استكمالًا لمقالنا المنشور في هذه الجريدة الغرَّاء (الوطن)، والنقاط التي أشرنا إليها بشأن الظواهر المُجتمعيَّة كمُهدِّدات ناعمة للاستقرار المُجتمعي والتَّماسُك الأُسري، وأن التجاهل أو عدم إعطاء هذه المخاطر أهميَّة كبيرة في الرَّصد اليومي وفي التشريعات والقوانين وإجراءات العمل، أو عدم الانتباه لِمَا يحصل فيها من تفاصيل دقيقة، بات يحمل في ذاته الكثير من التهديدات غير المحسوبة على الهُوِيَّة والخصوصيَّة والأمن الاجتماعي في صورته العامَّة. كما يحصل أن تتسببَ في تعاظم تأثيرها وزيادة مرتكبيها لِتصبحَ ظاهرة مُجتمعيَّة يصعب التعامل معها، أو تتطلب مزيدًا من الموارد وتوجيه الجهود إليها، والتي كان يُمكِن الحدُّ منها في إطار وضوح أساليب الوقاية والتزام منهج العمل الاستباقي في مواجهتها.
من هنا، باتَ التأثير المتعاظم لهذه الظواهر السلبيَّة يتجاوز حدود الزمان والمكان والأشخاص والفئات إلى إحداث خلَل في منظومات بناء المُجتمع، واختلال في مساحة التوازنات الداخليَّة في السُّلوك الاجتماعي، الذي ـ بلا شك ـ يُمثِّل حضوره قوَّة في مواجهة التحدِّيات، وامتلاك القدرة على التكيُّف مع المعطيات الجديدة التي تفرزها هذه الظواهر، وبما يؤسِّس لمرحلة متقدِّمة من الوعي الجمعي الذي يَضْمن رفع سقف الثبات على المبادئ والحفاظ على الثَّوابت والقِيَم الوطنيَّة في التعامل مع المستجدَّات، وإدارة الظواهر المُجتمعيَّة وفق معايير المُجتمع وانطلاقًا من منظومة العمل الوطني، والتي ـ بلا شك ـ سوف تُسهم في رفع كفاءة الآليَّات المُتَّخذة في تشخيص هذه الظواهر واستجلاء تأثيراتها على كيانات المُجتمع الأخرى، لِيبقَى المُجتمع على تماسُكه وتكامله وترابطه وتضامنه، آخذًا بيد بعضه بعضًا في إطار من الشراكة وتقاسم المسؤوليَّات، فلم تَعُد هذه الظواهر معنيَّة اليوم في حدود قِطاعاتها، وتأثيرها لم يقتصر على الفئات الممارسة لها، بل أصبحت تُشكِّل تهديدًا للأمن والسِّلم الداخلي الوطني، ومكانة سلطنة عُمان وموقعها في المُجتمع الدولي، ناهيك عن أن الوصول إلى اقتصاد متنوِّع، واستثمار مستدام، واستقطاب للاستثمارات الأجنبيَّة، يستدعي الحدَّ من هذه الظواهر التي باتت تستهلك ثروات المُجتمع وتستنزف موارده، وتوجِّه جهود الحكومة إلى إيجاد حلول لهذه الظواهر على حساب التفكير في الاستثمار في المورد البشري، وإنتاج مُجتمع القوَّة وصناعة اقتصاد واعد وبنية أساسيَّة، وخدمات متكاملة ومؤسَّسات تصنع المنافسة وتُحقق الإنتاجيَّة.
وإنَّ من بين هذه الظواهر التي يجب التعامل معها بجديَّة واهتمام، ووفق مسار وطني واضح وسياسات وإجراءات مقنَّنة، بالإضافة إلى ما أشرنا إليه في مقالنا السابق، ما يأتي:
• حوادث السَّير: حيث تظهر بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات انخفاضًا كبيرًا في عدد الحوادث المسجَّلة من (6,279) حادثًا في (2015) إلى (1,545) في (2025)، أي انخفاض يقارب (75.4%). في حين أن الوفيات ظلَّت مرتفعة نسبيًّا ولم تنخفض بالمعدَّل نفسه؛ فقد بلغت (595) وفاة في (2025) مقابل (675) في (2015)، أي انخفاض بنحو (11.9%) فقط، مع تذبذب واضح خلال الفترة؛ وفي عام (2025) تحديدًا، سجَّلت السلطنة (1,545) حادثًا، و(595) وفاة، و(1,597) إصابة، مقابل (1,854) حادثًا و(586) وفاة و(1,936) إصابة في (2024). أي أن الحوادث انخفضت (16.7%) تقريبًا، والإصابات انخفضت (17.5%)، بينما ارتفعت الوفيات قليلًا بنحو (1.5%). على أن الإحصائيَّات تُشير أيضًا إلى أن السُّرعة كانت السَّبب الأكبر في (2025) بواقع (674) حادثًا، و(649) إصابة، و(277) وفاة. وفي عام (2024)، تسببت السُّرعة في (768) حادثًا و(808) إصابات و(248) وفاة.
ورغم هذا الانخفاض، إلَّا أنَّ الحوادث المُميتة التي حصلت في السنتين الأخيرتين، ومنها الحادث الذي أودى بحياة (6) نساء عُمانيَّات في ولاية سمائل، باتت تلقي بثقلها على هذا الملف؛ نظرًا لِمَا يترتب على حوادث السَّير من تداعيات عظيمة وآثار جسيمة نفسيَّة وصحيَّة واجتماعيَّة وفكريَّة وإنسانيَّة، وتأثيرات على المدى القريب والبعيد في حياة الأُسر التي أغلقت بعض بيوتها، أو غياب أحَد الوالدين أو معيل الأُسرة، ناهيك عن التأثير التنموي المرتبط بهذه الحوادث، سواء من خلال استنزاف الموارد والعلاجات في المستشفيات، وتداعياتها على البنية السكانيَّة للمُجتمع ونُمو الأُسرة، ناهيك عن تأثيراتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي يصعب التعامل معها أو تحتاج إلى معالجات ومراجعات كثيرة تطول تفاصيل الحياة اليوميَّة ومنطوق السُّلوك اليومي في المُجتمع، عبر تكثيف برامج التَّوعية والتثقيف والمحفِّزات والعقوبات، والتي تستدعي اليوم تَبنِّي سياسات وطنيَّة في معالجة استمرار النزف والفواجع في الشوارع، وما أضافته الشاحنات من بُعد آخر أصبح أحَد مسبِّبات الحوادث المروريَّة المُميتة، ما يستدعي تَبنِّي سياسات وطنيَّة وإجراءات وضوابط ناجعة للحدِّ من الحوادث المروريَّة.
• ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل: تواجه بيانات الباحثين عن عمل حالة من الضبابيَّة والتباينات وعدم الوضوح، ولعلَّ السَّبب في ذلك يرجع إلى التداخل في الفَهْم بين عدد الباحثين عن عمل المسجَّلين ومعدَّل الباحثين عن عمل؛ فعلى سبيل المثال، صرَّح وزير العمل في يناير (2026) بأنَّ عدد الباحثين عن عمل بلغ (74) ألفًا حتى نهاية نوفمبر (2025)، بينما تُشير تصريحات أخرى في (2025) إلى تجاوز عدد الباحثين حاجز (100) ألف في سياق مختلف. أمَّا بالنسبة إلى معدَّل الباحثين عن عمل، فتظهر بيانات المركز للفئات المختلفة تغيُّرات واضحة، ومنها أن معدَّل الباحثين في الفئة العُمانيَّة (18–24) سنة بلغ (18.09%) في (2025) مقابل (12.51%) في (2024)، بينما بلغ (13.45%) في (2023) و(15.79%) في (2022)، وفي ديسمبر (2025) كان معدَّل الباحثين عن عمل لجميع الفئات في بيانات المركز (2.8%)، مقابل (3.3%) لعام (2024) في المؤشِّر المقارن، مع ارتفاع كبير في معدَّل الإناث مقارنةً بالذكور.
ولا شك فإنَّ ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل له تداعياته السلبيَّة ومخاطره الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسكانيَّة في مُجتمع فتي يُشكِّل الشَّباب والفئة (18–20) ما نسبته (18%) من أعداد السكَّان، ناهيك عن تأثيرات الباحثين عن عمل على القوَّة الشرائيَّة وحركة السُّوق والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والضغط على الأُسر، والضغط على منظومة الحماية الاجتماعيَّة والمطالبات باستحداث منفعة الباحثين عن عمل، في ظلِّ ارتفاع أعداد المسرَّحِين العُمانيين من القِطاع الخاص، الأمْر الذي يُشكِّل فيه ارتفاع الباحثين وأعداد المسرَّحِين من ارتفاع المُشْكلات الجرميَّة والظواهر السلبيَّة المتعلقة بالأموال، وفي الوقت نفسه ترفع مُشْكلة الباحثين عن عمل والمسرَّحِين من مُشْكلات الطلاق للمسرَّحِين أو عدم الزواج للباحثين عن عمل، وبما يعنيه ذلك من أن هذه الظواهر لم تَعُد نتائجها منفصلة عن الأخرى، بل يظهر فيها الترابط والعلاقات، وأن استمرار هذا الأمْر به تداعياته على الأمن الاجتماعي والجرائم والظواهر السلبيَّة، ناهيك عن خلَل في منظومة القِيَم والأخلاق، وقد تكون أحد الأسباب خلف العديد من الجرائم المرتبطة بالأموال، كالسرقة، والمسبِّب الرَّئيس لكلِّ هذه الظواهر، والتي تؤثِّر على أمن واستقرار المُجتمع.
• ارتفاع مؤشِّر الجرائم: حيث كشفت النيابة العامَّة في مؤتمرها السَّنوي عن جملة من المؤشِّرات والإحصاءات المتعلقة بالقضايا الجرميَّة المسجَّلة خلال عام (2025)، حيث أظهر تصنيف الجرائم تصدُّر الجرائم المرتبطة بقانون العمل قائمة الجرائم الأكثر تسجيلًا بـ(22,309) قضيَّة، وبنسبة (25.7%)، تلتها جرائم الشيكات (10,482) بنسبة (12.1%)، ثم جرائم قانون إقامة الأجانب (9,493) بنسبة (10.9%)، وجرائم الاحتيال (6,765) بنسبة (7.8%)، وجرائم السرقة وابتزاز الأموال (4,166) بنسبة (4.8%)، وجرائم قانون المخدِّرات والمؤثِّرات العقليَّة (4,131) بنسبة (4.8%)، والجرائم الماسَّة بحُريَّة الإنسان وكرامته (4,048) وبنسبة (4.7%)، ثم جرائم تقنيَّة المعلومات والمعاملات الإلكترونيَّة (3,834) وبنسبة (4.4%)، وجرائم قانون المرور (3,723) بنسبة (4.3%)، وأخيرًا جرائم قانون حماية المستهلك (3,689) بنسبة (4.2%)؛ أمَّا جغرافيًّا، فقد تصدَّرت محافظة مسقط عدد القضايا (23,748)، ومحافظة شمال الباطنة (10,744)، تليها محافظة ظفار (6,179).
وبالتَّالي، ما تعنيه هذه المؤشِّرات من أنَّنا أمام مرحلة جديدة في فَهْم السُّلوك الجرمي، مرحلة تتجاوز توصيف الظاهرة إلى تَبنِّي آليَّات وطنيَّة فاعلة لتوظيفِ هذه المؤشِّرات كنقطة انطلاق لبناء مسار وطني متكامل، يُعيد رسم آليَّات التعامل مع الجريمة، ويؤسِّس خريطة عمل واضحة للمواجهة، في ظلِّ الاتجاه المتصاعد نحو الجرائم الواقعة على القوانين والجرائم الواقعة على الأموال. فهذه المؤشِّرات ـ على الرّغم ممَّا حملته أحيانًا من صدمة للرأي العام ـ تعكس مستوى خطورة يستوجب أعلى درجات اليقظة والجاهزيَّة والاستعداد، وبناء سيناريوهات مدروسة للتعامل معها، في إطار من الحكمة والوعي والذَّكاء المؤسَّسي، بما يُعزِّز الانتقال من منطق ردود الفعل الجزئيَّة إلى العمل الجمعي المنظَّم، القائم على التشخيص الدَّقيق، والاستباقيَّة، والوقاية.
أخيرًا، لم يَعُد من المنطق اليوم تجاهل هذه الظواهر أو الهروب من التعامل معها، بحجَّة أنَّها ليست في قاموسنا الاجتماعي، لِتبقَى واقعًا يفرض نفسه بقوَّة، في ظلِّ معطيات اقتصاديَّة واجتماعيَّة وتقنيَّة داعمة، وتبقى الحكمة في إدارة هذه الظواهر وسرعة استكشافها، والانتقال من مرحلة ردَّة الفعل إلى كفاءة أدوات التشخيص، وبناء استراتيجيَّات المواجهة المنظّمة والمؤطرة، في ظلِّ رفع سقف برامج التَّوعية والإعلام الوقائي، واستشعار الجميع لمسؤوليَّاته الوطنيَّة والأخلاقيَّة والدينيَّة في التعامل مع هذه الظواهر، حتى لا تتحولَ إلى خطر يصعب مواجهته.
د.رجب بن علي العويسي