توفقنا أيها الأحبة الكرام في المرة القادمة عند الفضل العميم الذي أعمه الله تعالى على أمة محمد في تعاليم دينها وخاصة الحج الأكبر، فكما ذكرت الصلاة سابقًا، (لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُواْ فَضلا مِّن رَّبِّكُم فَإِذَا أَفَضتُم مِّن عَرَفَات فَٱذكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلمَشعَرِ ٱلحَرَامِ وَٱذكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم وَإِن كُنتُم مِّن قَبلِهِ لَمِنَ ٱلضَّالِّينَ) (البقرة ـ ١٩٨)، فانظروا إلى هذا الحكم الرباني لهذا الأمة بالهداية دون غيرها، فضلًا عما جاء من فضل عظيم على لسان رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ومنها: ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال:(سمعت رسول الله يقول: من حج، فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، ومنها ما ورد في سنن النسائي عن أبي هريرة أنه قال: أن رسول الله قال:(جهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة)، ومنها ما ورد في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت:(قلت لرسول الله: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل من الجهاد حج مبرور)، أليس في هذا إظهار الحقوق الدامغة والحجج البالغة أن الله تعالى أظهرها الله تعالى لنا في الحج الأكبر. فالحج شأنه عظيم عند الله وفوائد كثيرة عند الناس، ومن أعظم فوائده أن الحاج إذا كان حجه مبرورًا فجزاؤه مغفرة الذنوب والسعادة في الدارين والفوز بالجنة، حقا إنها حجج عظيمة، سادسا: محبة البيت الحرام في قلوب الناس والمثابة إليه التي لا تنتهي: لقد أثبت التاريخ عبر آلاف السنيين أن هذا البيت الحرام هو محل محبة الناس جميعا إلا من أصاب قلبه مرض وسكنه وتملكه فحقد على الحق وأعرض عن الصواب، والدليل على ذلك أنه:(وَإِذ جَعَلنَا ٱلبَيتَ مَثَابَة لِّلنَّاسِ وَأَمنا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبرَاهِـيمَ مُصَلّى وَعَهِدنَا إِلَى إِبرَاهِـيمَ وَإِسمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ) (البقرة ـ ١٢٥)، يقول الطبري في تفسيره جامع البيان (2/ 26):(معنى قوله:(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس): وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا. يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه)، فالرغبة في الزيارة زائدة لكل من زار ومن لم يزر بعد، فقد يبكي البعض شوقا في الزيارة بمجرد أن يلقى على مسامعه ذكر الحج، وفعله هذا يدل على شدة الرغبة وقوتها في الحج مهما تكررت الزيارة، رغبة في رحمة الله وإحسانه له والأجر العظيم، ترى هذا في كل مسلم سكن المشرق أو المغرب ومن كل مكان، يريد وجه الله والدار الآخرة، ولا يقل هذا الشوق عند من زار بل قد تجده أشد شوقًا، وهي حجة قوية من أقوى الحجج على صدق هذا الدين وثبات أهله، وأنه هو المنقذ للبشرية اليوم في وقت باتت تهاجم العقول أسود الضلال والتيه وتنشها بلا هوادة، إننا ندعوا البشرية أن تعود إلى عقلها وتعقلها، بدلًا من الطيش الذي إن تمادوا فيه هلكوا وأهلكوا، فالحج هو توطين للعقول على الاستقامة والرجوع إلى مقدار البشرية المحدود، أما يكفيهم وهم يروا رأي العين وقتما تتجلى بين ضيوف الرحمن المساواة التي يمتاز بها الإِسلام، لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، ولا رئيس ولا مرؤوس، ولا كبير ولا صغير الكل في صعيد واحد تجردوا من كل ألقاب الدنيا وزينتها، متجردين عن كل متاع الحياة وزخارفها، أليست منافع كثيرة وفوائد جليلة للفرد والمجتمع والأمة؟!.. وللحديث تتمة.
محمود عدلي الشريف