تحفل بتقديم 26 ورقة بحثية وعرض أكثر من 2000 وثيقة ومادة تاريخية ورقمية
حمد الضوياني: جنوب الباطنة إحدى الحواضر العمانية ذات الامتداد التاريخي والحضاري العريق واضطلعت بأدوار محورية فـي مختلف مراحل التاريخ العماني
الرستاق ـ «الوطن» :
انطلقت في ولاية الرستاق يوم أمس (الأثنين) أعمال ندوة «محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني»، التي تنظمها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة، وتسعى من خلالها إلى إضاءة المكانة التي اكتسبتها محافظة جنوب الباطنة عبر تاريخها مستفيدة من موقعها الجغرافي وتنوع بيئاتها وامتداد علاقاتها التجارية والحضارية وما شهدته ولاياتها من نشاط علمي واقتصادي وعمراني أسهم في تشكيل ملامح هويتها التاريخية، إلى جانب التعريف بإسهامات أبنائها في مختلف مجالات الحياة.
رعى حفل افتتاح الندوة معالي خالد بن هلال المعولي، رئيس مجلس الشورى، بحضور سعادة المهندس مسعود بن سعيد الهاشمي، محافظ جنوب الباطنة، إلى جانب عدد من المكرمين أعضاء مجلس الدولة وأصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى ومجموعة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين والمهتمين بالتاريخ والتراث العُماني. وتحفل الندوة بطرح 26 ورقة بحثية يقدمها مجموعة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين، على مدار ثلاثة أيام، وهي تمثل استكمالا لندوات المحافظات التي أقامتها الهيئة في إطار جهودها لتوثيق التاريخ العُماني وصون الذاكرة الوطنية، وإبراز المكانة التاريخية والحضارية لمحافظات سلطنة عمان، بالإستفادة من الوثائق والمراجع التاريخية، والبحث العلمي.
وأكد سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، في كلمته خلال افتتاح الندوة، أن محافظة جنوب الباطنة تمثل إحدى الحواضر العُمانية ذات الامتداد التاريخي والحضاري العريق، وقد اضطلعت بأدوار محورية في مختلف مراحل التاريخ العُماني، مستشهدًا بما تزخر به ولاياتها من حصون وقلاع ومعالم تاريخية تجسد صمود الإنسان العُماني وإسهاماته في الدفاع عن الوطن وبناء الحضارة. وبين أن الموقع الجغرافي للمحافظة، الممتد بين الساحل وسفوح الجبال، أسهم في تنوع أنشطتها الاقتصادية والعمرانية، حيث استطاع الإنسان العُماني تطويع البيئة واستصلاح الأراضي وشق الأفلاج والعيون والقنوات المائية، وإقامة مراكز للاستقرار البشري والعلم والتجارة، بما يعكس ما شهدته المحافظة من نشاط حضاري وفكري واقتصادي عبر القرون.
جلسات اليوم الأول
وفي إطار البرنامج العلمي للندوة، عقدت يوم أمس الجلسة الأولى من جلسات الندوة برئاسة الدكتورة شيخة بنت عبدالله المنذري، وشهدت تقديم ست أوراق بحثية تناولت الجغرافيا التاريخية لمحافظة جنوب الباطنة، والتحصينات الدفاعية، والحضور العُماني في شرق أفريقيا، والمنظومة الإنتاجية في عهد اليعاربة، وصورة المحافظة في كتابات الرحالة. واستهلت الجلسة بورقة علمية قدمها الدكتور موسى بن سالم الراشدي بعنوان «بلدان جنوب الباطنة وبنادرها كما صورها مخطوط صفة عُمان وبلدانها جبالها وأوديتها»، استعرض خلالها الملامح التاريخية والجغرافية لبلدان المحافظة وبنادرها خلال القرن الثامن عشر الميلادي، استنادًا إلى المخطوط الذي ألّفه ناصر بن سالم البوسعيدي. وسلطت الورقة الضوء على الأوصاف التاريخية لمدن الرستاق ونخل وبركاء والمصنعة، وما تميزت به من حصون وأفلاج وموارد زراعية ومقومات اقتصادية، إلى جانب دور الموانئ والمراكز العمرانية في النشاط التجاري، وأهمية المخطوط في توثيق الجغرافيا المحلية والتحولات العمرانية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة. وفي الورقة الثانية، تناولت الدكتورة بهية بنت سعيد العدوي موضوع «التحصينات في جنوب الباطنة كأداة لترسيخ سلطة الدولة»، مستعرضة الأدوار السياسية والعسكرية والإدارية للحصون والقلاع، بوصفها منشآت استراتيجية تجاوزت وظيفتها الدفاعية إلى الإسهام في بناء الدولة العُمانية وترسيخ سلطتها. وركزت الدراسة على العلاقة بين انتشار التحصينات في ولايات المحافظة، ولا سيما الرستاق ونخل وبركاء، ومراحل التوسع السياسي والعسكري، ودورها في حماية المراكز السكانية وتأمين الطرق الحيوية والسيطرة على الموارد ومواقع النفوذ، بما يعكس الأهمية الاستراتيجية للمحافظة في مختلف مراحل التاريخ العُماني. وانتقلت الجلسة إلى استعراض الامتداد الحضاري العُماني في شرق أفريقيا، من خلال ورقة الدكتور سليمان بن سعيد الكيومي بعنوان «أعلام من محافظة جنوب الباطنة في المهجر الأفريقي ودورهم الاجتماعي والثقافي والسياسي»، التي تناولت إسهامات عدد من الشخصيات العُمانية المنحدرة من المحافظة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في شرق أفريقيا. واستعرضت الورقة نماذج من أعلام جنوب الباطنة، من بينهم الشيخ سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي، والشيخ سالم بن محمد بن سالم الرواحي، والشيخ يحيى بن خلفان بن جامع الخروصي، والشيخ سليمان بن ناصر المعولي، وما اضطلعوا به من أدوار في نشر التعليم والثقافة والإرشاد، وتعزيز التواصل الاجتماعي والحضاري، بما يجسد عمق العلاقات التاريخية بين عُمان وشرق أفريقيا. وفي جانب العمارة الدفاعية، قدم الدكتور علي بن سعيد الريامي والدكتور ناصر بن حمد الغناني ورقة مشتركة بعنوان «الأبراج الدفاعية في مركز ولاية نخل: دراسة تاريخية في الدور والموقع وتقنيات التحصين»، تناولت الأبراج الدفاعية بوصفها جزءًا من منظومة التحصينات التقليدية في سلطنة عُمان، وشواهد معمارية تعكس تطور أساليب الحماية والمراقبة عبر التاريخ. وبحثت الورقة في المواقع الاستراتيجية لهذه الأبراج وعلاقتها بالتضاريس الجغرافية ومسارات الحركة والاتصال، وتقنيات بنائها وتحصينها، إلى جانب أدوارها العسكرية والأمنية، وما ارتبط بها من روايات شعبية ودلالات اجتماعية وثقافية، مؤكدة أهمية توثيق هذه المعالم وصونها باعتبارها جزءًا من التراث العمراني والذاكرة التاريخية لولاية نخل. كما شهدت الجلسة تقديم ورقة للدكتور أحمد بن حميد التوبي بعنوان «المنظومة الإنتاجية في جنوب الباطنة في عهد اليعاربة (1624–1744م): دراسة في الموارد والوسائل»، تناولت مقومات النشاط الاقتصادي في المحافظة خلال عهد دولة اليعاربة، وما شهدته من تنوع في الموارد الزراعية والصناعية والتجارية ووسائل الإنتاج. واستعرضت الدراسة الأهمية الاقتصادية لولايات الرستاق وبركاء والمصنعة وغيرها من ولايات المحافظة، ودور الأفلاج والموارد الزراعية والموانئ في تنشيط الحركة الاقتصادية، مستندة إلى عدد من المصادر التاريخية والأدبية، ومنها كتاب «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين» للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، وبعض النصوص الشعرية التي حفظت إشارات إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية خلال تلك المرحلة. واختُتمت أوراق الجلسة الأولى بورقة قدمتها الدكتورة مريم بنت حميد الغافري بعنوان «محافظة جنوب الباطنة في كتابات الرحالة: قراءة تحليلية في تمثلات المكان في الذاكرة التاريخية العُمانية»، تناولت صورة المحافظة كما وردت في مدونات الرحالة العرب والغربيين، وما تضمنته من أوصاف للمدن والقرى والبيئات الساحلية والزراعية والجبلية. وسلطت الورقة الضوء على أهمية أدب الرحلات بوصفه مصدرًا تاريخيًا ومعرفيًا يوثق جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، ويكشف عن طبيعة التفاعل بين الإنسان والمكان، إلى جانب تحليل الصور والانطباعات التي نقلها الرحالة عن المحافظة، ومدى إسهامها في تشكيل الذاكرة التاريخية العُمانية وإبراز التنوع الحضاري والثقافي للمنطقة. وشهدت الجلسة مناقشات علمية تناولت الموضوعات المطروحة في أوراق العمل، وأهمية توسيع الدراسات التاريخية والوثائقية المتعلقة بمحافظة جنوب الباطنة، والاستفادة من المصادر المحلية والدولية في الكشف عن جوانب جديدة من تاريخها الحضاري والثقافي. وتواصل الندوة أعمالها اليوم الثلاثاء وغدا الأربعاء بمناقشة أوراق علمية تتناول طرق القوافل والتجارة والموانئ والأفلاج والأوقاف، والمواقع الأثرية والنقوش والكتابات الصخرية، والمؤسسات العلمية والتعليمية، والنتاج الأدبي واللغوي، إلى جانب دور الوثائق والمخطوطات والصحافة في توثيق تاريخ المحافظة، وإسهامات المرأة العُمانية في مختلف مجالات الحياة.
معرض وثائقي مصاحب
شهد برنامج الندوة يوم أمس، افتتاح المعرض الوثائقي المصاحب، والذي تنظمه هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بقاعة مكتب والي الرستاق، ويستمر حتى 30 أكتوبر الجاري، ويضم أكثر من 2000 وثيقة ومادة تاريخية ورقمية، موزعة على 11 ركنًا وثائقيًا ومعرفيًا وتفاعليًا، تستعرض جوانب من تاريخ محافظة جنوب الباطنة وعلاقاتها الحضارية وإسهامات أبنائها في مختلف المجالات. ويتيح المعرض للزوار الاطلاع على مجموعة متنوعة من الوثائق التاريخية والمخطوطات والصور والخرائط والصحف والمجلات والطوابع والعملات والمقتنيات المرتبطة بالتوثيق والحفظ، إلى جانب محتوى رقمي وتفاعلي يقدم تجربة معرفية تسلط الضوء على أهمية الوثيقة بوصفها شاهدًا أصيلًا على الأحداث والتحولات التاريخية. وتتناول أركان المعرض تاريخ التوثيق والأرشفة، والوثائق المرتبطة بمحافظة جنوب الباطنة، والوثائق الخاصة، والخطب والتهاني، وسلاطين عُمان وزنجبار، والعلاقات الدولية، والمخطوطات والصحف والمجلات، فضلًا عن إصدارات الهيئة وأدوات حفظ الوثائق وصيانتها، بما يعكس تنوع المصادر التاريخية التي تحفظ جوانب من الذاكرة الوطنية العُمانية.
خالد المعولي: الندوة تسهم فـي إضاءة الإرث التاريخي العريق لجنوب الباطنة
ثمّن معالي خالد بن هلال المعولي رئيس مجلس الشورى، الجهود المبذولة في تنظيم ندوة (محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني)، وإضاءة الارث التاريخي العريق للمحافظة، ومشيدا بالدور الذي تقوم به هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، والانجازات التي حققتها على مدار السنوات الماضية. وأكد معاليه في تصريح له أن ما حققته الهيئة من إنجازات يُحسب لسلطنة عمان دون أدنى شك؛ مشيراً إلى أن الحفاظ على الإرث والوثائق والمخطوطات عبر السنين يظل محفوراً في ذاكرة كل عماني. وأضاف: أن الاهتمام بهذا الإرث لا يقتصر فقط على ما هو موجود داخل حدود سلطنة عمان، بل يمتد ليشمل شواهد التاريخ العماني المجيد وما وصلت إليه الإمبراطورية العمانية في مختلف المناطق، ولا سيما في شرق أفريقيا، مؤكداً أهمية الحفاظ على تلك المخطوطات والوثائق لتكون زاداً للنشء، وحافزاً لهم لمعرفة إرث بلادهم العريق. واختتم معاليه تصريحه بالدعاء لله سبحانه وتعالى أن يكلل أعمال هذه الندوة, التي تمتد لثلاثة أيام، بالتوفيق والنجاح والسداد، وأن تشكل مخرجاتها وتوصياتها إضافة نوعية تثرى ذاكرة التاريخ العماني، لتكون مرجعاً أساسياً لكل باحث ومؤرخ ومحقق ومتابع لمسيرة التاريخ العماني العريق.
مسعود الهاشمي : العمل المستمر على تطوير المرافق التاريخية والتراثية في المحافظة
أكد سعادة المهندس مسعود بن سعيد الهاشمي، محافظ جنوب الباطنة، أن تنظيم ندوة (محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني) يمثل محطة هامة لتسليط الضوء على دور التاريخ والمحافظات في إبراز الذاكرة الوطنية والحضارات التي قامت على أرض المحافظة، بما يسهم في التعريف بمقوماتها العريقة وتعريف الجيل الناشئ بالتاريخ العماني المشرق ودور الحضارة المحلية في صياغة صفحاته. واشار سعادته في تصريح صحفي، أن محافظة جنوب الباطنة تعد شريكاً استراتيجياً أساسياً في إقامة مثل هذه الفعاليات والندوات، حيث جاءت هذه الندوة بالشراكة مع هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، مؤكدا أن المحافظة تسعى دائماً لإبراز ما تزخر به مختلف ولاياتها من إرث وحضارة عريقة، فضلاً عن العمل المستمر على تطوير المرافق التاريخية والتراثية، وإظهار مقومات المحافظة الحضارية والتاريخية والعلمية لتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال ووجهة للمهتمين بالتاريخ العماني.