الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : تقييم أم تكريم؟

نبض المجتمع : تقييم أم تكريم؟
الأحد - 26 مايو 2024 05:18 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

20


إنَّ القدرة على إيجاد نظام عادل وشفَّاف لقياس أداء الموظف هو من المنطلقات الواقعيَّة التي تُسهم ـ بلا شك ـ في تطوير العمل بشقَّيه الفردي والمؤسَّسي، وتخلق مناخًا إيجابيًّا يُسهم في حلِّ إشكاليَّات العمل وتحسين جودة الخدمات المقدَّمة، وهو الأساس الذي لا بُدَّ منه لمعرفةِ اختلاف قدرات وإمكانات الموظفين في أيِّ مؤسَّسة، سواء كانت خاصَّة أو حكوميَّة، ولكن يجِبُ أن يكُونَ هذا النظام واضحًا للجميع وبعيدًا عن اللوغاريتمات الحسابيَّة التي تجعله معقَّدًا من أساسه، وأن يراعيَ الجوانب الإنسانيَّة والنَّفْسيَّة التي هي الأساس الذي تُبنى عليه منظومة أيِّ عمل التي تُعَدُّ أيضًا ترمومتر تطوُّرها وتقدُّمها.

إنَّ وجود نظام يهدف في الأساس لقياسِ أداء الفرد والمؤسَّسة في القِطاع الحكومي هو في الواقع خطوة جيِّدة بامتياز، يكفي أنَّ الكثير من الموظفين في الأساس كانوا لا يفقهون مهامَّ عملهم ولا يحقِّقون الأهداف التي تتوافق مع تلك المهام. فهنالك أعمال يقوم بها الموظف في أحيان كثيرة لا تَمتُّ لمهامِّ عمله بصِلَة، فجاءت هذه المنظومة لتضبطَ هذا الجانب ولتضعَ يدها على الإشكاليَّة التي يعاني منها كثير من الموظفين، إلَّا تلك الوظائف المعروف برنامج عملها وخطَّتها، وأهدافها مُحدَّدة أيضًا من الأساس كفئة المُعلِّمين مثلًا. فالمهِمَّة والهدف معروفان ولا يحتاج الأمر لكثيرٍ من البحث. فهنالك جدول حصص ينفِّذه المُعلِّم، وهذا بحدِّ ذاته كافٍ، غير الأعمال الأخرى المرتبطة بهذا الجانب، من هنا تُعَدُّ هذه النقطة جانبًا إيجابيًّا جاءت هذه المنظومة لدعمِه وتعميقِه وتحسب لها.

في المقابل نجد أنَّ هذا النظام المرتبط بتقييم الموظفين طبِّق في بعض الشركات، ولكن ليس كنظام تقييم، وإنَّما كنظام حوافز؛ بمعنى أن يقدِّمَ الموظف اقتراحًا أو مشروعًا لتحسينِ بيئة العمل أو يعالجَ إشكاليَّة يعاني منها مجال العمل وغيرها. أمَّا كجانبِ تقييم فهو منفصل تمامًا عن موضوع التعزيز، من هنا يجِبُ الانتباه لهذه النقطة، فهنالك فَرق بين أداء الموظف وبين تكريمه وتعزيزه وترقيته على أعمال متميزة فوق مجال أهدافه. ولتوضيحِ الفكرة بشكلٍ مبسَّط، بما أنَّنا قُلنا إنَّ هذا النظام أوجد مناخًا إيجابيًّا، خصوصًا فيما يتعلق بوجود أهداف ونتائج لدى جميع الموظفين، وكذلك أوجد تنافسًا في مجال الابتكار والتطوير للعمل، فإنَّنا يجِبُ أن نعطيَ أيَّ موظف حقَّه كاملًا في معايير التقييم ولا نخضعه للوغاريتمات حسابيَّة، حتى لو حصل جميع موظفي قِسم معيَّن على مرتبة امتياز إذا كانوا قد حقَّقوا نتائج أهدافهم بفعاليَّة. أمَّا موضوع الحوافز فيجِبُ أن توضعَ له معايير أخرى، فهؤلاء الذين حصلوا جميعهم على مرتبة امتياز يستطيع المسؤول المباشر أن يحدِّدَ مَن الأفضل منهم للتكريمِ دُونَ أن يتمَّ بخسُ الآخرين حقَّهم في الحصول على هذه الرتبة. فالجانب النَّفْسي مُهمٌّ ويجِبُ الالتفات له، فالموظف الذي يحصل على جيِّد جدًّا أو امتياز وهو مستحقٌّ لذلك يكُونُ سعيدًا بهذا التقييم ولو لم يتمَّ تكريمه، ولكن أن يتمَّ تطبيق منحنى رقمي عليه بحيث يحصل على جيِّد مثلًا لأجلِ أن لا يكرَّمَ فهذا انتحار نَفْسي بامتياز.

إنَّ إدراك القائمين على عمل هذه المنظومة لهذا الجانب ـ وهم بلا شك على وعي بذلك ـ سيعمل على تدارك الكثير من الإشكاليَّات في العمل مستقبلًا، وسيحدُّ من عمليَّة الشَّحن النَّفْسي الذي سيُعاني منه الموظفون ـ بطبيعة الحال ـ مع ما سيخلقه من بيئة عمل منفِّرة، فالأمر لا يحتاج فقط إلَّا لنقطةٍ بسيطة تتمحور في إعطاء الموظف حقَّه في التقييم. أمَّا التكريم فذلك جانب آخر يُحدِّده المسؤول المباشر لهذا الموظف وفق معايير يسهل وضعها، وبالتَّالي نخلق بيئة عمل جاذبة ومشجِّعة، وفي نَفْس الوقت يحقِّق الجميع أهدافهم وفق مهامهم الوظيفيَّة دُونَ ظلمٍ لأحَدٍ.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]