الاثنين 02 نوفمبر 2026 م - 22 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

العلاقات الثقافية العمانية الصينية.. إرث تاريخي عريق وآفاق واعدة للتعاون المستقبلي

العلاقات الثقافية العمانية الصينية.. إرث تاريخي عريق وآفاق واعدة للتعاون المستقبلي
الأحد - 01 نوفمبر 2026 02:55 م
30


مسقط ـ العُمانية: تستند العلاقات الثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية إلى تاريخ طويل من التواصل الحضاري والتبادل التجاري والإنساني، إذ أسهمت طرق التجارة البحرية القديمة في ربط البلدين وتعزيز التفاعل بين شعبيهما، وقد شكّل الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان وانفتاحها على المحيط الهندي، إلى جانب الحضارة الصينية العريقة، أرضية مشتركة لتبادل المعارف والخبرات والتقاليد.

وشهدت العلاقات الثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية خلال السنوات الماضية حراكًا متناميًا عكس عمق الروابط التاريخية والحضارية بين البلدين الصديقين، وتنوّع مجالات التعاون في الفنون والتراث والمعرفة، وتعدّدت الفعاليات التي احتضنتها سلطنة عُمان، من بينها عروض الفرق الفنية الصينية ومسرح الباليه، والندوات التي تناولت العلاقات التاريخية عبر طريق الحرير البحري ودور اللبان العُماني في تعزيز التواصل الحضاري، إلى جانب معرض (الصين بعيون عُمانية) الذي وثّق جوانب من الثقافة والطبيعة الصينية، والفعاليات الثقافية التي استضافتها جامعة السلطان قابوس للتعريف بالتراث الصيني. كما شهدت مسقط في أكتوبر 2026 تنظيم أول أسبوع للفيلم الصيني في سلطنة عُمان، بمشاركة مجموعة من الأفلام التي عكست تنوّع التجربة السينمائية الصينية، في خطوة تعزز التبادل الثقافي وتفتح آفاقًا أوسع للتواصل بين المبدعين والجمهور في البلدين.

في المقابل، شهدت جمهورية الصين الشعبية فعاليات ومبادرات ثقافية عُمانية هدفت إلى التعريف بالهوية الحضارية لسلطنة عُمان وإرثها التاريخي، من أبرزها الملتقى الثقافي العُماني الصيني الذي استضافته بكين في ديسمبر 2023، بمناسبة مرور 45 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتناول محطات من التاريخ المشترك والأدب العُماني وروابط التواصل عبر طريق الحرير البحري، إلى جانب معرض (طريق اللبان.. عُمان في السجلات الصينية القديمة). وأسهمت كذلك المبادرات الأكاديمية، وفي مقدمتها كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية بجامعة بكين، في تعزيز الاهتمام باللغة العربية والثقافة العُمانية في الأوساط العلمية الصينية. وتعكس هذه الفعاليات حرص البلدين على توظيف الإرث التاريخي المشترك في بناء جسور ثقافية مستدامة، وتعزيز التفاهم المتبادل، وترسيخ علاقات الصداقة والتعاون بين الشعبين العُماني والصيني.

وفي العصر الحديث، شهدت العلاقات الثقافية العُمانية الصينية تطورًا ملحوظًا من خلال تنظيم الفعاليات والمعارض الثقافية، وتبادل الوفود الفنية والأكاديمية، وتعزيز التعاون في مجالات التعليم واللغة والتراث والفنون. كما أسهم افتتاح برامج تعليم اللغة الصينية في سلطنة عُمان، وتوسيع فرص التبادل الطلابي والبحثي، في تعميق التقارب بين الشعبين وترسيخ جسور التواصل الثقافي. وتحظى مجالات التراث والفنون باهتمام خاص في إطار هذه العلاقات، حيث يحرص الجانبان على التعريف بالموروث الحضاري لكل بلد، بما في ذلك الفنون التقليدية والحرف اليدوية والموسيقى والأدب. وتوفر هذه المبادرات فرصة للتعرف إلى أوجه التشابه والاختلاف بين الثقافتين، وتعزيز الاحترام المتبادل والتفاهم بين المجتمعين.

وأوضح البروفيسور سعيد بن محمد الهاشمي أن جذور هذه العلاقات تعود إلى آلاف السنين، حين أسهم الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان وإطلالتها على طرق التجارة البحرية في تعزيز حضورها في شبكة التبادل التجاري بين الشرق والغرب، وقد عرفت الصين عُمان ومنتجاتها من خلال النشاط التجاري العُماني في الموانئ الصينية، في حين امتدت حركة الملاحة الصينية إلى عدد من الموانئ العُمانية، من الشحر في جنوب الجزيرة العربية إلى دبا في شمال عُمان، بما يعكس عمق التواصل البحري بين الجانبين.

وقال إن المصادر التاريخية الصينية تشير إلى المكانة التي احتلها التجار العرب والمسلمون في التجارة الدولية خلال القرون الوسطى، إذ أدوا دورًا محوريًا في نقل السلع والمعارف بين مناطق الخليج العربي والمحيط الهندي والموانئ الصينية. كما يورد كتاب (تانغ) الصيني إشارات إلى وصول مبعوثين رسميين من مناطق عربية، من بينها ما ارتبط باسم (تاشي)، إلى الصين في القرن السابع الميلادي، وهو ما يعكس قدم التواصل الرسمي والحضاري بين الجانبين. وأضاف أن الحضور العُماني في الصين لم يقتصر على النشاط التجاري والملاحي، بل امتد إلى الاستقرار والمشاركة في الحياة الاجتماعية والإدارية. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى شخصية أبي عبيدة عبد الله الصحاري، الذي عاش في الصين خلال عهد أسرة سونغ (960–1279م)، واكتسب مكانة بارزة في مدينة كانتون، المعروفة حاليًا بقوانغتشو.

وعلى الصعيد الثقافي والأكاديمي، قال إن الجهود الرامية إلى تعزيز التقارب بين البلدين تتواصل من خلال الندوات والمؤتمرات والمحاضرات العلمية، التي تسلط الضوء على الجذور التاريخية للعلاقات العُمانية الصينية، وتبحث في سبل تطويرها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة، حيث شهدت ولاية صلالة في 21 يوليو 2025 انعقاد ندوة بعنوان (التحديث الصيني النمط ورؤية عُمان 2040.. أعمالنا ومقترحاتنا)، التي تناولت أوجه التقارب بين التجربة التنموية الصينية وأهداف رؤية عُمان 2040، وسبل توسيع مجالات التعاون الثنائي. من جانبه، أكد الدكتور سليم بن محمد الهنائي، الأستاذ المساعد بكلية العلوم والآداب بجامعة نزوى، أن العلاقات الثقافية العُمانية الصينية تمتد جذورها إلى قرون طويلة، مستندةً إلى إرث تاريخي عريق من التواصل البحري والتبادل التجاري والحضاري، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان لم تكن مجرد محطة عبور على طريق الحرير البحري، بل أدّت دورًا فاعلًا في بناء جسور التواصل بين الحضارتين العُمانية والصينية.

وقال إن الحديث عن طريق الحرير يستحضر غالبًا القوافل التجارية التي عبرت صحارى آسيا الوسطى، إلا أن الطريق البحري الذي ربط موانئ الخليج العربي وبحر العرب بالسواحل الجنوبية للصين مثّل وجهًا آخر لا يقل أهمية في تشكيل العلاقات بين الشعوب. وقد برز الحضور العُماني في هذا المسار منذ وقت مبكر، بفضل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسلطنة وخبرة أبنائها في الملاحة البحرية والتجارة الدولية. وأضاف أن العُمانيين عرفوا الطريق إلى الصين منذ القرون الإسلامية الأولى، وتحتفظ الذاكرة التاريخية باسم التاجر العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم، الذي أبحر إلى الصين في القرن الثاني الهجري، ليجسد نموذجًا لقدرة البحّار العُماني على ارتياد البحار البعيدة بحثًا عن آفاق أوسع للتجارة والمعرفة. ولم تقتصر تلك الرحلات على نقل السلع والبضائع، بل أسهمت أيضًا في انتقال العادات واللغات والأفكار والمعتقدات، كما استقر عدد من التجار العرب والمسلمين في مدن الساحل الصيني، ومن بينها كانتون، وأسهموا في التعريف بالإسلام والثقافة العربية. وأشار الهنائي إلى أن الشواهد الأثرية في سلطنة عُمان تقدم أدلة ملموسة على عمق هذه الروابط التاريخية؛ إذ عُثر في صحار والبليد بمحافظة ظفار على قطع متعددة من الخزف الصيني تعود إلى عصور مختلفة، بما يعكس طبيعة التبادل التجاري والثقافي بين الجانبين، ويؤكد وصول المنتجات الصينية إلى البيئة العُمانية منذ قرون. وفي المقابل، احتل اللبان الظفاري مكانة مهمة ضمن السلع التي عُرفت بها عُمان في الأسواق الآسيوية، لما يتمتع به من قيمة تجارية ومكانة في الاستخدامات الدينية والاجتماعية.

وأوضح أن الرحلات البحرية الصينية إلى المنطقة عززت هذا التواصل، لافتًا إلى وصول أساطيل القائد الصيني تشنغ خه إلى ظفار خلال القرن الخامس عشر الميلادي، حيث تناولت الروايات المرتبطة برحلاته أسواق المنطقة وتجارة اللبان، وهو ما يعكس حضور عُمان في مسارات الملاحة والتجارة التي ربطت الشرق بالغرب.

من جانبها أوضحت الدكتورة مريم بنت سعيد البرطماني الخبيرة في العلاقات العمانية الصينية أن كثيرًا من المصادر تُؤكِّد أنَّ العلاقات العُمانية الصينية ضاربة في القِدَم، وأنَّ جذورها التاريخية تعود إلى حقب سحيقة وقرون مُبكِّرة، وأنَّ هذه العلاقات قد تبلورت بصورة أوضح بعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وبخاصةٍ في القرن الثامن الميلادي، حين أصبحت الموانئ العُمانية مراكز فاعلة في حركة التجارة البحرية التي شملت مختلف البلدان والأقطار التي تمرُّ بالمحيط الهندي وصولًا إلى الصين.

وقالت إن من أبرز الشواهد التاريخية الدّالَّة على هذا التواصل الوثيق بين البلدين، رحلة التاجر العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم إلى الصين، التي تُعَدُّ واحدة من أقدم الرحلات العُمانية المعروفة إلى الشرق الأقصى. ووَفقًا لسفارة سلطنة عُمان في بكين، فإنَّ هذا التاجر وصل إلى الصين عام 750م تقريبًا، في حين أوردت بعض الدراسات التاريخية تواريخ مختلفة لنشاطه التجاري؛ ما يستدعي التمييز بين الرواية التاريخية المشهورة والتأريخ الدقيق للرحلة المذكورة آنفًا.

وأضافت أن المصادر الجغرافية العربية، ومنها مُؤلَّفات المسعودي والإصطخري والمقدسي، حَفَلَت بالحديث عن منطقة صحار وأنشطتها التجارية العديدة مع الصين، إذ وصف المقدسي منطقة صحار بأنَّها دهليز الصين، في إشارة إلى المكانة التجارية التي حظيت بها هذه المنطقة، وما ارتبط بها من حركة الملاحة والتبادل التجاري مع بلدان الشرق الأقصى. وبالمثل، فقد ورد في المصادر الصينية إشارات عِدَّة إلى المراكز التجارية العربية وشبكات الملاحة البحرية التي ربطت الصين بالمحيط الهندي والبلدان المُطِلَّة عليه.