«كان ممكنًا جدًّا للإنسان أن ينامَ إلى الظهر، ويصيدَ ويأكلَ اللحم، ويشربَ جوز الهند، ويجلسَ مع مَن يحبُّهم، متدفئين بحُبٍّ وحميمية داخل الكهف، فهل من الضروري أن ننشئَ حضارات...» منقول بتصرف
وأنا أقرأ كتاب «البَشَر.. موجز تاريخ الفشل، وكيف أفسدنا كلّ شيء» لـ»توم فيليبس»، استعدتُ أحداث التاريخ الكبرى التي روَت لنَا حروب الإنسان وغطرسته وجبروته وقسوته وإفساده لكُلِّ ما هو جميل ومُريح وفيه الخير والصلاح، وصراعاته المدمِّرة وما تسببت فيه من خسائر جسيمة وأهوال عظيمة، وعواقب وخيمة، أهدرت فرصًا لم تعوَّض، ودمَّرت حضارات ورسالات ومُدُنًا وبنى متينة، وإنجازات علمية ومعمارية وفنية وثقافية لا تقدرها الأثمان.. علماء ومبدعون ومفكرون، ومُجتمعات وحكومات رشيدة تنهار في غمضة عين بسبب تخريب وأخطاء وفشل وانحراف وأطماع وأحقاد وشرور الإنسان. قضت الحروب والأسلحة التي تطوَّر وتحدَّث وتزدهر باستمرار، على أنبياء ورسل وعلماء وصحابة وتابعين ومصلحين ومفكرين وفنَّانين وأدباء، وملايين البَشَر يُقضى عليهم في حرب واحدة، فتُلقي بالقِيَم والمُثل الإنسانية في مهبِّ الريح... استعدتُ كتُب التاريخ وعشرات الأعمال الروائية والفنية والدراما التاريخية، والدراسات العلمية التي قرأتُها واطلعتُ عليها، والتي وثَّقت واستعرَضت ما فعلته قريش والأُمم الأخرى بالنَّبي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وبالأنبياء والرُّسل الذين تقدَّموه، وبأتباعهم من تكفير وتكذيب وتعذيب وتسفيه وظُلم مع أنَّهم ما بعثوا إلَّا صلاحًا وخيرًا وهدايةً للإنسان، ما أخَّر رسالة الإسلام لعقودٍ، والصراع بين المهاجرين والأنصار على خلافة الرسول الأعظم، وردَّة العرب الكبرى وما صحبها من حروب ومعارك شرسة، ومقتل عمر بن الخطَّاب، وعثمان من بعده، وحرب الجَمل التي فتكت بمَن تبقَّى من خيرة رجال الإسلام وحفظة القرآن وحاملي رسالة الدِّين، ومقتل علي وأبنائه من بعده الحَسَن والحُسين، وحروب العلويين مع الأمويين والعباسيين، والزبيريين، وما حدَث فيها من مذابح... وحروب الخوارج فيما بينهم ومع الأمويين والزبيريين كذلك... والتي ما زالت مستمرَّة متأججة حتى اليوم في مُعْظم الأقطار العربية ـ الإسلامية ـ للأسف الشديد ـ تأكيدًا وبرهنةً وحجَّة على أخطاء البَشَر وفشلهم وإفساد ما فيه خيرهم، وكأنَّ الجاهلية ما فارقتنا، ومحمد لم يُبعث، وروح الإسلام وعصارة مبادئه لم تتغلغل في عقولنا ونفوسنا. فما هي تقديرات الخسائر وجسامتها التي تكبَّدها الدِّين العظيم والإنسانية على مدى أربعة عشر قرنًا؟ وكم من المغالطات وسوء الفهم والتراكمات والأنقاض البالية والخاطئة التي أطفأنا بها الكثير من حقائق الإسلام ومقاصده العظيمة، بانقساماتنا وانشطاراتنا وتمزقنا وخلافاتنا العميقة والعقيمة وتكفيرنا وحروبنا المدمِّرة على بعضنا البعض؟ وكم أفقدتنا هذه الحروب والصراعات من إنجازات وقيادات علمية وفكرية، وما الذي غنمناه من ذلك العبَث إلَّا تخريب وإفساد حياتنا التي جاء الإسلام لإصلاحها؟ وما أحدَثه المُسلِمون ـ باعتبارهم جزءًا من البَشَر ـ بحقِّ أنْفُسهم وعقيدتهم من كوارث مهولة وأخطاء قاتلة وفشل ذريع وتفويتهم لفرصِ أن يكونوا أُمَّة واحدة، فعلته الأُمم والأعراق والحضارات الأخرى، فلم تكُنْ أفضل حالًا، بل أسوأ وأنكى وأشدُّ تخريبًا وإيلامًا، ويكفي أنَّ حروب الأوروبيين واليابانيين فيما بينهم في القرن المنصرم، واستعمارهم لدوَل وقارَّات، قادت إلى مذابح بَشَرية مروِّعة، وأزهقت عشرات الملايين ودمَّرت المُدُن الأوروبية العريقة وأنهكت البَشَرية وأفسدت حياة الإنسان صحيًّا ونَفْسيًّا وثقافيًّا، وأتَتْ على منجزات حضارية وآثار ومعالم وفنون ثمينة لا يُمكِن تعويضها، وما يحدُث اليوم في غزَّة والسودان، ممَّا تعجز الكلمات ويخجل القلم ويستسلم الإنسان الحُر الضعيف عن فعل التوصيف، من مذابح ومجازر وبشاعة أسقطت من قاموسنا ما نطلق عليه حضارة أو حقًّا أو قِيمًا إنسانية أو نُظمًا ديمقراطية... لقد دمَّر الإنسان البيئة ولوَّث عناصرها وجَمالياتها بغبائه وجبروته وتصرُّفاته المجنونة، وطوَّر الأسلحة الفتَّاكة التي تُحقِّق الرغبة في مضاعفة القتل والتعويق والتخريب... وهدر سعادته وبساطته وراحته وشوَّه الجماليات من حوله، إرضاءً لشهواته وفضوله وأطماعه وانتصارًا واصطفافًا لِمُتعه وغرائزه في التملك والثراء وممارسة الظلم وقهر الآخر والتفوُّق عليه، وتقليد الغني المقتدر، للتَّباهي أمام الناس ببناء منزل فخم وشراء سيارة عالية الأثمان، وإن أغرق أُسرته في مستنقع الديون والضرر الجسيم، والمنافسة على مشروع تجاري في منطقة لا تحتمل قوَّتها الشرائية أكثر من ذلك المشروع القائم، عامدًا الإضرار بنَفْسه وغيره، وابتكار وتطوير الأسلحة المدمِّرة لِيتملكَها نظام سياسي فاسد أو حاكم ديكتاتوري، فيُسهم بهذا العمل الدنيء في قتل آلاف البَشَر وتدمير قرى ومُدُن وشواهد حضارية... والإنسان في تاريخه الطويل لم يكتفِ بترويض الطبيعة وتطويعها لإشباع حاجته الضرورية من الغذاء ومتطلبات حياته الأخرى، بل تجاوز ذلك إلى مضاعفة الإنتاج باستخدام وسائل وأدوات تدمِّر البيئة وتهدر الموارد وتعبَث بالطبيعة للتخزين والتجارة والتملك والإثراء والاستعباد والإغارة والاستعمار، فأدَّت ممارساته إلى التخريب والانتهاك وسيطرة ثلَّة من المُلَّاك الكبار والمستعمِرِين الجشعين على الإقطاعيات والأراضي الزراعية وتجويع وإفقار النسبة العظمى من الناس والإضرار بالبَشَرية، فقد مثَّل بزوغ عصر الزراعة، إلى «تقسيم الثروات بشكلٍ غير عادل» حيث بدأت «النُّخب بالظهور، وهي المجموعات التي تمتلك أشياء أكثر بكثير من الآخرين، وفجر عصر الحروب كما نعرفها، وتسببت التجمُّعات الزراعية في نشْرِ الأوبئة، وغيَّرت الزراعة المناظر الطبيعية والأنواع المزروعة عَبْرَ القارَّات، بينما دمّرت المُدُن والصناعة وميلنا الطبيعي للتخلُّص من أيِّ نفايات لا نريدها في التربة والبحر والهواء البيئة». فبحر آرال على سبيل المثال، وهو «بحيرة كبيرة جدًّا على مساحة تزيد عن (26000) ميل مربَّع، فقدَت أكثر من (80%) من المياه، بعد تحويل مجرى النهرَيْنِ اللذين كانا يتدفَّقان إليه، لزراعةِ القطن في الصحراء، فامتصَّت الرمال (75%) من مياه النهر المحوَّلة قَبل بلوغها المزارع، وارتفعت كثافة الملح في آرال عشرة أمثالها، ممَّا أدَّى لقتلِ الكائنات الحية تقريبًا في البحيرات، وتدمير صناعة الصيد المزدهرة، التي عمل فيها أكثر من (60) ألفَ شخص، وارتفعت نسبة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطان...». فيما تتعمد مافيا شركات الأدوية المتاجرة بصحة وأرواح البَشَر لتقويةِ أنشطتها ومضاعفة أرباحها واستثمار الجوائح والأوبئة والأمراض لرفعِ أسعار الأدوية والغشّ، بل واتهامها بصناعة الفيروسات والميكروبات والأمراض لِتتمكنَ من تسويق وإنتاج المزيد من صناعاتها وتحقيق الثراء الفاحش... وفي عصرنا الحاضر، حيث تعيش البَشَرية ازدهار المُدُن والحياة الحافلة بالحداثة والعصرنة والترفيه والاستجمام والصَّخب الغارق في اللَّهو والبذخ والترَف والتفاهة... يعيش في المقابل، مئات الملايين محرومين، في هذه المُدُن من الحياة الكريمة والعيش الهني، من التعليم والدواء والسكن الملائم... لا يجدون أبسط عناصر الراحة، يقيمون في أكوام من القمامة وبيوت من الصفيح والأكواخ في الهامش، أُسر ممزَّقة، ربُّ الأُسرة والأُم كُلُّ واحد منهم يعمل في بقعة من بقاع الأرض لا يكادون يلتقون، والأطفال يجوبون الشوارع يحيطهم الخطر من كُلِّ زاوية، فيهم مَن يشقى ويكدُّ ليلًا ونهارًا للحصولِ على أجرٍ لا يكاد يشبع حاجة أُسرته، ومَن يبيع جسَدَه وأعضاءه وتُمتهن كرامته من أجْلِ الحصول على الفتات، ومَن يحاول الهجرة من أجْلِ الحصول على عمل يشعره بإنسانيته فيلقى حتفه في أمواج البحار والمحيطات، ونِسَب الفقر والمرض والجوع وحجم التفاوت بين الأغنياء والفقراء... ترتفع بشكلٍ مخزٍ ومريع، فيما النسبة الصغيرة من الناس يسبحون في بحار من الثروة، ويلقون ببقايا موائدهم وأطباقهم الدسمة والفاخرة التي تحتوي على كُلِّ ما لذَّ وطاب ـ والتي يمكن أن تشبع بطون الملايين من الفقراء ـ في عبوات القمامة، ويستحوذون ويسيطرون على الملكيات الضخمة من قصور ومزارع وأراضٍ بور ومراكز ومجمَّعات سكنية وسياحية وفنادق وأسواق وشركات عابرة للقارَّات، وينعمون بكُلِّ ما تنتجه هذه الحضارة الحديثة، التي وكأنَّها ما وُجِدت إلَّا لخدمة ورخاء النسبة القليلة من البَشَرية، والسواد الأعظم هم المستعبدون المكبَّلون بسلاسل الفقر والجهل والتخلُّف، ومحكومون بسُلطة ونفوذ وقوَّة حفنة من الأثرياء والأغنياء... فأيُّ حضارة هذه التي نعيشها ونتغنى بمنجزاتها وهذا صنيعها في الإنسان؟ «يتبع».
سعود بن علي الحارثي