الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أنا متخلف لكنني مجتهد

أنا متخلف لكنني مجتهد
الأحد - 12 مايو 2024 04:55 م

نجوى عبداللطيف جناحي

10


اليوم حصلتْ أُختي الصغرى على رخصة قيادة سيارة، وباتَ جميع أهل البيت قادرًا على السياقة، ما عداي لأنَّني مختلف، فهُمْ يقولون إنَّ قدراتي العقلية لا تسمح لي بالسياقة. الفرحة تملؤ البيت لنجاحِ أُختي في امتحان السياقة، ولنجاحِها في امتحانات الثانوية، فأُمِّي تستقبل التهاني من الأهل والجيران، فأراها فخورة مزهوة بها، وغرفة أُختي امتلأت بالهدايا التي استلمَتْها من الأهل والجيران والأصدقاء، وتجمُّعنا الأُسري يعجُّ بالضحك والفرح والتعليقات الجميلة لأُختي.

تلك التجربة الجميلة لم تكُنِ الأولى في أُسْرتنا، فقَبلها عشنا هذا الحدث الجميل، وتلك الأجواء السعيدة لتميُّزِ إخوتي الذين يصغرونني سنًّا، وبقدر ما يكُونُ الأهل سعداء بقدر ما ينكسر قلبي الضعيف. فالجميع يمرُّ بتجربة فرحة النجاح بعد الاجتهاد والتَّعب، أمَّا أنا فأجتهدُ وأتعبُ في حدود ما قسَمَه الله لي من إمكانات لكنَّني لا أستحقُّ فرحة النجاح، لأنَّني متخلِّف عقليًّا. فلا يحتسب لي أيّ إنجاز مهما بذلتُ فيه الجهد ومهما حاولتُ الوصول لنتائجَ يصعب على مِثلي الوصول لها.

نعم، أنا منغولي لكنَّني قادر على استيعاب كُلِّ ما يَدُور حَوْلي، أنا منغولي لكنَّني أجتهدُ لأحققَ نجاحًا، فها أنا أسبق زملائي المنغوليين في المعهد الذي أدرسُ فيه، ولكن لم يحتفِ بي أحَد، كم اجتهدتُ وتحديتُ ضعف قدراتي العقلية، حتى أصبحتُ قادرًا على العمل، فقد قبلتني إحدى الشركات للعملِ بها كحارس أمْنٍ في أحَد المجمَّعات التجارية. أجتهدُ لأثبتَ أنَّني كفؤ لهذا المكان، ولكن لم تحتفِ بي أُسْرتي ولم تفخرْ بي، أحاول أن أقدِّمَ الخدمات للأهلِ والأصدقاء، فعندما يحضر أحَد أقاربي للمجمَّع أجتهدُ لأوفِّرَ له موقف سيارات قريبًا من الباب، وأحمل له مشترياته إلى السيارة، وأوفِّر له عربة نقل الحاجات، وكُلِّي رجاء أن تفخرَ بي أُمِّي بين الأهل، أن يشعرَ الأقارب بأهمِّيتي في هذه الحياة، أن يتحدثَ عنِّي أبي بفخرٍ أمام الأقارب، كم أكونُ سعيدًا عندما تتصل بي أُمِّي وتطلب منِّي أن أوفِّرَ موقف سيارات لإحدى صديقاتها، فيملأ الحماس قلبي والفخر وأقدِّم الخدمات لصديقةِ أُمِّي بكُلِّ ما أتاني الله من طاقة، وأعودُ للمنزلِ وأنا أحلم بكلمات الفخر والاعتزاز من أُمِّي، ولكن كأنَّ شيئًا لم يكُنْ، وكذا حالي مع باقي أفراد أُسْرتي كُلَّما اجتهدتُ لخدمتهم يبخلون عليَّ بكلمات التقدير والاعتزاز، فَهُم يستصغرون إنجازاتي؛ لأنَّهم قادرون على إنجازات أكبر منِّي.

أذكر يوم أن عدتُ إلى المنزل مزهوًّا بدرعٍ فزتُ به لتفوُّقي في مسابقة الجري على باقي زملائي في المعهد الذي كنتُ أتعلَّم فيه، ولكن لم يعبأ به أحَد وضعتُه في الصَّالة على الطاولة وكُلِّي أمَل أن يفتخرَ به أفراد أُسْرتي، أو الزوار، ولكن لم يكترث بإنجازي أحَد.

مفارقة غريبة نعيشها تصنعها أُسْرتي، هُمْ يحتفون بنجاح مَن اجتهدَ من إخوتي في حدود إمكاناتهم وقدراتهم وربَّما في حدود اجتهادهم فقط، ولا يزدرون هذا النجاح؛ لأنَّهم لم يبذلوا الجهد الكافي لتحقيقِ المزيد من النجاح، فَهُم يحتفون بتخرُّج أُختي ويتقبَّلون نجاحها رغم أنَّها لم تحصل على مجموع عالٍ لإهمالها في الدراسة. أمَّا أنا فعندما أجتهدُ وأحققُ نجاحًا في حدود قدراتي التي وهبني الله إيَّاها يُزدَرَى نجاحي، ولا يُقدَّر.

لقد وضع الله لنَا قاعدة أنَّ الأجْرَ على قدر المشقَّة، وأنَّ الله يجزينا على الجهد وليس على النتائج، فالتوفيق بِيَدِ الله. وتلك القاعدة تُطبَّق للأسوياء. أمَّا نحن مَن لم يرزقنا الله جميع القدرات التي يهبها الله لباقِي البَشَر فنخرج من هذه القاعدة، فلا تقديرَ لاجتهادنا، ولكن كُلُّ ما أرجوه من الله إن حرمني من بعض القدرات، أن يرزقَني الصبر على كُلِّ موقف يكسر قَلْبي... ودُمْتُم أبناء قومي سالمين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

Najwa.janahi@