الموضوعية تقتضينا أن نعترف أن علوم العصور الغابرة كانت تتراكم رويداً رويداً، وكان الإنسان العربي يومها يبحث كعادته عما يصلح به حاله، وعن الأخطار التي تحيق بحياته ؛ ليجد الحلول لها لتجنبها، بل تطلع إلى أكثر وذلك في الابتكار والتطوير للأشياء التي يحتاجها مما يسهل عليه الزمن والأيام ويخفف من أعبائه، لكنه بَعُدَ نسبياً عن الإطار المادي ليرتاد القضايا الفكرية من فلسفة ومنطق وعلوم الأخلاق.
إنما التطور الكبير في مختلف العلوم سيما التطبيقية منها حدث في القرون الأخيرة فكانت الطفرة العلمية وتنوعاتها، وما يعنينا أن نعرف أكان للعرب ولغتهم مساهمة في مجال علوم ذلك العصر، وفي تقديري أنهم برعوا وفاقوا أقران زمانهم وتفوّقوا عليهم، وقصص العلم والعلماء تزخر بها كتب التاريخ لتلك الأيام، ولنثبت علمية اللغة العربية فقد وجدت كتاباً خصّصه مؤلّفه العلامة الشيخ محمد صديق بن حسن القنوجي (ت 1307ه) بكامله للعلوم باسم " أبجد العلوم "، وفي كتاب ثان "شذرات الذهب في أخبار من ذهب " لأبي الفلاح عبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي (ت 1089ه) مواضيع علمية عدة، ومثله "معجم البلدان" لشهاب الدين ياقوت بن عبدالله الحموي (ت626ه) وكذلك كتاب "سير أعلام النبلاء" لمحمد بن احمد الذهبي (ت748ه)، وألّف عصام الدين أحمد المعروف بطاشكبري زاده (ت968ه) كتابه القيم المسمى بمفتاح السعادة ومصباح السيادة والعديد من الكتب خصص كل واحد منها جزءاً أو أكثر للعلوم.
وفي أبجد العلوم تعريفات متعددة للعلم منها أنه يقول: " اعلم أن العلم وإن كان واحداً وحقيقة واحدة إلا أنه ينقسم إلى أقسام كثيرة من جهات مختلفة فيقسم من جهة قديم ومحدث، ومن جهة إلى تصور وتصديق، ومن جملة طرقه إلى ثلاثة أقسام قسم ينبت في النفس وقسم يدرك في الحس وقسم يعلم بالقياس، وينقسم من جهة اختلاف موضوعاته إلى أقسام كثيرة بعضها علوم وبعضها صنائع.
وفي الفوائد الخاقانية لمحمد أمين بن صدر الدين الشرواني (ت1036ه) يقول: " اعلم أن هاهنا تقسيمين مشهورين: أحدهما أن العلوم إما نظرية أي غير متعلقة بكيفية عمل أو عملية متعلقة بها، والإمام الشافعي يحدد العلوم الحكمية بخمسة عشر فناً إلا أن فروعها أكثر من خمسين علماً ".وكلمة (فن) في اللغة تعني تحويل العلم إلى واقع، والصناعة من فنون العلوم ويبحر العلماء في التعداد فهناك علم المنطق، والعلم الإلهي، والعلم الطبيعي، والعلوم الرياضية، ومن فروع العلم الطبيعي علم البيطرة وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم الفلاحة وعلم المعادن وعلم الجواهر وعلم الكيمياء وجعلوا من فروع الطب علم التشريح، وعلم الكحالة (العينية) وعلم الأطعمة وعلم الصيدلة وعلم الحجامة وعلم المقادير والأوزان وعلم الجراحة وعلم الفصد، بل أكدوا وفي تلك الحقبة على علم إعجاز القرآن وأسموه في تلك الفترة علم العلوم.
قصدت من كل هذه الشواهد أنها كتبت بالعربية عناوين وتفاصيل، ومنطق الاستنتاج يحتّم علينا أن نقرّ أن جميع هذه العلوم عاشت في اللغة، ولغتنا عاشت وستعيش وتدوم حتماً لشموليتها المعبِّرة عن كل ما في الكون، أمن شك بعد ذلك بأن اللغة العربية ليست علمية ؟!!! لقد واكبت علوم العصور الغابرة وعلى المعنيين بها سيما الجامعات ومجامع اللغة العربية أن يضيفوا لها ما جاءت به العصور الأخيرة، وبذا يكونون أمناء على لغتهم وعلى أمتهم وشرف الأمة، وبذا يسهمون في الحفاظ عليها ويرفعون عنها كيد من أراد بها سوءاً.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
[email protected]