ندرك مسار المناخ الَّذي تغيَّر ويسُودُ العالَم حاليًّا وكيف أنَّ فصول الصَّيف أضحَتْ أكثر صعوبةً بما يكفي لإضعاف الأنشطة الخارجيَّة والَّتي ستحدث أكثر فأكثر مع الوقت. وربَّما سيتعيَّن على الأشخاص الَّذين يأملون في الاستمتاع بالهواء الطَّلق الاختيار بَيْنَ مطاردة امتيازات الطبيعة وتقليل التعرُّض للظواهر البيئيَّة الجديدة.
بطبيعة الحال، خطر ممارسة الرياضة في الأيَّام الحارَّة الحاليَّة يكمن ـ كما يعي الجميع ـ في ضربة الشمس. فعندما ترتفع درجة حرارة الجسم الأساسيَّة، تتسرب السموم من الأمعاء، ممَّا يؤدي إلى حدوث التهاب في جميع أنحاء الجسم، بل ويجهد القلب لتوصيلِ الدَّم. وهكذا أيضًا تتعثر وظائف الكُلى مع انخفاض مستويات السوائل. وهذا ما يبدأ على شكل إنهاك حراري خفيف كالصداع والدوخة، يُمكِن أن يتحولَ بسرعة إلى نوبة خطيرة من التقيُّؤ والهذيان والتشنُّجات والإغماء، وهي علامات على أنَّ الحالة قد تُصبح قاتلة قريبًا! ومع ذلك، فإنَّ مقدرة كُلِّ شخص لتحملَ الحرارة الزائدة تعتمد على عوامل مِثل صحَّته العامَّة، ومستوى جهده، والاحتياطات الَّتي أخذها ضدَّ ارتفاع درجة الحرارة.
ولكَيْ أكُونَ واضحًا، فإنَّه يُمكِن للأجسام البَشَريَّة أيضًا أن تتكيفَ لتحملَ المزيد من الحرارة، غالبًا خلال أيَّام فقط. فعندما يعرِّض النَّاس أنْفُسهم بشكلٍ متكرر لدرجاتِ حرارة أعلى، تزداد كميَّة البلازما في الدَّم، ممَّا يسهل على القلب نقلَ الدَّم إلى الجلد لتبديدِ الحرارة. وهنا تتمُّ إعادة معايرة المستشعرات الَّتي تسبب التعرُّق لجعلِ التبريد أكثر كفاءة. وعَلَيْه، فإنَّ الحِيَل السلوكيَّة للتغلُّب على الحرارة لها حدودها أيضًا! حيث توصي العديد من الأدلَّة الخاصَّة بممارسة الرياضة أثناء موجات الحَر ـ على سبيل المثال ـ بارتداء ملابس جيِّدة التهوية، والتمرين في الظلِّ، والحفاظ على رطوبة الجسم، وجدولة الأنشطة لتجنُّب الساعات الأكثر حرارة في اليوم.
لذلك ومن ناحية أخرى، إذا دفع المناخ غير المضياف ـ إن استطعت القول ـ النَّاس إلى مراجعة خططهم الخارجيَّة، فقد يتخلَّى البعض عن ممارسة التمارين الرياضيَّة تمامًا، الأمْر الَّذي قد يترك بعض الأفراد أقلَّ استعدادًا بشكلٍ عامٍّ لمزيدٍ من الظواهر البيئيَّة الشديدة في المستقبل، خصوصًا إذا ما أدرَكْنا أنَّ الحفاظ على اللياقة هو أمْرٌ أساسي لتجنُّب العديد من الحالات الطبيَّة الَّتي يُمكِن أن تجعلَ موجات الحَر أكثر خطورة. لا سِيَّما وأنَّ التوصيات الطبيَّة للأشخاص الَّذين يعانون من عوامل أمراض القلب والأوعية الدمويَّة هي ممارسة التمارين الرياضيَّة. ولكن ماذا لو رأينا أشخاصًا غير قادرين على القيام بذلك؟!
كيف لا؟ والخروج في الهواء الطلق يُعَدُّ فرصة للنَّاس لقضاءِ بعض الوقت مع الآخرين، واستنشاق الهواء النَّقي المتوافر، وامتصاص فيتامين (د)، وتجربة الطبيعة بطُرقٍ لا يُمكِنهم القيام بها في الداخل. وهو كذلك بالنسبة للأطفال ـ على وَجْه الخصوص ـ، حيث تُعَدُّ الأماكن الخارجيَّة أماكن أساسيَّة للعثور على التجمُّعات والتعرف على مَن حَوْلَهم بشكلٍ وبآخر. فالأشخاص الَّذين يقضون وقتًا أطول في المساحات الخضراء يفكِّرون بشكلٍ أفضل ويعانون من ضغوط أقلَّ، بل ولدَيْهم معدَّلات أقلَّ من القلق والاكتئاب.
ختامًا، إنَّ رغبة الفرد في الركض في الخارج ـ أظنُّها! ـ لم تكُنْ تتعلق أبدًا بحرقِ السّعرات الحراريَّة أو الخطوات. بل يتعلق الأمْرُ بتجربة العالَم بطُرقٍ مختلفة. نحمد الله أنَّ سلطنتنا الحبيبة شاسعة بتضاريسها وتعدُّد مناخها، كقلوب أهْلِها الواسعة المعطاءة، فكُلُّنا محظوظون بذلك. وهنا نأمل أن لا ترتفعَ حرارة الصَّيف بشكلٍ مقلق مع الزمن، فيخشى الفرد ذلك اليوم الَّذي تصبح فيه رحلاته الصيفيَّة المثاليَّة خيالات لا وجود لها إلَّا في رأسه!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي