الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الثرثرة تئد السعادة فـي المقبرة

الثرثرة تئد السعادة فـي المقبرة
الأحد - 02 يونيو 2024 05:41 م

نجوى عبداللطيف جناحي

10


يا بُنيَّ.. ما زلتُ أذكرُ كم كنتَ تحلم بحياةٍ زوجية سعيدة، كم كنتَ تحلم بجلسات الصفاء مع زوجتك فتسترخي معها على كرسي على البحر تتأملان غروب الشمس وانغمار أشعَّتها شيئًا فشيئًا في ماء البحر، وتحلم برحلات مرحٍ شبابية معها إلى إحدى حدائق الألعاب الكبرى، وأن تتشاركا في طبخِ وجبة لذيذةٍ في مطبخ بيتكما الصغير، فيَسخر كُلٌّ مِنْكما من أخطاء الآخر ليفوحَ المطبخ بضحكاتكما السعيدة الجميلة، أو أن تعملا معًا في تنسيق حديقة منزلِكما الصغير. تلك الأحلام الوردية ستكُونُ حقيقة في يومٍ ما بلا شك، وستعيش لحظات السعادة الزوجية برفقة شريكة حياتِك التي طالَما تمنَّينا أن يجمعَكما سقف واحد.

لكن ثِقْ يا بُنيَّ أنَّ الحياة لا تخلو من تجرُّع كؤوسٍ من العلْقَم، فلن تخلوَ حياتك الزوجية من الخلافات والصراعات، وستُصدم باكتشافك لصفاتٍ تجدُها في شريكة حياتك لم تكنْ تتوقعها، وسيُكسر قلبُك عندما تَعْلَم أنَّ هذه الصفات يشقُّ عليك أن تتعايشَ أنتَ معها، ويشقُّ عليها هي أن تغيِّرَها، فلا تجزع يا بُنيَّ فتلك سُنَّة الحياة هي خليط من الآلام والأفراح، والسعادة والأحزان، هي خليط من آمال تتحقق وآمال تخيب فتحفظ في خزانة المستحيلات. فالسعادة معادلة معقَّدة، ولكنَّ مفتاح حلِّها في قلبِك أنتَ، في قدرتِك على تقبُّل المفاجآت والصَّدمات، في قدرتِك على تجاهلِ الأخطاء والمواقف التي لا تتقبَّلها، وفي مرونتِك وتبسيطِك للأمورِ فلا تضخِّمْها فتُحِل الحبَّة الصغيرة في طرفة عَيْنٍ إلى قبَّة ضخمة، وفي قدرتِك على حلِّ المشاكل في بدايتها، فلا تدعْها تكبر فتكُنْ ككرةِ الثلج التي كُلَّما تدحرجت على الطَّرقات المغطاة بالثلج كبرت وتضخَّمت فتعجز عن مواجهتها والسيطرة عليها فتتفتَّت أنتَ على سطحها بدلًا من أن تفتتَها أنتَ وهي صغيره هشَّة.

وسط هذه الصدمات التي قد تواجهها في حياتك الزوجية، وسط زوابع الخلاف والاختلاف، وسط مشاعر الغضب والنقمة وربَّما الكُره التي حلَّت محلَّ مشاعر الحُب والأشواق والسعادة، تحتاج هنا إلى أُذن تسمعك، تحتاج إلى قلبٍ يرقُّ لك، وتحتاج إلى مَن يرشدُك ويقدِّم لك النُّصح والمشورة. فأنتَ هنا أمام قرار صعب جدًّا، وهذا القرار قد يكُونُ هو المفصل في قدرتِك على اجتياز مشاكلك الأُسرية، عليك أن تختارَ شخصًا واحدًا تحكي له همومك الزوجية، فلا تُسمعْ شكواك إلى آذان متعدِّدة، ولا تُسمعْ شكواك إلى أترابِك حديثي التجربة في قيادة الحياة الأُسرية، فهم مثلك يبحثون عن أيادٍ تنتشلهم من همومهم، بل اخترْ آذان حكيمٍ يعرف أن يضعَ الأمور في مكانها. آذان ذا المروءة الذي لا يخذلك، فبشار ابن برد يقول:

لا بد من شكوى إلى ذي مروءة

يواسيك أو يسليك أو يتوجع

فاجعل شكواك لحكيمٍ ذي مروءة من أهلك وأقاربك فهو أحرص على حفظِ سرِّك، وأصْدَق في النصيحة والمشورة، وإن أردتَ أن تأخذَ المشورة ممَّن يقدِّم المشورة بمقابلٍ مادِّي، فخُذِ المشورة بحذرٍ؛ لأنَّ غاية بعضهم الربح وطموحهم الحصول على المزيد من أصحاب المشاكل الأُسرية ليحققوا المزيد من الأرباح. واحذرْ من الإكثار من الشكوى، فعندما تشكو فأنتَ تحاول أن تثبتَ للسَّامع بأنَّك الطرف المظلوم، وحذارِ من الإكثار من الشكوى فقد تُدمنُها؛ لأنَّك تستلذ بعطف السامع واهتمامه، والحذر كُلّ الحذر من أن تجعلَ من مشاكلك الأُسرية بحرًا للثرثرة كَيْ لا تجعلَ سعادتك الأُسرية توأد في مقبرة... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

Najwa.janahi@