يتمثل الإجراء الجديد في وسم المحتوى المتطرف بعلامة مائية ومشاركة قاعدة بيانات حول ذلك المحتوى المشبوه بين الشركات الكبرى لضمان توحيد الجهود قي مكافحته. ومن الصعب توقع أن يكون لذلك تأثير كبير على كمية المحتوى المتطرف والإرهابي على الإنترنت، فلم تفلح إجراءات أشد في وقف نمو ذلك المحتوى الخطير على الإنترنت.[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/05/amostafa.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د.احمد مصطفى [/author]جاء إعلان كبرى شركات الإنترنت والتواصل الاجتماعي عن خططها الجديدة لمكافحة المحتوى المتطرف والإرهابي على الإنترنت ردا على انتقادات لها بأنها "لا تقوم بما يكفي" في محاربة الإرهاب إلكترونيا. وبالطبع تتحسب الشركات الكبر لأي إجراءات من جانب السلطات خاصة في أميركا الشمالية وأوروبا؛ لأن تلك الإجراءات يمكن أن تكلفها المليارات من الخسائر. لذا، تسارع بين الحين والآخر لإثبات حسن النية باتخاذ خطوات لضبط ومراقبة المحتوى كي لا تتهم بأنها تسهل للإرهابيين والمتطرفين ببث رسائلهم عبر الإنترنت، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي للتجنيد وجمع الأموال. لكن أغلب تلك الإجراءات لا يجدي كثيرا ويسهل على المجرمين الالتفاف عليها، إنما هكذا تكون الشركات "قامت بما يكفي" ولسان حالها يقول للسلطات: "المغسل لا يضمن الجنة".يتمثل الإجراء الجديد في وسم المحتوى المتطرف بعلامة مائية ومشاركة قاعدة بيانات حول ذلك المحتوى المشبوه بين الشركات الكبرى لضمان توحيد الجهود قي مكافحته. ومن الصعب توقع أن يكون لذلك تأثير كبير على كمية المحتوى المتطرف والإرهابي على الإنترنت، فلم تفلح إجراءات أشد في وقف نمو ذلك المحتوى الخطير على الإنترنت. وكلما طورت الشركات وسيلة طور المستخدمون "ترياقا" يتجاوزها بل ويزيد من قدرة هؤلاء المارقين على تطويع الشبكة العنكبوتية لما يريدون. حتى أعتى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بكل ما تملك من تكنولوجيا متطورة، لم تتمكن من مكافحة تلك المخاطر. فكلما طوروا وسيلة، مثل رصد كلمات معينة أو إشارات محددة وضبطوا برامج الحاسوب عليها يبتكر المستخدمون طرقا أكثر تعقيدا لتفادي تلك الفخاخ. حتى إغلاق الحسابات وحذف الصفحات والمواقع يجعل هؤلاء المستخدمين يعودون بأشكال أخرى ولا يعدمون طرق الاحتيال الإلكتروني التي تسبق غالبا من يكافحونهم بخطوة.ويصعب تصور قدرة الشركات وهيئات تنظيم الإنترنت على مواجهة من يريدون استغلال الفضاء الإلكتروني لأغراضهم الإجرامية، فهؤلاء الأخيرون يعرفون ما يريدون ويسخرون له قدرات تستهدف تحقيقه بأي ثمن. والحقيقة أن تجمع عشرات الدول منها الكبرى في العالم في حرب مكافحة الإرهاب قبل أكثر من عامين لم تستطع القضاء على عدة آلاف من الإرهابيين في العراق وسوريا. ورغم إنفاق المليارات والطلعات الجوية التي يصعب حصر عددها لم ينتهِ تنظيم "داعش"، بل على العكس يكسب أرضا ومناصرين في أنحاء أخرى من العالم خاصة في قارتي إفريقيا وآسيا. ذلك مع العلم بأن الحرب العسكرية ربما كانت أمضى وأوضح من الحرب الإلكترونية، فكيف نتوقع من شركات التكنولوجيا أن تنجز أكثر مما لم ينجزه كبار العالم عسكريا. ربما حدث العكس، وساعدت خطوات شركات التكنولوجيا في تقوية شوكة الإرهاب والتطرف إلكترونيا بتمكين الإرهابيين من تطوير قدراتهم ومهاراتهم للالتفاف على سبل مكافحتهم.أضف إلى ذلك مسألة في غاية الأهمية، وهي أن وسائل التواصل الاجتماعي مثلا تقوم أساسا على حرية المستخدمين في بث ما يريدون عبر منصاتهم وبالتالي يقاومون أي محاولة لتقنين عملهم. فمن شأن أي قيود أن تقلل عدد المستخدمين الذي تعتمد عليه تلك المنصات في الحصول على عائدات الإعلانات. كما أن محاولات التقنين تلك غالبا ما تضر أكثر مما تنفع، والمثال الأحدث على ذلك هو موضوع الأخبار المفبركة على وسائل التواصل الاجتماعي. فعندما أثيرت هذه المشكلة بعد الأخبار المفبركة المتعلقة بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، استجابت شركة فيسبوك بتطوير آلية لحذف ما يمكن اعتباره أخبارا مزيفة. وكانت النتيجة أن فيسبوك بدأ يحذف القدر الأكبر من الأخبار من على صفحات وسائل الإعلام الرئيسية، فبدأت كلها تعاني من قلة المتابعين لأخبارها الذين كان يتم تحويلهم لمواقعها عبر فيسبوك. وهكذا، بدلا من "تنظيف" فيسبوك من الأخبار المزيفة يتم حذف الأخبار الحقيقية، بينما من يفبركون وينشرون الإشاعات يزيد نشاطهم على فيسبوك.ثم إن هناك مشكلة حقيقية تتعلق بالتطرف والإرهاب، نغض الطرف عنها عمدا، وهي أن كل ما يخص هذا الأمر له علاقة بالدين. وإذا كانت وسائل إعلامنا لديها حساسية خاصة في أي أمر يتعلق بالدين، فما بالك بشركات التكنولوجيا! للأسف لا يستطيع أحد اتخاذ إجراء ما، حتى لو كان صحيحا، خشية أن يتهم بأنه ضد دين ما أو يميز ضد أتباعه. وربما كان العبء الأكبر في مكافحة التطرف والإرهاب يقع علينا نحن في منطقتنا، فجذوره وأسبابه معروفة وسبل تغذيته وتنشيطه معروفة أيضا. لكن، مرة أخرى، لا نفعل شيئا بسبب "الحساسية الدينية" تلك. ذلك النفاق الذي نتستر به هو ما يجعل التطرف والإرهاب ينتشر وتقوى شوكته، ولا يمكن لوم الغرب وإسرائيل على استفادتهم منه وتوظيفه ضدنا. فتلك قوى تبحث عن مصالحها، ونحن بسلبيتنا نوفر لهم الأدوات ليستغلوها حماية لتلك المصالح. والمصيبة الأكبر والأخطر أن البعض في المنطقة يتصور أن ما يقوم به من رعاية وتشجيع للجماعات التي تغذي التطرف والإرهاب (مثل جماعة الإخوان) يجعل مصالحه تتقاطع مع مصالح "الخواجات". إن أي مكافحة للإرهاب، عسكرية أو إلكترونية، تبدأ من هنا: مواجهة هؤلاء الذين يشجعونه ويبررونه ويغذون أصوله وهم يتصورون أنهم يحسنون صنعا.