اكتسبت الفضائيات في عالمنا العربي الحظ الأوفر من متابعة الرأي العام ، وكلما كانت المحطة أكثر جذبا للجمهور تهافت عليها المعلنون واتصالات المتابعين وبالتالي جنت المزيد من الأرباح ، وهذا الأمر يدفع الكثير منها لتقديم ما يطلبه الجمهور ويعتبره مثيرا وليس ما يفيده ، وشتان بين الهدفين ، وتكون اللغة العربية الفصحى هي أولى التنازلات التي تقدم حرصا على ازدياد معدل المشاهدة لأطول وقت ممكن .
لقد سبقت الإذاعة التلفاز تاريخيا في الدخول إلى عالمنا العربي ، إلا أن التلفاز كان الأكثر جذبا للمتابعين ، لكون اللغة تخاطب في المتلقي حاسة واحدة من خلال الإذاعة ، بينما يضيف التلفاز بعدا آخر للكلمة المنطوقة . و هكذا تطور التلفاز من البث الأرضي إلى البث اللامحدود وهو بث السماوات المفتوحة .
ولا يمكننا إغفال الدور الذي قامت به هاتان الوسيلتان في نشر الفصحى، وذلك في بدايات إنشائهما، حيث إنهما اعتمدا الفصحى في مخاطبة المتلقي، فضلا عن العديد من البرامج النحوية والأدبية والتعليمية. لكنّ هذا الحرص على العربية وعلومها ما لبث أن تضاءل شيئا فشيئا، حتى انقلب إلى حرص على العامية المحلية، ونبذٍ -بل محاربة- للفصحى ولكلّ ما يمتّ إليها بصلة، وتحوّل ذلك الدور الكبير في نشر العربية إلى دور كبير في هدم العربية وتقويض دعائمها، بطرق متعددة، وأساليب مقصودة وغير مقصودة، لكنّها في النهاية تثمر نتيجة واحدة، ومن هذه الأساليب:
1ـ غلبة استخدام اللهجات العاميّة بين الفضائيات العربية ، والتنافس المحموم لحيازة قصب السبق، بانتشار عامية هذه الفضائية أو تلك بين أكبر عدد من المشاهدين، حتى تنوّعت وتعددت لهجات الفضائيات بعدد الدول العربية . وكان ابتداء انتشار هذا التلوّث اللغوي بظهور المسلسلات والأفلام، وكانت الحجّة في ذلك محاكاة الواقع، ثم انتقلت هذه المحاكاة إلى برامج التراث والإعلانات والبرامج الحوارية حتى العلمية ..!!! وأدّى هذا الاندفاع نحو العامية إلى جعل بعض اللهجات أقرب إلى فهم المتلقي من الفصحى، خصوصا بالنسبة للأميين وأنصاف المتعلمين، وكذا الأطفال. واللهجة المصرية أصدق مثال على ذلك، فقد انتشرت في أرجاء العالم العربي، وصارت بمثابة لغة التواصل بين العرب، يفهمها العماني والشامي والعراقي واليمني والمغربي، ويعود السبب في ذلك إلى التلفاز الذي نقل الفنون المصرية، الغنائية والدرامية وغيرهما، إلى المتابعين له في أرجاء الوطن العربي. واليوم.. بعد أن ضاق الفضاء بالفضائيات العربية، ظهرت في الساحة الإعلامية لهجات أخرى تنافس المصرية على مقعد الشهرة والانتشار، وتكاد بعض الفضائيات تعطي للمتابعين لها دروسا في قواعد لهجاتها وأصول النطق وأصوات الأحرف فيها، كل ذلك يحدث على حساب الفصحى، بل وعلى حساب العامية الراقية أيضا، فالأولى تهان، والثانية تبتذل، حتى إنها كثيرا ما تجنح إلى السوقية والإسفاف، متجاوزة العامية الراقية المحترمة.
لقد تعددت منافذ العامية في الفضائيات ، وبات من الصعب حصرها، فهناك فضائيات تبدأ إرسالها وتنهيه بالعامية، وما بين البدء والختام لا يكاد المتابع يسمع جملة فصيحة، ومن أهم منافذ العامية في الفضائيات وأكثرها تأثيرا:
ـ المذيعون والمذيعات: الكثير من هؤلاء لا يحسن صياغة جملة فصيحة غير ملحونة، وما يعلم من قواعد العربية شيئا، وهو لا يرى في ذلك عيبا أو منقصة تحطّ من قدره، بل وصل الأمر ببعضهم إلى ازدراء الفصحى، وجعلها مثارا للسخرية والاستهزاء، في مقابل الاعتزاز باللهجة المحلية، والشعور بتفوقها على ما عداها من اللهجات. وتعدّ البرامج الحوارية الفنية والثقافية والسياسية، من أكثر البرامج التي يجنح مقدموها إلى استعمال العامية، لأنّ التحدّث بالفصحى فيها يتطلب مهارة وعلما وثقافة، وكلّ ذلك يفتقر إليه هؤلاء المذيعون، فيعمدون إلى مداراة النقص، بالنقص ذاته. أمّا الضيف الذي هو محور البرنامج، ففي كثير من الأحيان لا يكون أفضل حالا من المذيع، فهو يجاريه في الحديث بالعامية، ويتفوّق عليه في استعارة المفردات والمصطلحات من لغة أخرى، ليثبت نخبويته، فهو يرى أن لغة النخبة لا يجوز تدنيسها بمفردات عربية فصيحة !!! وإذا علمنا أن كثيرا من البرامج الحوارية إنّما تستضيف أصحاب الشهرة والمثقفين والساسة، ومتبوئي المناصب العليا في المجتمع، فسوف ندرك عظم الـتأثير الذي يتركه هؤلاء لدى العامة من الناس، عندما يلاحظون مدى حرص هذا النجم على أن يبعد عنه عار الفصحى وشنارها، وأن يغرق ما أمكنه في عاميته المحلية المطعمة بلغة (المستلِب)، ومن منطلق ولع الغالب بالمغلوب، فإن الشعور بالازدراء والنقص تجاه الفصحى سينتقل حتما إلى المتلقي .
أما إذا تحدّث هذا (النخبوي) بالفصحى، فإنه سيهمل الإعراب -وهذه أول خصائص العامية- وإذا أعرب فسوف ينصب المرفوع، ويجرّ المنصوب، وقلّة هم اللذين يتحدّثون بفصحى معربة سليمة من اللحن. وتأتي بعد ذلك مشاركات المستمعين والمشاهدين في برامج البثّ المباشر، لتزيد الطين بلّة، فحديث بعضهم ينحدر إلى العامية المبتذلة، التي يشقّ على من لديه حسّ أدبي أن يسمعها.
ـ البرامج الموجهة للأطفال: وهذه من أخطر المنافذ، لأنها تكرس العامية في نفوس النشء وهم في مرحلة يتشوقون فيها للمعرفة، ويسهل تأثّرهم بكلّ ما حولهم، وبدلا من استغلال هذه المرحلة في تعزيز مكانة الفصحى، وترسيخ الملكة اللغوية لدى الناشئة عن طريق الاستماع، نرى وسائل الإعلام تهدم اللبنات الأولى التي يشيدها التعليم في عقول هؤلاء الصغار، بتركيزها على العامية في كلّ ما هو موجّه للطفل، بدءا بالرسوم المتحركة، ومرورا بالبرامج الثقافية والترفيهية، وانتهاء بالإعلانات التجارية والبرامج الإرشادية، وكلّ هذه البرامج لها أشدّ التأثير على سلوك الطفل وتفكيره ولغته، فهو يعمد دوما إلى محاكاة أبطالها، وتقليدهم فيما يأتون من أقوال وأفعال، ويستوعب كل ما يسمعه ويشاهده بدقة متناهية.
إنّ أمثال هذه البرامج تعدّ بيئة خصبة للتعليم والتوجيه غير المباشر، إن أُحسن الإعداد لها، وتم اختيار كفاءات ومواد مناسبة. أما إن كان العكس، فالجرم عظيم وخطير، يتغلغل أثره عميقا في النفوس، ويظهر في صورة أجيال لا تميّز الفاعل من المفعول.. ولا تعرف الفرق بين المرفوع والمنصوب.
ـ الإعلانات التجارية: وتأتي أهميتها من كونها عبارة عن رسائل قصيرة موجهة، تتكرر بشكل مكثف على أذن المستمع وعينه، على نحو يجعلها ترسخ في ذهنه، بحيث يمكن أن يردّدها دون وعي. وغالبا ما يحرص القائمون على هذه الصناعة على استخدام العامية التي يرون أنها أكثر تأثيرا وجذبا للمتابع، وبالتالي أضمن في تسويق سلعتهم ورواجها، وربما علّلوا استخدامهم للعامية بأنها تمثل الواقع، وهنا يحق لنا أن نتساءل: أين هو الواقع في إعلان يصاغ باللهجة اللبنانية أو المصرية، ليبث في فضائية خليجية مثلا ؟.. إنّ الأصدق أن يقال إنها مجاراة للواقع، وعزف على وتر اللهجة المفضّلة لدى المتلقي! وهكذا يتمّ تسخير اللغة لتصبح إحدى أدوات صناعة المجتمع الاستهلاكي.
يضاف إلى ما سبق الأغاني الموسيقية التي تصدح دوما في الفضائيات ، ولو أنّه ما وجد سبب لتحريمها إلا ألفاظها المبتذلة، التي لا تحترم ذوقا، ولا تراعي أدبا، لكفى به من سبب.
ـ برامج المسابقات والبرامج العلمية، وهذه يفترض بها أن ترتقي بالمشاهد تفكيرا ولغة، لا أن تزيده جهلا وخطأ.
وفي مقابل الطوفان العارم للعامية، ما عاد للفصحى مكان إلا في نشرات الأخبار، وهي هنا مشوّهة عليلة، مليئة بالأخطاء اللغوية والإلقائية. لقد نسي القائمون على الفضائيات أنّ وسائل الإعلام يجب أن تكون موجِّهة لا موجَّهة، وهذا يعني أنّها لا يصحّ أن تتملق عواطف الجمهور أو تجري وراء نزواته، بل يجب أن توجهه وتأخذ بيده، وتقوده إلى حيث تريد، فلهذا السبب وجدت، ومن أجله تعمل........ يتبع

د.أحمد بن عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة
[email protected]