الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

السرطان .. ونداؤنا الوطني!

السرطان .. ونداؤنا الوطني!
الاثنين - 08 يوليو 2024 06:27 م

د. يوسف بن علي الملَّا

40

قَبل عدَّة سنوات، أثناء عملي، كنتُ أعتني برجُلٍ في الستينيَّات من عمره كان يتمتع بصحَّة جيِّدة قَبل تشخيص إصابته بالسرطان. وبعد أن فشلت معه ثلاثة علاجات مختلفة، أخبرته أنا وأخصائي الأورام أنَّ العلاج الرابع قد يوفِّر له بضعة أسابيع أو أشْهُر في أحسَن الأحوال. قال على الفور آنذاك: أعيدوني إلى بيتي وقريتي. أراد أن يشمَّ رائحة حارته، وأن يرى منزل طفولته. وهكذا ـ سبحان الله ـ وصلَ إلى هناك، وماتَ بعدها بأسبوع. ربَّما ـ نستطيع القول ـ إنَّ ذلك المريض (رحمه الله) تُوُفِّي وفقًا لشروطِه الخاصَّة: لقد كان مرتاحًا، وعلى عِلم تامٍّ بتفاقم مرض السرطان، وكان قادرًا على تحديد المكان الَّذي يريد أن يموتَ فيه، ومع من يريد أن يكُونَ!

وفي صورة أخرى، وفي غرفة ما من المستشفى كانت هناك أُمٌّ شابَّة، كانت هي أيضًا تحتضر بسبب السرطان وفي مراحله المتقدِّمة. ومِثل جارها الأكبر سنًّا، خضعت للعديد من العلاجات المختلفة، لكنَّها باءت بالفشل. ومع ذلك، عندما سألتُ طبيب الأورام الخاصَّ بها للاطمئنان على حالتها، أتذكَّر أنَّه أخبرني كيف أنَّه كان يُشجِّعها على البقاء إيجابيَّة، ولقد نجحت في ذلك من خلال علاجات قاسية، وذكر زوجها بأنَّ لدَيْها الكثير لتعيشَ من أجْلِه.

حقيقةً يتمُّ تشخيص إصابة البالغين الأصغر سنًّا بالسرطان في مراحل متقدِّمة، وقد يعانون من أورام أكثر عدوانيَّة من كبار السِّن. ولعلِّي رأيتُ الطُّرق الَّتي يؤثِّر بها عمرهم على كيفيَّة نظر فرقهم الطبيَّة وعائلاتهم إِلَيْهم، والخيارات المتعلقة بالعلاج الَّتي نأمل أن يتَّخذوها، والصَّمت الَّذي يؤلم قلوبنا أحيانًا عَلَيْه بشأن وفاتهم.

ولكَيْ نكُونَ أكثر واقعيَّة، يواجه البالغون الأصغر سنًّا ضغوطًا فريدة من نَوْعها عندما يتمُّ تشخيص إصابتهم بالسرطان: فقد يشعرون بالقلق بشأن ما إذا كانوا سيتمكنون من إنجاب الأطفال أو رؤيَّة أطفالهم يكبرون. بل ويجِبُ عَلَيْهم مواجهة عدم اليقين والحزن المفاجئ أثناء مشاهدة أقرانهم وهم يتقدمون في وظائفهم وعلاقاتهم. وربَّما تكُونُ الجهود الَّتي يبذلها الأطباء للحساسيَّة تجاه هذه الكوكبة من الخسائر من خلال تأخير المحادثات المشحونة عاطفيًّا ـ حسنة النيَّة ـ، ولكن هذه الغريزة تؤذي المرضى الأصغر سنًّا بطريقة مختلفة، من خلال حرمانهم من المعلومات والخيارات المقدَّمة بسهولة أكبر للمرضى الأكبر سنًّا!

هنا طبعًا يعتقد طبيب الأورام الخاص بتلك المريضة بأنَّ جسدها وأعضاءها السليمة يُمكِن أن تتحمل العلاجات السامَّة؛ وجاء السؤال عمَّا إذا كانت قادرة على تحمل الحياة الَّتي كانت تعيشها، ناهيك عن الاستمتاع بها. لا سِيَّما وأنَّ مجرَّد استمرار عمل غالبيَّة أعضائها لا يعني أنَّها تريد المزيد من العلاج، أو أنَّ المزيد من العلاج سيساعدها على عيش الحياة الَّتي تريدها. ومع ذلك، أرادت عائلتها أن تتاحَ لها كُلُّ الفرص الممكنة، على الرغم من أنَّها كانت تكافح للعب مع ابنها، الَّذي كان يراها مريضة أو نائمة في الغالب. وبَيْنَما كنتُ أزور تلك المريضة وزوجها بجانبها، عقَّبت بكلماتٍ خافتة، ـ وهي تشير إلى ذراعيها المصابتين بالكدمات وإلى سلَّة المهملات المملوءة بالقيء ـ إنَّها كانت تتوق إلى التحرر من المستشفيات وأجنحة العلاج الكيميائي، ولم تكُنْ تعرف ما إذا كان مسموحًا لها أن تطلبَ ذلك؟!

بلا شك في بعض الأحيان، تؤدي مشاعر الأطباء المفهومة إلى تأخير هذه المناقشات. بل إنَّني أجزم هنا، كيف أنَّ الأطباء يتجنبون أحيانًا بدء محادثات مؤلمة؛ لأنَّهم يتعاطفون مع مرضاهم ولا يريدون أن يُسببوا لهم الألم أو الأذى، لتكتشفَ أنَّ تكتيك التأخير هذا ـ إن استطعت تسميته ـ ينتهي به الأمْرُ مسببًا المزيد من الضيق على الطريق. وفعليًّا يجبُ أن ندركَ كيف يشعر العديد من الأطباء بإحساسٍ عميق بالذَّنْب والفشل عندما لا يتمكنون من إنقاذ حياة مريض شاب!

ختامًا، الأطبَّاء الَّذين يعتنون بمرضى السرطان الأصغر سنًّا يتجنبون المحادثات الصعبة ولكنَّها ضروريَّة بنفس الوقت، خصوصًا مع الازدياد الملحوظ في السنوات القليلة الماضية لحالات السرطان في سلطنة عُمان. ولعلِّي ومن خلال هذا الصحيفة (الوطن) الموقَّرة، ألتمس من المؤسَّسات المعنيَّة بالسَّلطنة، بما فيها وزارة الصحَّة والمدينة الطبيَّة الجامعيَّة (مدركين الجهود الملموسة في هذا الإطار) إقامة منتدى طبِّي وطني موسَّع ينظر فيه إلى التفاقم السريع لحالات السرطان بسلطنة عمان والبحث فيه وإدراكه، ووضع خطط طبيَّة مستقبليَّة لاستيعابه والحدِّ من زيادة حالاته، بما في ذلك من وعي مُجتمعي مستمر، لا سِيَّما وأنَّ آخر إحصائيَّة للسرطان في سلطنة عُمان لعام٢٠١٩ كانت قد سجّلت ما يزيد عن ألفين وثلاثمئة حالة مُشخَّصة بالسرطان، وجاءت النسبة الأعلى للإناث بـنسبة تتعدَّى الخمسة والخمسين بالمئة، وفق السجل الوطني للسرطان... أمَّا تلك المريضة، فما زالت على سريرها الخاصِّ بالمستشفى، تبحث عن النجوم خارج نافذتها مع ابنها، حتَّى لو لم يروا سوى القليل مِنْها وسط ضباب الأمل بيومٍ جديد!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي