الأربعاء 28 أكتوبر 2026 م - 17 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : عودة برامج السلامة المرورية ضرورة لحماية المكتسبات والحد من الحوادث المميتة

في العمق : عودة برامج السلامة المرورية ضرورة لحماية المكتسبات والحد من الحوادث المميتة
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 02:55 م

د.رجب بن علي العويسي

170

يبدو أن ارتفاع الحوادث المميتة في الفترة الأخيرة بدرجة كبيرة في المشهد المروري في سلطنة عُمان يضع الجهات المعنيَّة، وفي مقدِّمتها شُرطة عُمان السلطانيَّة ممثلة في الإدارة العامَّة للمرور، أمام واقع جديد ومتغيِّرات مُتجدِّدة تستدعي إعادة قراءة مؤشِّرات هذا الملف وتجلِّياته وتفاصيله العميقة والتغيُّرات التي تؤثِّر على الاستقرار والانخفاض الذي ارتبط به في السنوات الخمس الأخيرة، حيث تُشير إحصائيَّات حديثة صادرة عن هيئة الخدمات الماليَّة في شهر أكتوبر لعام (2026) إلى ارتفاع الحوادث المروريَّة في سلطنة عُمان بنسبة (14.8%) خلال الرُّبع الثاني من عام (2026)م مقارنةً بالفترة نفسها من عام (2025)، كما سُجّل نحو (21.7) ألف حادث مروري لدى شركات التأمين، مقابل (18.9) ألف حادث في الرُّبع الثاني من (2025)، حيث جاء توزيع الحوادث كالتالي: البسيطة: (15.85) ألف حادث (تُمثِّل نحو (73%) من الإجمالي)، بينما تُمثِّل النسبة الحوادث الجسيمة والإصابات ما نسبته (27%)، ما يعكس تحوُّلًا نوعيًّا في طبيعة الحوادث نحو مستويات أعلى من الخطورة.

وبالتالي، ما تفرضه هذه المؤشِّرات من تساؤلات حول أهميَّة العمل على اتِّخاذ كل ما من شأنه استدامة المكاسب الوطنيَّة التي تحقَّقت خلال السنوات الماضية، والتي شهدت انخفاضًا وتراجعًا كبيرًا في عدد الحوادث والوفيات والإصابات الناجمة عنها. وفي الوقت نفسه، الحدّ من عودة فواجع الطُّرق إلى واجهة المشهد المُجتمعي، حاملةً معها خسائر بشريَّة ومآسي أُسريَّة، وما يعنيه ذلك من أنَّ الأمْر لا ينبغي أن يقفَ عند حدود تسجيل الحوادث أو البحث في أسبابها المباشرة فقط، بل يمتدُّ إلى مراجعة منظومة السَّلامة على الطريق، ومدى قدرتها على استيعاب المتغيِّرات الجديدة، وتجديد أدواتها التوعويَّة والتثقيفيَّة والضبطيَّة، بما يُعيد لمنظومة السَّلامة المروريَّة التي أطلقها السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ في الحدِّ من الحوادث المروريَّة، وما اتَّخذته شُرطة عُمان السُّلطانيَّة بالشراكة مع الجهات المعنيَّة بالدَّولة والشركاء الفاعلين والمواطنين والمقيمين من مبادرات جادَّة توِّجَت باستراتيجيَّة السَّلامة على الطريق (2016-2020)، والتي ارتبط تنفيذها بجملة من المبادرات والإجراءات والأُطر التي عملت مختلف المنظومات الوطنيَّة على تشكيل صورتها وتنفيذ إجراءاتها، ما نتج عنها من مكاسب كبيرة على الأرض، وأفصحت خلالها مؤشِّرات السَّلامة على الطريق عن مزيدٍ من التراجع في الحوادث المروريَّة، والانخفاض المستمر في أعداد الوفيات والإصابات الناتجة عنها، والذي نتج عنه انخفاض في معدَّل المخالفات المروريَّة والسُّلوكيَّات العامَّة لمستخدمي الطريق.

وعليه، فإنَّ ارتفاع الحوادث الخطرة في الفترة الأخيرة، كما يُشير إلى ذلك التقرير السابق وتُعزِّزه تقارير الحوادث المروريَّة المُميتة التي يرصدها موقع شُرطة عُمان السُّلطانيَّة في منصَّة (X)، يطرح اليوم تساؤلًا مُهمًّا وهو: كيف نحافظ على ما تحقَّق من مكاسب مروريَّة، ونمنع المؤشِّرات غير الإيجابيَّة من استنزاف رأس المال البشري، الإنسان، ومقدَّرات المُجتمع وموارده التي تُضخ في معالجة تأثير هذه الحوادث؟ وإلى أيِّ مدى ما زالت الرسالة المروريَّة، بأدواتها المُتعدِّدة ومضامينها التوعويَّة، في ظل التَّحَوُّلات الرَّقميَّة والذَّكاء الاصطناعي والظروف الجديدة المؤثرة في سلوك مستخدم الطريق، قادرة على إعادة تصحيح الصورة وضبط البوصلة المروريَّة وإعادة توجيهها نحو مسارها الصائب وفق مقاربات أكثر عمقًا وفاعليَّة، تلامس واقع الشَّباب، وتستوعب التَّحَوُّلات الاجتماعيَّة والتقنيَّة، وتنقل الوعي المروري من المعرفة النظريَّة إلى الممارسة اليوميَّة المسؤولة في إطار مفهوم المواطنة المروريَّة؟

من هنا، نعتقد بأنَّ التقليد السنوي الذي ظلَّ حاضرًا لفترات طويلة في الاحتفال بيوم السَّلامة المروريَّة الذي يصادف الثامن عشر من أكتوبر، وما يحمله هذا اليوم من تقييم ومراجعة للمنجز المروري وتعظيم للوعي وما نتج عنه من تراجع وانخفاض في الحوادث المروريَّة، تستدعي المؤشِّرات الوطنيَّة حضوره، ذلك أنَّ استدامة الانخفاض في عدد الحوادث المروريَّة المميتة يؤسِّس لمرحلة جديدة في ظلِّ بوادر الارتفاع التي شهدتها الفترة القليلة الماضية، في تجديد عقد الاهتمام بهذا الموضوع وترسيخ معاييره ومساهمة السُّلوك الجمعي الوطني في إعادة إنتاجه في ظلِّ المعطيات المُتجدِّدة. فإنَّ التَّحَوُّل نحو صناعة المواطنة المروريَّة، بما يستدعيه من الدخول بعُمق في السُّلوك الإنساني وفَهْم المتغيِّرات والظروف التي يعمل فيها أو يعيشها، وتحقيق إنتاجيَّة التشريع من خلال قدرة القوانين والأنظمة ولوائح العمل والتعليمات التي يعمل من خلالها شُرطي المرور على استيعاب هذا الواقع، واحتواء الممارسة المروريَّة المفتعلة، وامتلاك شُرطي المرور للمهارات والقدرات والاستعدادات المعزّزة بفلسفة الحدس وحسِّ الفراسة وتقدير الظروف وحكمة التَّوجيه وأُسلوب التأثير والاحتواء، محطَّات مهِمَّة لبناء المواطنة المروريَّة التي تقرأ السُّلوك المروري في شخصيَّة المواطن والمقيم الواعي، في ظلِّ تمازج بين المعرفة النظريَّة والثقافة المهنيَّة المروريَّة والحسِّ المروري، والفَهْم المتحقِّق لمعطيات الحالة المروريَّة وترسيخها في معتقدات وقناعات واتِّجاهات واهتمامات مستخدم الطريق، بحيث تعمل على توجيه سلوكه المروري بشكل أكثر نضجًا ومصداقيَّة، مصحوبًا بإرادة ذاتيَّة ورغبة نابعة من استشعاره بمسؤوليَّاته، وإدراكه لحجم المآسي الناتجة من حوادث المرور.

عليه، يطرح مقالنا الحاجة إلى إعادة إنتاج الموجِّهات المروريَّة التي اعتمدتها سلطنة غمان في بناء المعالجة المروريَّة وتقوية أركانها وتعظيم الفرص النوعيَّة لخلق سلوك مروري متَّزن، بمعنى أن فترة الاختبار الماضية ومساحة السكون والتأمل والانتظار التي اتَّخذتها شُرطة عُمان السُّلطانيَّة في خفض مستوى البرامج التوعويَّة والتثقيفيَّة حول السَّلامة على الطريق، والتي أثمرت عن نتائج التراجع، بحاجة إلى إعادة إنتاجها بما يتوافق مع مؤشِّرات الارتفاع المتوقعة؛ إذ إنَّ فترة الاستراحة كافية لأجْلِ تعزيز الحسِّ المروري وتجريب نتائج تجسيد الإجراءات والمفاهيم والمفردات المروريَّة في سلوك المواطن، خصوصًا في ظلِّ متغيِّرات جديدة وموجِّهات تقنيَّة ومنصَّات اجتماعيَّة باتت تثير العديد من الوقفات حول إعادة إنعاش هذا الملف، أو بدأت تختزل هذه المكاسب من خلال ممارسات غير مسؤولة على الطريق؛ نظرًا لِمَا يُمثِّله البُعد المروري من أهميَّة كبرى في مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ لكونه يمسُّ أمن الإنسان واستقراره، وما يجعله في حاجة ماسَّة إلى هذه المساحة من التنشيط لمُكوِّناته من جديد؛ نظرًا للمخاطر المترتبة على اتِّساع هذه الحوادث وانتشارها، وتقييم البدائل والسيناريوهات السابقة وخلق سيناريوهات عمل جديدة في إشراك الشَّباب، واستنطاق القِيَم، واستنهاض المبادئ، واستحضار الأخلاق، وتأصيل إنسانيَّة المرور وتوظيف التقنيَّة وضبطها بالتشريعات لِتسهمَ بِدَوْرها في حركة التغيير القادمة في السُّلوك المروري.

من هنا، تأتي دعوتنا إلى الإدارة العامَّة للمرور، ونحن على ثقة تامَّة ويقين بأنَّها تدرك ذلك وتضعه في أولويَّة الاهتمام، ترصد هذا الأمر وتُؤكِّده في حوارها الداخلي والخارجي. كما أنَّ توجيهات وقرارات معالي الفريق المفتش العام للشُّرطة والجمارك تأتي في إطار هذه الرُّؤية المتكاملة والقراءة العميقة لِمَا تشهده المنظومة المروريَّة بالسلطنة من تطوُّر واتِّساع، واضعةً الرَّصد الدَّقيق للوضع المروري ولحوادث الطرقات والمستجدَّات والمتغيِّرات الحاصلة في واجهة المشهد، بالشكل الذي يَضْمن عودة استثنائيَّة مُتجدِّدة وفق أدوات جديدة وآليَّات عصريَّة ترتبط بالتَّحَوُّلات في منظومة السَّلامة على الطريق والتجارب العالميَّة ذات العلاقة، فإنَّ عودة فعاليَّات وبرامج السَّلامة على الطريق تُمثِّل فرصة لإعادة ترتيب الأولويَّات، وتجديد الرسالة المروريَّة، وتعظيم الأثر الوطني للجهود المبذولة. وهي دعوة إلى مرحلة أكثر استجابة للمتغيِّرات، تقوم على استمراريَّة التَّوعية، وتكامل الأدوار، وتقييم النتائج، وإشراك الشَّباب والمرأة في صناعة الحلول، وترسيخ إنسانيَّة المرور في الخِطاب والممارسة.

أخيرًا، تبقى إعادة تنشيط فعاليَّات وبرامج السَّلامة على الطريق، وفق ما أشرنا إليه من مستجدَّات وتحوُّلات وتغيُّرات ومكاسب أنتجتها منظومة السَّلامة على الطريق، خصوصًا فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين والضوابط والصلاحيَّات والممكنات والشراكات، أولويَّة وطنيَّة للوصول إلى الأثر وبلوغ الهدف، ولكونها ضرورة وطنيَّة تفرضها الحاجة إلى حماية الأرواح وصيانة المكتسبات. فبرامج يوم السَّلامة المروريَّة، وأسابيع المرور، ومسابقة السَّلامة على الطريق، والأنشطة التي تنفِّذها معاهد السَّلامة المروريَّة، وما تنهض به اللجنة الوطنيَّة للسَّلامة على الطريق من أدوار، تُمثِّل منصَّات وطنيَّة مهِمَّة لإيقاظ الحسِّ المروري وتشكيل الوعي المروري الجمعي، وتعزيز المشاركة المُجتمعيَّة، وتعظيم صناعة الأثر في كل التَّوَجُّهات التشريعيَّة والضبطيَّة والتوعويَّة والتوجيهيَّة، فالطريق الآمن حوار القلب والعقل والسُّلوك، يصنعه إنسان واعٍ بمسؤوليَّته، ومؤسَّسات متكاملة في أدوارها، ورسالة مروريَّة مُتجدِّدة تنبض في ذاكرة المُجتمع ومشاعر أفراده.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]