السبت 24 أكتوبر 2026 م - 13 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

إرث التاريخ وشراكة المستقبل

إرث التاريخ وشراكة المستقبل
السبت - 24 أكتوبر 2026 02:50 م

جودة مرسي

تأتي زيارة «دولة» التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ في الـ(19) من أكتوبر الجاري إلى المملكة المُتَّحدة، لِتفتحَ نافذةً جديدة لتطوير الشراكة الاستراتيجيَّة في كافَّة المجالات الاقتصاديَّة والدبلوماسيَّة بين الدولتين، بل إنَّها ليست مجرَّد محطَّة جديدة في سجلِّ العلاقات العُمانيَّة البريطانيَّة الراسخة على مرِّ التاريخ، بل تُمثِّل نموذجًا للعلاقات الدوليَّة بين أعرق العلاقات الدوليَّة في المنطقة. فعندما يستضيف جلالة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا سُلطان عُمان في قلعة ويندسور، في أول زيارة «دولة» لسُلطان عُماني إلى بريطانيا منذ عام (1982)، فإنَّ رمزيَّة الحدث تتجاوز مظاهر الاحتفاء الملكي الكبير، لِتُعبِّرَ عن مكانة علاقة استندت إلى قرون من التواصل والمصالح المشتركة، وتطوَّرت مع تغيُّر الظروف الإقليميَّة والدوليَّة التي تحمل رصيدًا تاريخيًّا كبيرًا بين قيادة وشَعب الدَّولتين. وعلى امتداد التاريخ، لم تكُنِ الجغرافيا وحدها هي التي جمعت سلطنة عُمان والمملكة المُتَّحدة، بل تداخلت المصالح المشتركة بينهم، إلى جانب قنوات الحوار السياسي التي اكتسبت أهميَّة خاصَّة في المنطقة، تجدَّدت عبر العصور على قواعد الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، التي ترجمت إلى تعاون أكثر تنوُّعًا، فامتدَّت إلى قِطاعات الاقتصاد والتكنولوجيا. وإذا قرأنا أحَد أبعاد الزِّيارة، نجد أنَّها تتجاوز البُعد الاقتصادي إلى تعزيز التبادل التجاري واستقطاب الاستثمارات النوعيَّة ونقل المعرفة، وهذا ما يميِّز الشركات والمؤسَّسات البريطانيَّة التي لديها خبرات كبيرة في مجالات مختلفة مثل الخدمات الماليَّة، الطاقة المُتجدِّدة والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا؛ والذي يتلاءم في سلطنة عُمان مع فرصٍ استثماريَّة وموقع استراتيجي وبنية لوجستيَّة ومناطق اقتصاديَّة، تستطيع تحويل العديد من الاتفاقات بين البلدين إلى مشروعات منتِجة، واستثمارات طويلة الأجل، وفرص عمل؛ وكلُّها قِيمة مضافة للاقتصاد العُماني. كما تكتسب الشراكة السياسيَّة بين سلطنة عُمان والمملكة المُتَّحدة أهميَّة بالغة على مرِّ التاريخ لِمَا لموقع سلطنة عُمان الاستراتيجي بالنسبة للخليج ومضيق هرمز والذي يمنحها وزنًا استراتيجيًّا فريدًا بين دول العالم، بالإضافة إلى قدرة السلطنة سياسيًّا على الحوار مع الأطراف المختلفة بحضورها الدبلوماسي الدَّاعم دائمًا للسِّلم الدولي، والذي يُعلي من قدرتها على توفير مساحة للتنسيق وتبادل الرؤى، مع احترام المصالح الوطنيَّة لكل طرف.

إنَّ الترحيب الكبير وحفاوة الاستقبال لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ وقوَّة الرسائل السياسيَّة التي بعثتها مراسم الاستقبال الرسميَّة، يعني نجاح الزِّيارة وتحقيق أهدافها، وأنَّها تنبئ عن زيادة التعاون المثمر بين البلدين خلال السنوات المقبلة. فبريطانيا من جانبها تبحث عن شراكات مستقرَّة وفرص اقتصاديَّة واستراتيجيَّة في منطقة حيويَّة، بينما تسعى سلطنة عُمان إلى تنويع اقتصادها، وتعزيز قدرتها التنافسيَّة، وترسيخ حضورها الدولي، لِتنتقلَ الزِّيارة من الاحتفاء بتاريخ مشترك إلى الاستثمار في مستقبل مشترك، تاريخ يمنح العلاقة عُمقها، ومصالح متبادلة تمنحها أسباب الاستمرار. ففي العلاقات الدوليَّة، لا يكفي أن يكونَ التاريخ طويلًا؛ الأهم أن يكونَ المستقبل أوسع.

إنَّ زيارة «دولة» التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ إلى المملكة المُتَّحدة، والاستقبال الكبير، ألقت الضوء على العديد من المحاور، سواء السياسيَّة أو الاقتصاديَّة أو الاستراتيجيَّة، بما يتناسب مع التحوُّلات الاقتصاديَّة والجيوسياسيَّة التي يشهدها العالم، والتي تتلخص بالتأكيد على استمرار الشراكة التي امتدَّت على مرِّ التاريخ، رغم اختلاف تغيُّر الظروف، وهذا يتضح من خلال الوفد الرَّسمي المُرافق لجلالة السُّلطان المُعظَّم، لِتعطيَ بُعدًا عمليًّا للحديث عن الاستثمارات والتعاون الاقتصادي، واستراتيجيًّا، أهميَّة موقع سلطنة عُمان في المنطقة، وخصوصًا موقعها البحري ودَوْرها الدبلوماسي، بالإضافة لسمعتها العالميَّة كدولة راعية ومُحبَّة للسَّلام، يجعل الاقتصاد أحَد أهمِّ أهداف المستثمرين الباحثين عن الاستثمار في المناخ الآمن؛ إنَّها حكاية تاريخيَّة يزيِّنها الاحترام المتبادل والتعاون المشترك الذي يخدم المصالح المشتركة بين البلدين.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير « الوطن»