الاثنين 02 نوفمبر 2026 م - 22 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

ميزان الطفولة

ميزان الطفولة
الاثنين - 02 نوفمبر 2026 02:52 م

د. يوسف بن علي الملَّا

10

حين تدخل تلك الأم المركز الصحي حاملةً طفلها ذا العامين، تشكو فقط أن لديه قلةً بالشهية! بطبيعة الحال، الميزان وشريط القياس في مراكزنا الصحية ندرك من خلالها في كثير من الأحيان ما لا تعرفه الأم. وهنا أتحدث عن سوء التغذية لدى الأطفال دون الخامسة؛ فهو ليس نحافةً ظاهرةً فحسب، بل هو خللٌ هادئٌ يتسلل إلى نمو الدماغ وكفاءة المناعة وقدرة الطفل على التعلم، حتى إن آثارها تلازمه في سنوات الدراسة وما بعدها.

طبعًا، هنا سوء التغذية مرتبط بثلاثة أنماط قريبة من بعضها؛ كالتقزم، وهو قصر القامة قياسًا بالعمر، ويعكس حقيقةً نقصًا مزمنًا في الغذاء أو تكرارًا في عدوى معينة. أما النمط الآخر فهو أن يكون الطفل هزيلًا، بمعنى أن ينقص الوزن قياسًا بالطول، وهو علامة على نقص حاد وحديث. أما النمط الثالث فهو نقص الوزن قياسًا بالعمر.

وهنا نذكر كيف أن سلطنة عُمان قدمت أمثلةً كثيرةً لفهم هذا التحول... ففي المسح الوطني الذي أُجري عام (١٩٩٩م) على نحو تسعة عشر ألف طفل دون الخامسة، بلغت معدلات الهزال والتقزم ونقص الوزن سبعة و(١٠.٦) و(١٧.٩) بالمئة على التوالي، دون فروق بين الجنسين. ثم جاء التحسن الملحوظ في مسح عام (٢٠٠٩)؛ حيث بيّن تراجع نقص الوزن إلى (٨.٦) بالمئة، والتقزم إلى (٩.٨) في المئة، مع بقاء الهزال عند (٧.١) في المئة، وزيادة الوزن عند (١.٩) في المئة فقط. طبعًا، كل هذا يؤكد أن هنالك قفزةً تعكس سنوات من العمل المتواصل: من تحصين واسع، ومتابعة منتظمة للنمو في المراكز الصحية، وتدعيم الأغذية الأساسية، وعناية متنامية بالأمهات الحوامل.

وهذا يأخذنا إلى تلك الدراسة التي نُشرت عام (٢٠٢٤م) في المجلة القطرية للصحة العامة، حيث تناولت العبء الثلاثي لسوء التغذية عند أطفال السلطنة مقارنةً بدول المنطقة! فوجدت الدراسة أن التقزم انخفض قليلًا من (١٢.٣) في المئة عام (٢٠١٢) إلى (١١.٦) في المئة عام (٢٠٢٢م)، بينما قفزت زيادة الوزن من (٢.٩) في المئة إلى (٦.٥) في المئة؛ وعليه، فهذه إشارة أستطيع القول بأن هنالك فجوات في السياسات الصحية، منها الحاجة إلى متابعة منتظمة لمن هم دون الخامسة، وإلى مراجعة دورية للبرامج بمشاركة الجهات المعنية، وهذا ما نراه من سعي حثيث من قِبل وزارة الصحة العُمانية متمثلةً في المركز الوطني لصحة المرأة والطفل، والذي أطلق السجل الوطني الإلكتروني لسوء التغذية لدى الأطفال دون الخامسة.

طبعًا، قد نتساءل: ما بها هذه الأرقام؟ وهل تلك الأنماط المرتبطة بسوء التغذية لها سبب محدد؟! بطبيعة الحال، يصاب الطفل بالتقزم لأن أمه عانت من فقر الدم ونقص الفيتامينات أثناء الحمل، أو لأن الرضاعة الطبيعية توقفت مثلًا مبكرًا، أو لأن الغذاء التكميلي بعد الشهر السادس اقتصر على النشويات. بل في بعض الأحيان قد يبدو الطفل ممتلئًا وهو يعاني من نقص الحديد وفيتامين (د) في الوقت نفسه. ولهذا أوصى المسح الوطني بخفض نقص الدم وفيتامين (ب ١٢) وفيتامين (د) لدى النساء في سن الإنجاب والأطفال الصغار، إضافةً إلى منع المزيد من الارتفاع في زيادة الوزن، ناهيك عن تجنب العصائر المحلاة والوجبات السريعة، والاستغناء بها بالطعام الحقيقي على مائدة الأطفال في منازلهم.

ختامًا، لا تقاس جودة النظام الصحي بقدرته على علاج الطفل الهزيل بقدر ما تقاس بقدرته على منع الهزال أصلًا، خصوصًا وأن الرضاعة الطبيعية الحصرية في الأشهر الستة الأولى، والغذاء التكميلي المتنوع، مع رعاية الأم قبل الحمل وأثناءه، وهي ـ بلا شك ـ خطوات بسيطة، لكنها تصنع فرقًا يمتد لعقود.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]