يحمل ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة في سلطنة عُمان الذي كشفت عنه الإحصاءات الأوَّليَّة الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، العديد من الدلالات أبرزها ـ في تقديري ـ جاذبيَّة الاقتصاد العُماني وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال مستفيدًا في ذلك من الاستقرار السياسي الذي يُعَدُّ عنصرًا أساسيًّا في جذب الاستثمارات الأجنبيَّة.
ووفقًا للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة بنسبة (6.4%) بنهاية الرُّبع الثاني من عام (2026)م، مقارنةً بالفترة المماثلة من عام (2025)م، لِيبلغَ نحو (32.211) مليار ريال عُماني، فيما بلغت التدفقات الاستثماريَّة نحو (1.932) مليار ريال عُماني.
وحسب الإحصاءات نفسها، تصدر تلك الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة كل من قِطاع استخراج النفط والغاز، وقِطاع الصناعات التحويليَّة، حيث زاد استقطاب النفط والغاز للاستثمارات بنسبة (5.7%)، مُسجلًا استثمارات مباشرة بأكثر من خمسة وعشرين مليار ريال عُماني بنهاية الرُّبع الثاني من عام (2026)م، مستحوذًا على النصيب الأكبر من حجم الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة في تلك الفترة.
ويرى المراقبون الاقتصاديون أن تركيز الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة على قِطاع النفط والغاز في فترة الرُّبع الثاني للعام الحالي يعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها الأهميَّة الاستراتيجيَّة للنفط والغاز في الاقتصاد العالمي والحاجة العالميَّة الماسَّة له في ظلِّ الظروف الجيوسياسيَّة المعاصرة، فضلًا عن تمتُّع سلطنة عُمان باحتياطيَّات وموارد قابلة للاستثمار وبنية أساسيَّة طوَّرتها بإتقان في مجالات الإنتاج والنقل والتصدير.
وكما هو معروف أن مشروعات استخراج النفط والغاز ـ ولا سيما المرتبطة بتطوير الحقول ورفع كفاءة الاستخراج وإنتاج الغاز ـ تتطلب رؤوس أموال كبيرة وخبرات وتقنيَّات متخصِّصة، في حين أن السَّائد في عالم الأعمال الاقتصاديَّة أن «رأس المال جبان» ولا يُقْدم على المشروعات الكبرى بدون دراسات معمقة تَضْمن نجاح عمليَّاته، وبالنتيجة نجد أن إقبال الشركات الدوليَّة ذات القدرات الماليَّة والفنيَّة على أن تكونَ شريكًا مُهمًّا في تنفيذ مشروعات نفطيَّة بسلطنة عُمان دلالة لها أهميَّتها الاقتصاديَّة وتأكيد على تميُّز أداء هذا القِطاع في عُمان.
وعلاوةً على كل ذلك، فإن الطلب العالمي على الطاقة واحتياجات الأسواق إلى الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء والصناعات المختلفة، وسهولة وصول النفط العُماني إلى الأسواق العالميَّة، جميعها عوامل تُعزِّز من جاذبيَّة قِطاع استخراج النفط والغاز العُماني للاستثمارات المباشرة.
أمَّا نَيْل قِطاع الصناعات التحويليَّة المرتبة الثانية في تفضيل الاستثمار الأجنبي المباشر لها بنهاية الرُّبع الثاني من عام (2026)م وبلوغها نحو (2.830) مليار ريال عُماني، بنُمو نسبته (4.7%)، فإنَّ ذلك يعكس وفق الاقتصاديين أهميَّة المُقوِّمات الصناعيَّة التي تتمتع بها عُمان، وفي مقدِّمتها البنية الأساسيَّة للمناطق الصناعيَّة والاقتصاديَّة والموانئ، وتوافر الطاقة وسهولة الوصول إلى الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة.
كما أن ارتباط بعض الصناعات التحويليَّة بقِطاع النفط والغاز، مثل البتروكيماويَّات والأسمدة والمنتجات المعدنيَّة، يتيح للمستثمرين الاستفادة من المواد الأوَّليَّة المحليَّة، وتحويلها إلى منتجات ذات قِيمة مضافة أعلى بدلًا من تصديرها في صورتها الخام.
كما تتزايد جاذبيَّة هذا القِطاع أيضًا مع تنامي الفرص بالصناعات الغذائيَّة والدوائيَّة ومواد البناء والصناعات المرتبطة بالطاقة المُتجدِّدة، مع إمكانيَّة الاستفادة من الاتفاقيَّات التجاريَّة وشبكات النقل والخدمات اللوجستيَّة، علاوةً على أن هذه الأنشطة توفِّر فرصًا لتوسيع الصادرات، وإيجاد وظائف تخصُّصيَّة، وتعزيز الروابط بين الشركات الأجنبيَّة والمحليَّة.
وانطلاقًا من أهميَّة هذا الإنجاز المتمثِّل في زيادة حجم الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة، فإنَّ المرحلة المقبلة تتطلب توجيه مزيدٍ من الجهود نحو تعزيز جاذبيَّة الاستثمار في القِطاعات التقنيَّة والسياحيَّة واللوجستيَّة، مع تعزيز المحتوى المحلِّي.
وعليه، فإنَّ نمو الاستثمارات الأجنبيَّة المباشرة بقدر ما أنَّه يُمثِّل مؤشِّرًا إيجابيًّا على استمرار جاذبيَّة الاقتصاد العُماني، فهو أيضًا يسلِّط الضوء على هيمنة قِطاع النفط والغاز بحكم زيادة الطلب العالمي على الطاقة، غير أن ما يدعو لاتِّساع دائرة التفاؤل هو أن سلطنة عُمان تمضي بخُطى مدروسة نحو تسريع التنويع الاقتصادي مرتكزة في ذلك على رؤية «عُمان 2040» ممَّا سيؤدِّي بالنتيجة إلى تحويل التدفُّقات الاستثماريَّة إلى مشروعات منتِجة ومستدامة تُسهم في بناء اقتصاد متنوِّع وقادر على المنافسة ومواكَبة المتغيِّرات الاقتصاديَّة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»