[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedbinsaidalftisy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد بن سعيد الفطيسي[/author]”.. يعرف التحليل السياسي بأنه استعمال إجراءات منظمة بخصوص موضوع معين للوصول إلى وصف الحالة, وهو عملية إدراك موضوع وتفكيكه لتحديد المؤثرات والأسباب بغرض الوصول لفهم واضح ونتيجة تعي المتغيرات حوله. اما المحلل السياسي فيعرف بأنه: ذلك الشخص الذي يقوم بتحليل القضايا السياسية سواء الوطنية منها أو الإقليمية أو الدولية,”ــــــــــــــــــــفن التحليل السياسي بشكل عام لا يختلف من حيث المبدأ النظري عن أي علم تحليلي آخر, فكما يقوم الطبيب بتحليل المرض وذلك من خلال التشخيص وسؤال المريض عما يشكو منه من أعراض جانبية ثم يقوم بفحصه بمختلف الوسائل التقليدية والتكنولوجية الحديثة المتوفرة, ومن ثم يختار الدواء المناسب أو ربما القريب لذلك المرض في محاولة منه لتخفيف الألم أو تسكينه, وكذلك المحلل الاقتصادي الذي يدرس حالة السوق الداخلي أو الدولي وإشكاليات الظواهر الاقتصادية التي وفرت الأسباب لارتفاع الأسعار أو انخفاضها وخلافه, او أي قضية اقتصادية أخرى, وما هي الأعراض الجانبية الاقتصادية التي يمكن أن تحدث بسبب تلك الظاهرة وتأثيرها على الداخل الإقليمي او الخارج الدولي. كذلك حال المحلل السياسي الناضج الذي يقوم بنفس التشخيص, ولكن بطريقة مهنية خاصة بمجال عمله واختصاصه السياسي وذلك بدراسة القضايا السياسية المعنية وتحليلها عبر طرق ووسائل خاصة.وظهر هذا العلم الأساسي في السياسة الدولية منذ القديم, بحيث إننا لا نستطيع أن نعزوه لجيل ما أو فرد بعينه, ولكن ما نستطيع أن نشير هنا إليه هو إبداعات البعض وإخفاقات الآخرين على مستوى هذا العلم من حيث الأشخاص أو الدول, فهذا الفن على سبيل المثال عرفه الإغريق والرومان وغيرهم من الإمبراطوريات القديمة, كما أبدع فيه عدد من الأشخاص في ذلك العهد كأفلاطون وأرسطو وزرادشت على سبيل المثال لا الحصر, بحيث استطاع أولئك العباقرة في فن التحليل بشكل عام والسياسي بشكل خاص من أن يؤسسوا لهذا الفن مدارسه الخاصة به.أما في العهود المعاصرة الوسطى فقد كان لجان جاك روسو وجون لوك ونيقولو ميكيافللي وغستاف لوبون وغيرهم, وهم من ابرز عمالقة هذا الفن وكان لهم الدور الأساسي والأول في وضع حجر الأساس لهذا العلم في زماننا هذا, كما قامت العديد من دول العالم حديثا بالاهتمام بهذا العلم بشكل خاص لما له من أهمية قصوى وبارزة في خلق وإيجاد وتوفير البيئة المناسبة والسليمة لاتخاذ القرارات السياسية والخطط الاستراتيجية الداخلية أو الخارجية كالولايات المتحدة الاميركية وأوروبا وبعض الدول الآسيوية والعربية, كما أبدع فيه العديد من الأساتذة والعباقرة الذين أسسوا ووضعوا القواعد الأساسية لفن التحليل السياسي بشكله الحديث, ليس من حيث المبدأ، فالمبدأ واحد ولكن من حيث التطوير والتحسين والتقنيات كغراهام والاس والسير الفرد زيمرن وهو احد الآباء المؤسسين لدراسة العلاقات الدولية البريطانية ورودولف ويلدنمان وهو أستاذ العلوم السياسية في مانهايم بألمانيا, والفرنسي اندريه سيغفريد والروسي ليونارد شابيرو الاميركي جون هوبسون وبريجنسكي وغيرهم الكثير.كما عرف المسلمون هذا العلم منذ القديم وأطلقوا عليه اسم "الاجتهاد السياسي" بحيث أصبح هذا الفن أو العلم في حقيقة الأمر من أهم وابرز العلوم الأساسية التي لا بد أن يتعلمها المسلم بشكل عام والسياسي المسلم بشكل خاص, وبرز في هذا العلم العديد من العلماء المسلمين كالإمام الغزالي وابن خلدون والسيوطي والشاطبي وأحمد ابن العباس ابن رشيد ابن حماد ابن فضلان وهو عالم إسلامي من القرن العاشر الميلادي ويعتبره العديد من المؤرخين من أهم وابرز المحللين السياسيين المسلمين في ذلك الوقت وغيرهم الكثير, بحيث إننا نستطيع وبكل فخر أن نقول بأن لعلماء المسلمين في هذا المجال الأثر البالغ في وضع الأسس الأساسية لهذا العلم الذي بات يدرس في كل دول العالم وخصوصا في أوروبا.كما اهتم الإسلام منذ بدايته بهؤلاء الأشخاص اهتماما بالغ - أي بالمحلل السياسي المسلم - بحيث أولاه الأهمية والمكانة اللائقة به ومكنه من البحث والإبداع, ويسرت له معظم الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة كل ما من شأنه توفير البيئة المناسبة له للإبداع والتجرد الفكري السياسي, وكما تفرع حديثا من هذا الفن العديد من الفروع والمجالات السياسية في الدول الغربية, فقد تفرع منه - أي - من علم التحليل السياسي في ديننا الإسلامي وخصوصا في علم الاجتهاد السياسي العديد من العلوم السياسية كان أبرزها "فقه الواقع".على ضوء ذلك اصبح علم التحليل السياسي (من الضروريات في الحياة السياسية المعاصرة, سواء لرجل الدولة الذي مجال عمله السياسة أو المهتمين عامة بالشأن السياسي, أو المفكرين من ذوي الدراية وسعة الأفق بما يؤهلهم لفهم ما يدور في العالم من احداث مختلفة تستحق العناية والبحث والمعالجة, أو المحللين السياسيين عبر الإعلام أو في مراكز الدراسات المعنية, ويعد التحليل بمثابة الوقاية من جهة والتحسب للظواهر السلبية الزاحفة وبيان المخرجات الخاصة بها لتأمين وقاية طوعية تعتمد مفردات تطبيقية واقعية لحصر وتفتيت الأزمة أو الظاهرة موضوع البحث من جهة أخرى).الا انه بالرغم من كثرة المشتغلين والمهتمين بالتحليلات السياسية بمختلف توجهاتها واتجاهاتها وأشكالها القديمة والحديثة, كتحليل الخطابات السياسية والرسائل السياسية, أو الشخصيات وحركات وتحركات القيادات والأنظمة السياسية, أو الأحداث والظواهر والأزمات السياسية, وسواء كان ذلك في نطاق الجغرافيا الوطنية او الإقليمية أو الدولية, وسواء كان ذلك في جانبها النفسي أو الإعلامي أو الاجتماعي, أو غير ذلك, إلا ان قلة قليلة منهم يتقنون هذا الفن من القادة السياسيين والمحللين الأكاديميين والإعلاميين والمهتمين بالتحليل السياسي, وخصوصا تحليل القضايا السياسية الدولية من الناحيتين الواقعية المنظورة, أو التوقعية الاستشرافية والمستقبلية.فما هو ملاحظ على هذا الصعيد وجود خلط واضح وكبير بين التحليل السياسي العلمي والسليم من الناحية المنهجية, وإبداء الآراء أو طرح وجهات النظر أو التصورات الشخصية, ما رفع سقف الكثير من التحديات والعقبات التي تقف في طريق العديد من القرارات والتوجهات والخطط التي يتم بناؤها على التحليل السياسي فجل القرارات السياسية المتخذة حيال العديد من تلك القضايا والأحداث تصدر عن شريحة المقربين من الأنظمة السياسية أو مطابخ القرار السياسي من المستشارين والموظفين العاملين في المؤسسات السياسية أو الأمنية أو الإعلامية الرسمية , وهم في كثير من الأوقات غير متخصصين في مناهج وأدوات التحليل السياسي, بالرغم من ان بعض من تلك المؤسسات الرسمية تمتلك نخبا طيبة من المحللين السياسيين الذين حصلوا على معارفهم تلك من خلال الدراسة الأكاديمية وتراكم المعرفة وتبادل الخبرات.وعلى الرغم من أهمية التحليل السياسي كونه القاعدة الأساسية للتخطيط السياسي السليم أو المدخل الرئيسي لاتخاذ القرار السياسي الناجح والدقيق سواء في جانب بناء المخططات أو القرارات السياسية أو العسكرية أو الأمنية او الإعلامية أو غير ذلك, إلا انه وللأسف الشديد بالرغم من تلك الأهمية البالغة لم ينل حقه وحظه من البحث الأكاديمي العلمي والمنهجي المتعمق, ما اثر من الناحيتين الكمية والكيفية حيال البحوث والدراسات والمراجع المتقدمة أو حتى التأسيسية المتوفرة حول هذا الفن في المكتبة العربية السياسية منها تحديدا.ويعرف التحليل السياسي بأنه استعمال إجراءات منظمة بخصوص موضوع معين للوصول إلى وصف الحالة, وهو عملية إدراك موضوع وتفكيكه لتحديد المؤثرات والأسباب بغرض الوصول لفهم واضح ونتيجة تعي المتغيرات حوله. اما المحلل السياسي فيعرف بأنه: ذلك الشخص الذي يقوم بتحليل القضايا السياسية سواء الوطنية منها أو الإقليمية أو الدولية, والمحلل السياسي هو مفكر سياسي بطريقة ما, لذا يجب ان يمتلك المحلل السياسي فهما سياسيا, ويرتكز التحليل السياسي والمحلل السياسي على 3 ركائز أو عناصر رئيسية ومنها تنطلق أو تتفرع مجمل المقومات التي يجب ان يتحلى بها المحلل السياسي, وتلك الركائز هي: الفهم السياسي والعقل الاستراتيجي والمنهج التحليلي, كما يحتاج المحلل السياسي إلى عدد من المهارات والمقومات والصفات التي يجب ان يتحلى بها, سواء كانت تلك المهارات فطرية متأصلة في نفسه وعقله منذ صغره, كالقدرة على التفكير الاستشرافي وحب الاطلاع والقراءة, أو مهارات مسانده أخرى يمكن تدريبه عليها مع الوقت لعدم امتلاكه لها أصلا كتقنيات التحليل السياسي أو تقنيات الدراسات الاستشرافية والمستقبلية التي يمكن استخدامها في التحليل على سبيل.ويواجه المحلل السياسي عددا من المعوقات والعقبات التي تؤثر بشكل كبير على مصداقية وشفافية وواقعية تحليله للقضايا السياسية والجيوسياسية التي يتناولها, وهو ما ينعكس سلبا على النتائج النهائية التي يفترض ان تخرج دقيقة وحيادية, لتكون اللبنة التي يصنع بناء عليها القرار السياسي او غيره من القرارات المتعلقة بالسياسات والعلاقات الدولية, ومن ابرز تلك المعوقات والعقبات التي تواجه المحلل السياسي, والتي وجدت من وجهة نظري أنها الأكثر العقبات والمعوقات التالية: (1) العاطفة بأشكالها وتوجهاتها كالعاطفة الوطنية أو القومية أو غيرها من أشكال التحيز والانتماءات والأهواء. (2) ضعف المصادر المعلوماتية وعدم مصداقيتها, (3) ضعف الثقافة والتفكير والفهم السياسي للمحلل, (4) الافتقاد للمنهج التحليلي.عليه لا بد من الاهتمام النظري والتدريبي بجانب التحليل السياسي سواء كان ذلك على مستوى متخذ القرار السياسي أو العاملين في مطابخ القرارات السياسية والتي تعتمد على آرائهم وتحليلاتهم قياداتهم السياسية والأمنية والعسكرية قبل اتخاذ القرارات ذات الصلة, تجنبا للوقوع في مخاطر الانجراف بعيدا عن علمية ومنهجية التحليل إلى الاندفاع والعاطفة والشخصنة, وهو ما يمكن ان يؤدي إلى اتخاذ قرارات سيئة وغير سليمة, يمكن لها ونتيجة ذلك ان تدفع متخذ القرار إلى الوقوع في اخطاء فادحة على المستوين الوطني والدولي, كما يجب ان يرتفع سقف اهتمام الافراد المشتغلين بالقضايا السياسية أو الاكاديميين وطلبة الجامعات بعلم التحليل السياسي, وذلك لأهمية هذا العلم في حياتهم العملية وفي مجال تخصصهم الأكاديمي.وان كان من كلمة يمكن ان اوجهها على الصعيد الوطني العماني في هذا السياق, فهي دعوة قديمة متجددة سمعت يوما عنها انها مجرد ترف فكري لا حاجة له مع الأسف الشديد, وهي من وجهة نظري ضرورة حضارية ووطنية لا غنى عنها ابدا, وهي حول اقامة مركز وطني متخصص بالدراسات السياسية والاستراتيجية لما لهذا النوع من المراكز من دور أساسي وريادي في توفير المعلومات والدراسات والمخططات السياسية الأولية والبحوث العلمية المتخصصة, وفهم تفاصيل بقية الجوانب الحياتية الاقتصادية والتنموية, وذلك من منطلق أن العامل السياسي هو المحرك الأساسي لبقية الأنشطة الحياتية وخصوصا في وقتنا الراهن ولما سيكون لذلك المركز من دور بارز ومهم في المستقبل وخصوصا في ظل التغيرات والتحولات السياسية الإقليمية والعالمية الراهنة, والتي تسير بشكل مخيف لا بد من مواجهته بحكمة وجدار صلب من الفهم والمعرفة والنضج السياسي وإدراك المتغيرات العالمية, وخصوصا ان السلطنة تقع اليوم في بيئة متداخلة وشديدة التعقيد من العلاقات والتعاملات والسياسات العابرة للقارات, ولكونها مركز ثقل في العلاقات الدولية والدبلوماسية في المنطقة العربية, وهو امر يحتاج إلى نوع من الوعي المعرفي والمعلوماتي والتحليلات السياسية العلمية الدقيقة التي تساعد متخذ القرار الوطني على مواجهة واحتواء كل تلك التحولات والمتغيرات في الواقع السياسي.بتصرف نقلا عن كتاب غير منشور لي تحت عنوان: مدخل إلى التحليل السياسي الاستراتيجي باستخدام تقنية التحليل المورفولوجي . محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية [email protected] تويتر - MSHD999@