الاثنين 02 نوفمبر 2026 م - 22 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : منصات التواصل الاجتماعي حرب ناعمة على التعايش الفكري مع الآخر المختلف

في العمق : منصات التواصل الاجتماعي حرب ناعمة على التعايش الفكري مع الآخر المختلف
الاثنين - 02 نوفمبر 2026 02:54 م

د.رجب بن علي العويسي

10

رغم أن منصات التواصل الاجتماعي تمثل تحولًا نوعيًّا في إنتاج المعرفة وتقريب العالم، وفتحت فضاءات واسعة للتواصل والتفاعل وتبادل الخبرات والتجارب، فإن سوء استغلالها والانحراف في مسارات الحوار وما تولد عنه من تنمر فكري، واستهانة بالقيم والأوطان، وسب وشتم ونشر للكلمات البذيئة، وتعرية للمنظومة الأخلاقية، بات يمثل اليوم خطرًا فكريًّا على بناء الإنسان واستقرار الأوطان، خصوصًا عندما تتحول هذه المنصات من مساحة للتعارف والتقارب إلى ساحة للصراع الفكري والتراشق اللفظي ومصادرة الرأي الآخر.

فالصورة التي تقدمها بعض منصات التواصل الاجتماعي عن الآخر المختلف في الرأي والفكر، وما يصاحبها من دخول الحسابات الوهمية، والتجييش الإلكتروني، والمحتويات المحرضة، والتوجهات الأيديولوجية والمذهبية والمناطقية، باتت تعكس في كثير من الأحيان حالة من السقوط في أخلاقيات الحوار، وتراكم الأفكار العدائية والصور النمطية التي تمزق الوفاق وتضعف مساحات الحوار المشترك. وهنا تكمن خطورة هذه المنصات حين تتحول إلى حرب بالوكالة، تستنزف وعي الشعوب، وترهق مسامعها بقضايا وأحداث ومساحات من العراك والتنابز والسباب والقذف وشخصنة الأحداث، حتى تصبح أداة لهدم ما تبنيه المجتمعات من قيم التعايش والتفاهم والتكامل.

إن التعايش الفكري مع الآخر المختلف لا يعني الاتفاق معه في كل ما يطرح، ولا يعني التخلي عن الخصوصية الفكرية والثقافية، بل يعني القدرة على إدارة الاختلاف بالحكمة، واحترام الإنسان في اختلافه، والاحتكام إلى الحوار والمنطق والموضوعية، بعيدًا عن الإقصاء والتشويه والتخوين ومصادرة الحق في التعبير. ومن هنا، فإن ما يثير القلق هو أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة لتغذي الفردانية وسلطوية الرأي، وتكريس لغة الأمر الواقع، وتجعل من الاختلاف ذريعة للعداء، ومن الحوار وسيلة للانتصار على الآخر بدلًا من أن يكون وسيلة لفهمه.

ومع ذلك، فإن منصات التواصل الاجتماعي في أصل نشأتها لم تكن إلا امتدادًا للتطور التقني الذي يشهده العالم المعاصر، وقد أسهمت بصورة كبيرة في نشر المعرفة وشيوعها، وتوليد المعارف النوعية والوصول بها إلى أعداد واسعة من المستخدمين، نظرًا لما تتميز به من سرعة الانتشار وسهولة التفاعل. كما أدى الحراك المتبادل بين مستخدميها إلى توليد معارف جديدة، وخلق مساحة واسعة للتفاعل المعرفي والتعايش الفكري بين البشر، وعزز تداول المعرفة ومنع احتكارها، وأعطى الجميع مساحة للمشاركة في إنتاجها بما يتوافق مع هوياتهم وفلسفاتهم وتجاربهم الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

لقد شكلت هذه المنصات، في تقديرنا، تحولًا كبيرًا في المعرفة الإنسانية، وأعطت الشعوب فرصة للتنافس وإثبات حضورها في العالم الافتراضي الواسع، كما فتحت المجال أمام التعرف على حضارات الشعوب وثقافاتها، وتبادل الخبرات والتجارب، وتلاقح الأفكار، وخلق روح التجديد والتحول في الفكر الإنساني المعاصر، ونقل العالم من حالة الجمود إلى الديناميكية، ومن الاحتكار إلى الاتساع، ومن الفردية إلى الجمعية، وأسهمت في تعزيز اقتصاد المعرفة والتقنيات الحديثة، وتوفير فرص جديدة أمام شعوب العالم.

وبالتالي، فإن وجه الخيرية في هذه المنصات موجود، وفرص الاعتدال في مسارها ممكنة، غير أن التأثير والتأثر يظلان مرتبطين بطبيعة المستخدم، والغايات التي يسعى إليها، والحكمة التي تحكم استخدامه لهذه المساحات. وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية الإنسان في أن يجعل من التقنية وسيلة للبناء لا للهدم، وللتقارب لا للتنافر، ولإنتاج المعرفة لا لإنتاج الكراهية، ولتعزيز التعايش لا لتكريس الصراع. فلقد تحولت بعض المساحات الرقمية إلى ساحات للنزال والنزاع والعراك والسب والشتم، واتسعت فيها ظاهرة التنمر السياسي والتعصب الفكري ومصادرة الرأي الآخر، وتكريس لغة الأنانية وسلطوية التفكير، واستخدام المنصة وسيلة للتشفي من الآخر أو إلحاق الضرر به، دون إمعان النظر في قيمة الكلمة أو هوية المعلومة أو مصداقيتها أو وزن مضمونها.

كما أن الأسماء الوهمية والحسابات غير المعلنة أوجدت في بعض الحالات مساحة للهروب من المسؤولية الأخلاقية، فأصبح البعض يمارس الهجوم على الآراء المخالفة والطعن في أخلاق أصحابها، وتعمد إثارة الرأي العام، دون اعتبار لقيمة الكلمة ومشاعر الآخرين، حتى تجاوز الأمر حدود الاختلاف الطبيعي إلى سلوكيات تبتعد عن الحكمة والمروءة والأخلاق وآداب الحوار.

والمشكلة هنا لا تقف عند حدود الإساءة الفردية، بل تمتد إلى تأثيراتها في المجتمع، وبخاصة فئة الشباب التي تعد من أكثر الفئات حضورًا وتفاعلًا في هذه المنصات. فعندما يجد الشباب أنفسهم أمام محتويات تقوم على الاستقطاب والتجييش والتعصب، فإنهم قد يصبحون عرضة للتأثر بالأفكار التحريضية التي تغذي الانقسام وتضعف القدرة على الاستماع إلى الآخر وفهمه. ومن هنا يصبح الوعي الرقمي ضرورة، كما أن وجود ميثاق أخلاقي يحافظ على كرامة الإنسان وحقوق الأوطان في هذه المنصات ضرورة للوصول إلى استقرار فكري يجعل من هذه المنصات محطة للتعايش والحوار والتسامح الإنساني في مواجهة الإرهاب الفكري والتحريض المذهبي والأيديولوجيات السقيمة، وعندها تصبح التقنية صديقة للإنسان والأخلاق والقيم، بل تتجسد في ظلها روح الأخلاق وتصبح أداة مهمة للتسويق القيمي والأخلاقي والمشتركات الإنسانية خارج حدود الزمان والمكان.

لقد كان المرجو في هذه المنصات أن تحلق بالعالم في فضاءات مفتوحة لتقوية التواصل والتكامل والتعارف، وأن توفر فرصًا أكبر لقراءة الأحداث والتفكير في المشتركات، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وإنتاج الحلول وتوفير البدائل المبتكرة. إلا أن توجيهها في غير أهدافها جعلها، في بعض صور استخدامها، منغصًا على الأمن الفكري، ومصدرًا للشائعات والافتراءات والتهويل وانتهاك الخصوصيات، ومنصة لترويج الأخبار السلبية والأفكار العدائية التي تؤصل لثقافة الكراهية والسخط والتجييش والأحكام العشوائية.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في وجود منصات التواصل الاجتماعي، بل في قدرة هذا العالم إلى إعادتها إلى حوزة الأخلاق والقيم والمشتركات والتعايش الفكري والتصالح مع الذات والآخر، وإنما في الطريقة التي ندير بها حضورنا فيها، وفي قدرتنا على صناعة توازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق في التعبير وواجب احترام الآخر. فالتعايش الفكري يحتاج إلى بيئة تحترم التنوع، وتؤمن بأن اختلاف الرأي سنة من سنن الحياة، وأن قوة المجتمع لا تقاس بقدرته على إسكات المختلف، وإنما بقدرته على إدارة الاختلاف وتحويله إلى فرصة للتكامل وإنتاج الأفكار والحلول.

ومن هنا، فإن سلاح الوعي الرقمي يصبح أكثر أهمية في مواجهة الفوضى الفكرية التي قد تعيشها هذه المنصات، بما يضمن امتلاك القدرة على قراءة المحتوى، وفهم أهدافه، والتحقق من مصادره، وعدم الانجرار وراء الاستفزاز والتجييش، وعدم تحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية. كما أن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية والمجتمعية والتشريعية تتعاظم في بناء جيل يمتلك أدوات التفكير النقدي، ويحسن استخدام هذه المنصات، ويعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن حرية الرأي تقف عند حدود القيم والأخلاق باعتبارها خطًّا أحمر، يؤدي تجاوزه إلى كارثة إنسانية عنوانها السقوط الأخلاقي، وأن الاختلاف لا يبرر الكراهية ولا يفسد للود قضية.

ومن هنا كان لهذا المسار الذي اتجهت إليه بعض المنصات الاجتماعية أن يكون محطة للتأمل والتقاط الأنفاس والوقوف على حيثياته، وإعادة النظر في الضوابط والممارسات التي تحمي الإنسان والمجتمع من الانصهار في سيل من المحتويات التي تضعف الفضيلة وتسقط القيم والمبادئ. وبالتالي، فالدعوة اليوم من أجل زوال هذا الخطر ليست إلى إغلاق المنصات الرقمية، بقدر ما هي دعوة إلى إعادة توجيهها، وتقنينها وضبطها وتنظيمها أخلاقيًّا وفكريًّا، بما يضمن استمرار التعايش والحوار والتسامح والتكامل.

ولمَّا كانت التقنية والمنصات الرقمية تفرض حضورها على مختلف الكيانات البشرية، حتى أصبحت تدخل في عمق الأمزجة الإنسانية، وتشكيل الوعي الجمعي والاتجاهات وبناء شخصية الأفراد والمجتمعات، وتؤثر في صياغة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والفكري؛ فإن ترك هذه المساحات دون وعي أو ضبطية أو مسؤولية يجعلها بيئة خصبة لنمو الأفكار العدائية والاستقطابات والانقسامات. لذلك كانت الحاجة إلى بناء ميثاق أخلاقي عالمي مشترك للمنصات الرقمية ضرورة إنسانية وأخلاقية، لضمان المحافظة على القيم الحضارية والمشتركات الإنسانية واحترام الآخر المختلف، حتى لا تتحول هذه المنصات إلى حرب ناعمة، وخطر على التعايش الفكري مع الآخر المختلف، بل جسور ممتدة للتواصل، ومساحة متفاعلة للتكامل، وأداة لصون القيم، وبناء الأوطان، واحترام إنسانية الإنسان.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]