الأربعاء 28 فبراير 2024 م - 18 شعبان 1445 هـ
أخبار عاجلة

النصر الخفي «3»

الثلاثاء - 09 يناير 2024 07:47 م

إخواني الكرام.. أرحب بكم ونحن في آخر لفتة إلى النصر الخفي الذي قد يدركه البعض وقد لا يدركونه، فإذا خلصت النية، وتوافرت الشروط كان النصر وإلا فالخلل في بعض الأمور يعكس الهزيمة على القلوب، وعلى الرغم أنها إذا كانت في ظاهرها هزيمة فإن هناك ـ كما ذكرت سابقًا ـ نصر خفي بل ومؤزر إذا ما تأمل المسلمون ذلك، وعلى سبيل المثال في صلح الحديبية كان هذا بين الظلم للمسلمين، فانظروا ماذا ترتب عليه من النصر، بعد أن شعر المسلمون أن الدنيا الواسعة أصبحت تضيق عليهم جدًّا ولا تسمح لأحدهم بالفرار، بل لا يجد مفرا ولم يثبتوا، فهذا أبو قتادة الخزرجي يلقي عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ فقال له في ذهول: ما بال الناس؟! فلم يجد عمر ردًّا إلا أن قال: أمر الله. فاللهُ تعالى لا يُعطي الصبر ولا يهب الثبات إلا لمن ارتبطت قلوبهم به حق الارتباط، مع النية الخالصة، وسلامة القلب، وإخلاص العمل، إذن فالموقف يوم حُنَيْن كان مذهلًا حقًّا ولن يكون هناك نصر خفي جاءهم من هذا الموقف بل إنه أعمق وأقوى أكبر درس تعلمه الصحابة أجمعين في تاريخهم، فهو درس لم ينساه أحد منهم أبدًا، الأمر الذي يظهر لنا النصر الخفي بعد ذلك في انتفاعهم بهذا الدرس لسنوات طويلة بعد ذلك، في الحروب الكثيرة التي دارت بينهم وبين دولتين عظيمتين كالفرس والروم.. وغيرهما، فلم يرد أن فرَّ مسلم من المسلمين الذين شهدوا حُنَيْنًا بعد ذلك أبدًا أبدًا، فقد تأكد الجميع وأيقنوا وفهموا جيدًا أنه لا يوجد نصر بكثرة عدد، ولا بزيادة العدة والعتاد، وإنما بنصر الله وحده، فهذا مثلًا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي كان مذهولاً مما حدث ذلك اليوم، ولا يدري ماذا الذي حدث للمسلمين وقتها، علما بأنه ـ رضي الله عنه ـ كان ممن ثبتوا ولم يتراجع قدر أنملة، إذ به يدرك على الفور أسباب الفرار، وعوامل الهزيمة، ليحتفظ بهذا الدرس العظيم، ويرجع بالفائدة بعد سنوات وسنوات من غزوة حُنَيْن فيرسل ـ رضي الله عنه ـ إلى جنوده في بلاد فارس، رسالة يبين لهم فيها ويشرح عوامل الثبات وأسباب الانتصار بناها على ما حدث يوم حُنَيْن، وكلنا يتذكر تلك الرسالة المشهورة التي قال فيها: إنكم لا تُنصرون على عدوِّكم بقوة العدة والعتاد، إنما تنصرون عليه بطاعتكم لربكم ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية، كانت لهم الغلبة عليكم بقوة العدة والعتاد. فمن قدر الله له أن ينهزم اليوم فإنه سينتصر بعد ذلك لا محالة، طالما يعمل بمقومات النصر التي قررها الإسلام، وأخلاق المسلم لا تتبدل ولا تتغير، وما أدل على ذلك من وصف المقوقس عظيم مصر:(عندما بعث رسلًا من عنده إلى لاستطلاع جيش عمرو بن العاص، فلما وصلوا إلى عمرو، أبقاهم عمرو عنده يومين وليلتين، حتى اطلعوا خلال هذه المدة على حياة الجند الذين تربوا على أخلاق الإسلام، فكانوا الأقدر لفتح مصر، فلما رجعوا إلى المقوقس، إذا بالمقوقس يسألهم: كيف رأيتم أولئك الناس؟ قالوا: رأينا قومًا الموت أحبّ إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشعون في صلاتهم، فقال المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد) (فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص: 61). ومن هنا أقول إن النصر مع النصر ومع الهزيمة أيضا، نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل وقت وحين.

محمود عدلي الشريف

 [email protected]