يُمثِّل تأسيس صندوق آسيا الوسطى والقوقاز، بقيادة جهاز الاستثمار العُماني وبحجم مستهدف يبلغ (500) مليون دولار أميركي، توَجُّهًا استراتيجيًّا يفوق الرُّؤى التَّقليديَّة للاستثمار الخارجي، مع الحرص على بناء شراكات عابرة للحدود عبر توظيف رؤوس الأموال في أسواق واعدة، وربط المصالح الاقتصاديَّة بفرص النُّمو والاستقرار.
وفيما تجمع هذه المبادرة بين توسيع محفظة الاستثمارات العُمانيَّة، وتعزيز الحضور العُماني في منطقة تتَّسع قدرتها التَّنافسيَّة وجاذبيَّتها في مجالات التِّجارة والطَّاقة وسلاسل الإمداد العالميَّة، فإنَّ الإقبال على هكذا مبادرة يُعَدُّ في تقديري «تفكيرًا خارج الصُّندوق».
والمعروف في مُجتمعات المال والأعمال، أنَّ عبارة «التَّفكير خارج الصُّندوق» تعني البحث عن حلول وأفكار جديدة وغير تقليديَّة في تحقيق الأهداف عبر استكشاف خيارات لم تكُن مطروحة من قَبل؛ إذ إنَّ أصْلَ هذه العبارة هو ترجمة لتعبير إنجليزي «ثنكنك أواتسايد ذي بوكس»، وهي استعارة تُشير إلى الفكاك من الافتراضات المألوفة الَّتي تحدُّ من القدرة على الابتكار.
وما يُؤكِّد أنَّ المبادرة ليست تقليديَّة هو أنَّ جدوى صندوق آسيا الوسطى والقوقاز، المتوقَّع التَّوقيع على إنشائه خلال نوفمبر، تستند إلى مُقوِّمات اقتصاديَّة وجغرافيَّة لافتة للأسواق المستهدفة في آسيا الوسطى والقوقاز، والَّتي تضمُّ خمس دوَل يفوق مجموع سكَّانها حسب بيانات البنك الدّولي في عام (2025) الستَّة وثمانين مليون نسمة. كما بلغ متوسِّط معدَّلات نُمو النَّاتج المحلِّي الإجمالي لهذه الدوَل نحو (7%) في العام نفسه، وذلك حسب بيانات صندوق النَّقد الدّولي.
وإلى جانب مواردها من النَّفط والغاز والمعادن، تمتلك المنطقة المستهدفة إمكانات في الطَّاقة المُتجدِّدة والزِّراعة والسِّياحة، في حين أنَّها تحتاج إلى استثمارات في البنية الأساسيَّة والنَّقل والخدمات اللوجستيَّة، الأمْر الذي يُتيح فرصًا لبناء محفظة استثماريَّة مُتعدِّدة القِطاعات، تستفيد من نُمو الطَّلب وتحدُّ من تركز المخاطر في نشاط اقتصادي واحد.
كما يتجلَّى تجسيد عبارة «التَّفكير خارج الصُّندوق» في أنَّ الصُّندوق الاستثماري ستتولَّى إدارته شركة عُمانيَّة بقيادة كوادر وطنيَّة، وذلك على عكس ما هو سائد في المنطقة العربيَّة الَّتي كثيرًا ما تميل إلى تفضيل رؤى الخبرة الأجنبيَّة، في حين أنَّ هذا التَّوَجُّه لإدارة الصُّندوق بكفاءات عُمانيَّة سيُعزِّز من تمكين الخبرات المحليَّة في إدارة الأُصول الدّوليَّة، فضلًا عن الإسهام في تراكُم المعرفة اللازمة لتوسيعِ الاستثمارات بكفاءة واقتدار، علاوةً على أنَّها خطوة تكشف عن ثقة دوليَّة في جهاز الاستثمار العُماني.
وعلاوةً على كل ذلك، فإنَّ هناك العديد من العوامل الأخرى الَّتي تُعزِّز المكاسب العُمانيَّة المتوقَّعة من إنشاء هذا التَّحالف، وهي عوامل تتمثَّل في الموقع البحري لسلطنة عُمان، وشبكة موانئها ذات المواقع الاستراتيجيَّة، وسهولة الانطلاق منها نحو العالم؛ ممَّا يمنح عُمان فرصًا أوسع لِتواصلَ أداء دَوْرها كبوَّابة تجاريَّة تربط آسيا الوسطى والقوقاز بالأسواق الخليجيَّة والإفريقيَّة.
ومن المكاسب الَّتي يتوقَّعها الاقتصاديون لسلطنة عُمان من هذا التَّحالف الاستثماري هو إسهامها المتوقَّع في الإسهام في تحويل الاستثمار الخارجي إلى منصَّة لتوسيعِ أعمال الشَّركات العُمانيَّة، عبر فتح أسواق جديدة أمام منتجاتها وخدماتها، واستقطاب استثمارات وخبرات تدعم التَّنويع الاقتصادي داخل السَّلطنة.
كما يُرجى من تنفيذ هكذا مبادرة اقتصاديَّة أن تُسهم في جعل المصالح التَّجاريَّة المتبادلة قادرة بشكل أكبر على تعزيز العلاقات بين الدوَل المشارِكة بأموال صناديقها السياديَّة في هذا الصُّندوق، خصوصًا عندما ترتبط تلك المشاركة باستثمارات منتِجة، وفرص عمل، وشبكات نقل، وطاقة وتجارة مستدامة، وذلك بمنطق أنَّه كلَّما اتَّسعت المنافع الَّتي تجنيها الأطراف من التَّعاون ازدادت الحوافز الاقتصاديَّة للحفاظ على الاستقرار وتقوية العلاقات.
لذلك، فإنَّ جوهر التَّفكير خارج الصُّندوق في هذه المبادرة يتلخَّص في أنَّ نجاح الشَّراكة في ربط الفرص الخارجيَّة بأولويَّات الاقتصادات الوطنيَّة للدوَل المساهمة سيكون أكثر من أداة لتنويعِ الأُصول، حيث يُمكِن أن يصبحَ رافعةً للتَّنويع الاقتصادي، ووسيلةً لتعزيزِ المكانة الدّوليَّة لجميع الدوَل المشارِكة، وجسرًا لبناء مصالح مشتركة تجعل السَّلام والاستقرار أكثر جدوى للشُّركاء.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن »