة العالمية التي سجلتها الترجمات الأخرى ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعا، يضاف إلى ذلك أن الترجمة العربية أعدت بحرفية لم تفقد النص الأصلي بريقه، وهي من ترجمة السوري معاوية عبدالحميد، عن دار ميسكيلياني و دار الجمل. وتبدأ الحكاية متماسكة ومتسقة في أحداثها، فكأن مؤلفها وضع لها تخطيطا هندسيا بالغ التعقيد، وهو كذلك غاية في الجمال والجاذبية، والصورة الأولى في النص هي الصورة الأخيرة أيضا، طفل في العاشرة من عمره تقريبا، يده في يد أبيه، وهما ذاهبان إلى مقبرة الكتب المنسية، ففي البداية دانيال مع أبيه سيمبيري، وفي نهاية الرواية، خوليان مع أبيه دانيال، الطفل الذي صار عجوزا، في إشارة من الكاتب إلى صيرورة الحياة وتكرار مشاهدها (هذا التكرار لا علاقة له بنظرية العود الأبدي النيتشوية، و إنما سياقه الصدفة المحضة)، فكانت أحد التكتيكات التي استخدمها زافون في هذه الرواية هو استعادة الأحداث في قوالب تاريخية مختلفة، مع إبقائه لبعض التفاصيل التي تجعل الحكاية متجددة ومشوقة.فالحكاية تبدأ إذن في المكتبة عندما يطلب سمبيري الأب من ابنه دانيال أن يأخذ أحد الكتب المنسية داخل المقبرة، ليتبناه حتى آخر يوم في حياته: "جرت العادة على أن من يأتي إلى هنا للمرة الأولى عليه أن يختار كتابا، ويتبناه ويجتهد في الحفاظ عليه دائما فيبقى حيا، إنه عهد في غاية الأهمية". ذلك الكتاب الذي تبناه دانيال هو رواية عنوانها أيضا "ظل الريح" لكاتب يدعى خوليان كاراكاس، دانيال هو راوي هذه القصة، فظل الريح التي يكتبها زافون على لسان دانيال هي عن ظل الريح التي يكتبها خوليان كاراكاس عن بطله الذي يحاول استعادة حياته الضائعة، ودانيال وخوليان كاراكاس هما قصتان تتقاطعان في الأزمنة والأمكنة ذاتها، من بينها حكايتا عشقهما اللتان تمران بظروف متشابهة تقريبا، يقتفي دانيال أثر كاراكاس، ويبحث في الظروف التي أدت إلى موته، والتي تبدو في البدء لغز الحكاية وعقدتها، إلا أن الكاتب يتفاجأ بأن كاراكاس لم يمت وإنما افتداه صديق عمره ميغيل، حين استقبل رصاصات عمال فيميرو، وللزيادة في إيهامهم وضع جواز سفر خوليان وروايته في جيبه، معتبرا أن حياة خوليان أكثر أهمية وفائدة من حياته البائسة، لينتشر بعدها خبر موت خوليان، بينما ضاع ميغيل من الذاكرة، وبذلك أصبح خوليان كاراكاس ظلا لشخص ميت، اِنمحت ملامحه وذابت شفتاه باللهب، في محاولة الانتحار الفاشلة داخل النار التي أضرمها في مستودع كتب كابيستاني، وصار يتنقل ليلا كفرانكشتاين الذي صنعته رواية ماري شيلي ثم أحمد سعداوي في رواية فرانكشتاين في بغداد، ولكن بصورة أقل فجائعية في حالة خوليان كاراكاس.يقع كاراكاس في حب بينلوب آلديا، وهي من الطبقة البورجوازية، أما كاراكاس ابن بائع القبعات فورتوني فينتمي إلى الطبقة إلعاملة المتوسطة. وتبدو قصة الحب عادية لولا ظهور أحداث صعدت من جاذبيتها، فيتبين لاحقا أن العاشقان أخوان، إذ قبل أن تتزوج والدة خوليان السيدة صوفي من أبيه بائع القبعات بفترة وجيزة، تعرفت على ريكاردو آلديا والد بينلوب، وحين تزوجها بائع القبعات كانت تحمل في أحشائها خوليان الابن غير الشرعي للدون ريكاردو، وفي الوقت نفسه كانت الزوجة الشرعية للدون ريكاردو حبلى ببينلوب، وما حدث لاحقا هو اهتمام السيد آلديا بخوليان، وقربه من القصر، فلم يضع في الحسبان أن خوليان سيعشق أخته، وإلا لقتله منذ طفولته، إذ بعد ذلك تتأزم الحكاية فتحبل بينلوب من أخيها خوليان، فتطارده اللعنة بينما تسلم بينلوب روحها وهي تضع ابنها الذي مات في حضنها. وخلال تلك الفترة كان خوليان في باريس في انتظار هروب بينلوب إليه، بينما يتوعده أبوها/أبوه بقتله، وبقي خوليان على جهله بموت بينلوب وجهله أيضا بأنها أخته، وظل متخفيا طوال ذلك الوقت، وكان يُظن أنه قتل حين افتداه صديقه ميغيل بروحه واضعا في جيب سترته جواز سفر خوليان ليوهم القتلة بأنه هو خوليان كاراكاس المطارد من قبل السلطات وتحديدا من قبل زميل دراسته المحقق فوميرو، وهذا الأخير قد لعب دورا بارزا في ملاحقة أبطال الحكاية.ومن الإشارات المهمة أيضا في الرواية ما تواجهه قصة حب دانيال وبيا من ظروف مشابهة لقصة خوليان وبينلوب، فالمكان قصر آل آلديا الذي تنمو فيه قصص حب الشخصيات الأربع؛ فبعد أن كان مُلكا لوالد بينلوب، صار بعدها مُلكا لوالد بيا، والفتاتان أيضا في قصتي الحب لهما أخوان يقومان بدور المتعاطف والصديق إلى حد ما مع المحب، بينما يقف الأب في القصتين صارما وراغبا في البطش ببطل ابنته، ووحشا قاتلا مطبقا مخالبه في رقبة ابنته العاصية.عناصر الجمال متعددة في هذه الرواية، فالشخصيات مرسومة بعناية فائقة، حتى تكاد تمثل كل شخصية منها حكاية منفردة، وهي إلى جانب ذلك خلقت تماسكا بين شخوصها، فلا توجد شخصية هامشية أو غير مبررة، فكلها تمثل نسيجا داعما ولونا في لوحة أخّاذة. واستطاع أيضا كاتب الرواية أن يعزف على أوتار الزمن برشاقة فائقة، حيث يدمج الأزمنة ويفصل بينها بدون أن يشعر القارئ بذلك. فأزمنة الرواية مختلفة بين عالم دانيال وعالم خوليان كاراكاس، وعوالم زمنية شفيفة بينهما، وتتقاطع قصتا الحب كما قلنا سابقا، وهنا يمكن أن نلاحظ بعض التقارب في فكرة الزمن الذي يستخدمه كارلوس زافون والزمن في رواية "البطء" لميلان كونديرا، فهي لعبة حكايتين في زمنين مختلفين.أما على صعيد اللغة فقد استطاع زافون أن يقدم لقارئه رواية بتقنية "الثري دي" إذ كل ما تقرأه تشعر بوخزه في داخلك، فحين يقوم فيميرو بتسديد ضربته على بطن فيرمين، فإنك غالبا ما ستضغط عضلات بطنك كأن المشهد يحدث أمامك في اللحظة نفسها، وحتى الأجواء الشبحية التي كان يرسمها في قصر آل ألديا سيتخيلها القارئ بدقة عالية تجعل قلبه ينتفض لوحشتها.في هذه الرواية يجمع زافون بين الحب والكره، بين الحياة والموت، بين الجمال والبشاعة، بين الأمن والخوف، الغنا والفقر، العمى والإبصار، بين المعرفة والجهل، وغيرها من المتناقضات التي تشكل وجه الحياة المشوه. وقد اعتبرت صحيفة النيويورك تايمز أن أسلوب كارلوس زافون جمع بين تجارب كل من جارسيا ماركيز وأمبرتو إيكو وخورخي لويس بورخيس، وربما أغفلت الصحيفة تأثره أيضا بفيكتور هوجو الذي يأتي ذكره في أحداث الرواية متمثلا في قلمه المعروض للبيع أولا في باريس ثم في برشلونه في واجهة أحد المحلات، إذ يسعى كل من خوليان كاراكاس (في باريس) ثم دانيال (في برشلونة) إلى اقتنائه لتوثيق حكاياتهم، أسلوب هوجو في خلق عقد انشطارية تدفع القارئ لفكها الواحدة تلو الأخرى، وما يلبث القارئ أن يفك إحداها إلا وانبجست منها عقد أخرى، وهكذا حتى يمنح القارئ في نهاية الحكاية شعورا بالنصر الممزوج بالدهشة للنهاية التي أفرزتها تلك العقد. كما شبّهت صحيفة الحياة رواية "ظل الريح" بأعمال الفنان الهولندي بيتر بيرغل، الذي يحشد لوحاته بعدد كبير من الشخصيات، إلا أن كل الشخصيات تبدو مهمة، فكل له دور مهم في اللوحة/الرواية. وكذا الشخصيات في الرواية جزء أساسي، وخرزات في عقد متسق، يبهت بريقه إن غيبت إحداها.والقصة كما تنتهي مشوقة، فإن بدايتها أيضا كانت جذابة، تشد القارئ منذ دخوله عتبة الأسطر الأولى، فيعمد الكاتب إلى تقسيمها إلى مداخل ومتون ونهاية، وإن كانت تسميات المداخل في شكلها كلاسيكية، إلا أنها كانت متكأً يستريح القارئ على شرفتها، فحجم الرواية يفوق الخمسمائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط في أحداث ملتبسة ببعض البعض. علي بن عبدالله الفارسي