الخميس 14 مايو 2026 م - 26 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الدراما التاريخية .. واستخدام الفصحى أم العامية؟!

الدراما التاريخية .. واستخدام الفصحى أم العامية؟!
الاثنين - 15 أبريل 2024 05:00 م

محمد عبد الصادق

20

مسلسل الحشاشين أحد الأعمال الدرامية التي حققت أعلى نِسَب المشاهدة في رمضان هذا العام.. العمل بطولة النجم كريم عبدالعزيز وتأليف عبد الرحيم كمال وإخراج بيتر ميمي، ويتناول قصة ظهور جماعة الحشاشين ودعوتها الباطنية، وصراعها مع الدولة السلجوقية في القرن الخامس الهجري، والسيرة الذاتية لزعيمها حسن الصباح، العمل نال نجاحًا كبيرًا وتفاعل المشاهدون مع أحداثه، ولكن كان المأخذ الوحيد عليه من البعض، هو استخدامه العامية المصرية بدلًا من اللغة العربية الفصحى، وكان تبرير صناعه، أنَّ أحداث المسلسل تَدُور في أصفهان، وأنَّ اللغة المستخدمة حينئذ هي الفارسية وليست العربية، كما أنَّهم اختاروا العامية ليضمنوا وصول المسلسل لأكبر شريحة من المشاهدين.

ولأنَّني أحَد دارسي ومُحبِّي اللغة العربية، وامتهنت التصحيح والتدقيق اللُّغوي ردحًا من الزمن، فقد أحزنتني هذه المبررات التي أراها للأسف حقيقية، فبحكم عملي تصبُّ عندي المادة التحريرية المكتوبة بواسطة الكتَّاب والمحرِّرين قبل نشرها في الجريدة، وتزعجني حالة الضعف اللُّغوي الحادِّ الذي أصاب الأجيال الحديثة من خريجي كلِّيات الإعلام وغيرهم من مخرجات التعليم العالي. كم مهول من الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية، وركاكة الأسلوب والصياغة اللُّغوية، وافتقاد أبسط قواعد تكوين وترتيب الجملة في اللغة العربية. وللأسف تصدر أحيانًا هذه الأخطاء اللُّغوية الفادحة من كتَّاب حاصلين على درجتَي الدكتوراه والماجستير، ويشغلون مناصب حكومية وأكاديمية رفيعة، ويتصدرون منصَّات «الميديا»، وعندما يحاول بعضهم التحدث بالفصحى، يلحن ويرفع المنصوب وينصب المرفوع، دون أن يردَّه أحَد. فالغالبية تعاني أكثر منه الضعف اللُّغوي، وربَّما أنا وأمثالي نعاني حساسية مفرطة تجاه الأخطاء اللُّغوية.

هذا الضعف اللُّغوي لم يكنْ موجودًا في الماضي القريب، رغم تدنِّي نِسَب المتعلمين مقارنة بالعصر الحالي، ولكن كان هناك الكتاتيب التي تُعنَى بتحفيظ القرآن منذ الصغر؛ حيث يقوّم اللسان ويضبط مخارج الألفاظ. فأُمُّ كلثوم وعبد الوهاب لم ينالا أيَّ شهادة تعليمية، وأدَّيا قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي ورباعيات الخيام وقصائد من الشعر الجاهلي والأموي والعباسي شديدة الصعوبة، بسهولة وعذوبة منقطعة النظير، وعبَّرا عن المعاني التي يقصدها الشاعر القديم، بإحساس يعكس فهمهما لمعاني ومرامي القصيدة.

أذكر عندما التحقتُ بصحيفة أخبار اليوم نهاية الثمانينيات، أنَّ كبار الكتَّاب مِثل مصطفى أمين كان نادرًا ما يخطئ في النحو، وربَّما كثير منهم لم يكنْ ملمًّا بقواعد النحو والصرف، ولكنَّه بالفطرة والسليقة اللُّغوية، كان يستطيع تجنُّب الأخطاء اللُّغوية، كما أتذكَّر أنَّ أقوى قِسمين في الجريدة في ذاك الوقت، كانا قِسم الترجمة ويرأسه الكاتب نبيل زكي، والقِسم الرياضي برئاسة «الكابتن» عبد المجيد نعمان، وكان شرط إجادة اللغة العربية وقواعدها من أهم مسوِّغات التعيين في هذين القِسمين، لذلك كانت مقالات الترجمة ومواضيع الرياضة قِطعًا لُغوية محكمة الإنشاء والصياغة. شهدت سبعينيات القرن الماضي بداية ظهور المسلسلات الدينية والتاريخية الناطقة بالفصحى، البداية كانت مسلسل «على هامش السيرة» للدكتور طه حسين، الذي تألَّق من خلاله الممثلون العظام شكري سرحان وأحمد مظهر وسناء جميل، وأعطوا دروسًا في اللغة والنطق السليم؛ للحوار الذي أبدعته الكاتبة الإسلامية أمينة الصاوي. في الثمانينيات عرض مسلسل «محمد رسول الله» والذي أنتج منه خمسة أجزاء تروي قصص عدد من الأنبياء، ابتداء من إبراهيم عليه السَّلام، وختامًا بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، متضمنًا البشارات التي وردت على لسان الأنبياء عن النبي الخاتم. العمل مأخوذ عن كتاب بنفس الاسم للأديب عبد الحميد جودة السحار، سيناريو وحوار للشاعر الغنائي عبدالفتاح مصطفى، وتألَّقت المطربة ياسمين الخيَّام في غناء مقدِّمة المسلسل، الذي شارك في بطولته محمود المليجي وأمينة رزق وعبدالغفار عودة.

محمد عبد الصادق

كاتب صحفي مصري