محمود عدلي الشريف
أيها الإخوة: إن في هرولة ضيوف الرحمن في سعيهم بين الصفا والمروة ـ وهذا ما توقفنا عنده في المرة السابقة ـ شكرًا لنعمة خالقهم على رحمته بهم وبأولادهم، ولو تذكرنا سيدنا إبراهيم عندما رزقه الله تعالى بولده سيدنا إسماعيل من زوجته السيدة هاجر، وقد كان يسكن بيت المقدس، فلما لحقت زوجته السيدة سارة غيرة النساء فلم يكن الله تعالى قد أذن لها أن تنجب ولدًا بعد، وكان الحل لتلك أن أمر الله تعالى رسوله إبراهيم (عليه السلام) أن يصحب إسماعيل وأمه إلى مكان آخر بعيدًا عن سارة حفاظًا على مشاعرها، فسار بزوجته هاجر وولده إسماعيل حتى وصل واد مكة والذي عمرها الله بدعوة خليله إبراهيم (عليه السلام)، (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم ـ ٣٧)، وتركهم بأمر ربه ولما نفذ الماء أخذت تهرول الأم الرؤوم على الصفا مرة وعلى المروة مرة حتى كان لها سبعة أشواط بعد تفجر ماء زمزم من تحت أقدام الرضيع إسماعيل (عليه السلام)، وما يقوم به الحجاج من تقليد لها هو بمثابة شكر لله على أن أمن لنا حياة أولادنا ورزقنا إياهم فله الحمد.
رابعًا ـ إظهار قوة المسلمين: نعلم جميعًا أن أعداء هذه الأمة يحاولون باستماتة إلى تفريقها وليس تفريقها بل تمزيقها، وقد يوافقني القارئ الكريم على ذلك، ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يظهر لأعداء دينه اتحاد أمة محمد مهما لحق بهم من تشرذم وتفرق ونزاع، فكان الحج أقوى الحجج على ذلك فترى فالمسلمين من شتى بقاع الأرض وهو يلبون ويطوفون ويسعون وعلى عرفة يقفون على قلب رجل واحد، خاضعين متذللين لخالقهم مجتهدين مجاهدين، فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال:(أن رسول الله سئل أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)، أليس في هذا برهان قاطع على قوتهم ووحدتهم واتحاد كلمتهم فكما اتحدوا على الطاعة راجين من ربهم رحمتهم ومغفرة ذنوبهم، ففي سنن الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:(تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)، فإن هذا أيضًا إظهار لقوتهم سواء اتفقوا على ذلك وانتبهوا إليه أم لا، وهذا ما يخسئ أعدائهم إذا أطلوا، ويخسرهم إذا نافسوا، ويحسر أبصارهم إذا تابعوا النظرة تلو الأخرى، فالأمة واحدة أمام العالم حتى وإن تفرقوا فيما بينهم.
خامسًا ـ محبة الله تعالى لأمة محمد ورضاه عنهم: من المعلوم أن الله تبارك وتعالى يضاعف الأجر لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهذا الفضل الجزيل من الله تعالى لهذه الأمة في كل أمورها، فمثلًا في الصلاة (ورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم: فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى آتِيَ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: مَاذَا افْتَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ عَنِّي شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي) (صحيح البخاري، برقم: 7517)، وكذلك في الحج حجة على النحلة التي تدعي أنها لها مكانة خاصة عند الله تعالى، بل إن منهم من يزعم أنهم شعب الله المختار، وكذبوا فتعالوا لتروا ما الذي أعطانا الله تعالى في الحج ناهيكم عن باقي الفضل في الفرائض.. وللحديث بقية.