الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 م - 23 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

زيارة جلالة السلطان إلى الصين.. استحضار التاريخ واستشراف المستقبل

زيارة جلالة السلطان إلى الصين.. استحضار التاريخ واستشراف المستقبل
الاثنين - 02 نوفمبر 2026 02:55 م

خميس بن عبيد القطيطي

20

الزيارة الرسمية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهورية الصين الشعبية، تلبيةً لدعوة فخامة الرئيس الصيني شي جين بينج، تأتي هذه الزيارة في مرحلة تشهد فيها العلاقات الدولية تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، تتقدم فيها الصين بصفتها أبرز مراكز الثقل في النظام الاقتصادي العالمي، وتكتسب فيها المنطقة العربية أهمية متزايدة باعتبارها نقطة التقاء بين طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية الدولية. وتعد زيارة جلالة السلطان هيثم هي الأولى لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لتمثل محطة مهمة في مسيرة العلاقات الثنائية، وفرصة لفتح آفاق جديدة للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين الصديقين.

العلاقات العُمانية ـ الصينية تستحضر عمق العلاقات التاريخية والحضارية بين البلدين الصديقين، والتي تعود إلى قرون بعيدة، حين كانت السفن العُمانية تجوب البحار والمحيطات لتصل إلى الموانئ الصينية حاملة البضائع التجارية، بل كانت تحمل معها تجربة ثقافية إنسانية ربطت الحضارة العربية مع مشرق القارة الآسيوية، حيث بلاد الصين وما جاورها في صورة مبكرة من صور التواصل بين الصين والجانب العربي نقلتها عُمان عبر ملاحيها وتجارها إلى الصين. فقد احتلت عُمان بحكم موقعها الجغرافي وإطلالتها الاستراتيجية على بحر العرب والمحيط الهندي وفي مراحل تاريخية كانت عُمان إمبراطورية ممتدة بين جناحيها الآسيوي والإفريقي لتشكل مكانة مهمة في حركة الملاحة والتجارة الدولية، وكانت موانئها محطات رئيسة على امتداد طرق التجارة القديمة، بما فيها طريق الحرير البحري الذي ربط موانئ الجزيرة العربية مع الهند والشرق الآسيوي. ولعل أبرز الشواهد التاريخية التي تستحق التوقف عندها رحلة الملاح العُماني أبو عبيدة عبد الله بن القاسم، الذي انطلق من ميناء صحار ووصل إلى مدينة كانتون الصينية في القرن الثامن الميلادي عام (750)م وفق الرواية التاريخية التي تستند إليها المصادر الصينية. وهي رحلة تعكس ما بلغه العُمانيون في ذلك الزمن من خبرة ملاحية ومعرفة بطرق التجارة البحرية، وقدرة على التواصل مع الحضارات البعيدة. لذا لم يكن استحضار الرئيس الصيني شي جين بينج لهذه الرحلة خلال سياق كلمته في القمة الخليجية ـ الصينية الأولى عام (2022)م مجرد إشارة تاريخية عابرة، بل حمل دلالة على تقدير الصين لهذا الإرث الحضاري المشترك، وعلى إدراك عميق أن العلاقات بين الجانبين تستند إلى جذور أقدم بكثير من العلاقات الدبلوماسية الحديثة. وعلى الجانب العُماني أيضًا لم يغب هذا التاريخ من فكر الدولة العُمانية الحديثة، فقد تم إعادة بناء السفينة العُمانية «صحار» وإبحارها عام (1980) في رحلة تاريخية أعادت إحياء مسار الملاحة البحرية القديمة وصولًا إلى مدينة كانتون عام (1981)م، لتمثل رسالة حضارية مهمة تؤكد أن الذاكرة البحرية العُمانية ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل حاضرة، وإنما إرث يمكن استحضاره في بناء علاقات الحاضر والمستقبل، وقد أقيم نصب السفينة في مدينة قوانجتشو، في تأكيد رمزي على عمق هذا التواصل التاريخي.

تبرز أهمية الزيارة الحالية في ضوء التحولات التي تقودها الصين عبر مبادرة الحزام والطريق، التي أطلقها الرئيس شي جين بينج عام (2013)م، لتعيد صياغة شبكات الربط التجاري والاقتصادي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، من خلال الاستثمار في البنية الأساسية والموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والطرق البرية والبحرية، وتعول الصين على مبادرة الحزام والطريق الذي ضخت فيه ما يقرب من (2) تريليونين بهدف خلق بيئة نموذجية للتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري في العالم، يعكس طموح الصين في توسيع ارتباطها بالأسواق الدولية وتأمين انسيابية سلاسل الإمداد والتجارة العالمية. وتكتسب الموانئ البحرية العُمانية أهمية خاصة في هذه المبادرة، باعتبارها مفاصل رئيسة في حركة التجارة الدولية، حيث تتجه الاستثمارات الصينية إلى تعزيز حضورها في عدد من المراكز البحرية واللوجستية على امتداد المسارات التجارية العالمية. وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي العُماني الذي يشرف على بحر العرب والمحيط الهندي، ويقع بالقرب من مضيق هرمز، وعلى مقربة من أحد أهم خطوط الملاحة التي تربط أسواق الطاقة والتجارة في الخليج بالأسواق الآسيوية والأوروبية والإفريقية.

سلطنة عُمان بما تمتلك من مقومات تجعلها شريكًا مهمًّا في أي تصور لتطوير طرق التجارة البحرية بين الصين والمنطقة العربية، وخصوصًا في الموانئ العُمانية الرئيسة الدقم وصلالة وصحار، وما يرتبط بها من مناطق اقتصادية وصناعية حرة، فضلًا عن شبكة من الطرق والبنية الأساسية والمشروعات اللوجستية التي تطورها السلطنة في إطار رؤية «عُمان 2040». وهذه المقومات تتيح فرصًا لتطوير شراكات استثمارية وصناعية وتجارية مع الجانب الصيني، لا تقتصر على استقبال الاستثمارات فقط، بل تشمل توطين الصناعات ونقل التكنولوجيا وتطوير الخدمات اللوجستية وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، كما أن بلغ حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية نحو (25) مليار دولار أميركي في عام (2025)، وفقًا لبيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، توزعت الصادرات العُمانية إلى السوق الصينية من النفط والغاز والبتروكيماويات والتي بلغت نحو (20) مليار دولار. أما الواردات من الصين فقاربت (5) مليارات دولار، محققة فائضًا تجاريًّا لصالح سلطنة عُمان يناهز (15) مليار دولار؛ حيث تستورد الصين ما يقرب من (90٪) من النفط العُماني، وهذا يمثل أهمية كبرى للتجارة البينية. إلا أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع هذه العلاقة التجارية لتشمل مجالات أكثر تنوعًا؛ باعتبار أن الصين تتربع على صدارة الاقتصاد العالمي. ومن الأهمية بمكان توطين الصناعات، وفي هذا السياق فإن مبادرة الحزام والطريق تفتح أمام سلطنة عُمان فرصة كبيرة لتطوير العلاقات الاقتصادية، بما يعزز دور الموانئ العُمانية في حركة التجارة بين الصين والأسواق الإقليمية والدولية. كما أن وجود علاقات سياسية مستقرة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومحورية الدور السياسي العُماني في الإقليم، يوفر أيضًا أرضية صلبة لتطوير تعاون طويل الأمد بين البلدين، ما يحقق المصالح المشتركة ويعزز الوضع الاقتصادي في عُمان.

جمهورية الصين الشعبية تستحضر اليوم رحلة الملاح العُماني أبو عبيدة محمد بن القاسم إلى كانتون، وعُمان التي أعادت إحياء تلك الرحلة عبر السفينة صحار، تلتقيان اليوم على مسار جديد من التعاون في عالم تتغير فيه موازين الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا. وما بين ميناء صحار وميناء كانتون الصيني علاقات تاريخية فرضت نفسها قبل قرون عديدة، حيث طرق الحرير القديمة تتجسد اليوم في الزيارة الكريمة لجلالة السلطان هيثم ـ حفظه الله ورعاه ـ حيث تتجدد صورة التواصل البحري والتجاري بين البلدين، لذلك فإن الرهان الحقيقي الذي تحمله زيارة جلالته إلى الصين يتمثل في تحويل الرصيد التاريخي والسياسي إلى شراكات اقتصادية واستثمارية ملموسة تعزز حضور سلطنة عُمان في حركة الاقتصاد والتجارة الدولية، والاستفادة من الخبرة الصينية في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية، مع ضمان أن تنعكس هذه الشراكة على الاقتصاد الوطني وفرص العمل والتنويع الاقتصادي ونقل المعرفة.

سلطنة عُمان التي كانت حاضرة في طرق الملاحة القديمة، تواصلت مع الصين قبل أكثر من اثني عشر قرنًا، تستطيع اليوم أن تستثمر موقعها الجغرافي وإرثها البحري ومكانتها السياسية في بناء دور متجدد على خريطة التجارة العالمية. ومن هنا تبدو زيارة جلالة السلطان إلى جمهورية الصين الشعبية فرصة لاستحضار تاريخ مشترك، واستثمار الحاضر، ورسم آفاق مستقبلية لشراكة استراتيجية تتناسب مع التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي، وتخدم المصالح الوطنية العُمانية، وتعزز جسور التواصل بين الحضارتين العُمانية والصينية.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]