الأربعاء 21 أكتوبر 2026 م - 10 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

خصوصية التجربة العُمانية فـي إدارة العلاقة مع بريطانيا

خصوصية التجربة العُمانية فـي إدارة العلاقة مع بريطانيا
الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 02:55 م

خميس بن عبيد القطيطي

10

العلاقات العُمانيَّة ـ البريطانيَّة، على امتداد تاريخها الطويل، لم تكن مجرَّد علاقة بين دولة خليجيَّة وقوَّة غربيَّة كبرى فحسب، بل كانت أيضًا اختبارًا لقدرة الدَّولة العُمانيَّة على صون استقلال قرارها السياسي، والاستفادة من علاقاتها الدوليَّة دون التفريط في سيادتها الوطنيَّة. وتكتسب الزِّيارة الرسميَّة التي بدأها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة المُتَّحدة في الـ(19) من أكتوبر (2026م) بدعوة كريمة من جلالة الملك تشارلز الثالث أهميَّة خاصَّة، فهي أول زيارة «دولة» لسُلطان عُماني إلى بريطانيا منذ زيارة السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ في مارس (1982م). هذه الزِّيارة تفتح نافذة للتأمل في مسار العلاقات العُمانيَّة ـ البريطانيَّة، بما تحمله من امتداد تاريخي طويل ومصالح سياسيَّة واقتصاديَّة وأمنيَّة متشابكة، وما تعكسه من خصوصيَّة التجربة العُمانيَّة في التعامل مع القوى الدوليَّة الكبرى. هذه العلاقة التي تجاوز عمرها قرنين من الزمن لا يمكن قراءتها من زاوية المصالح المشتركة فحسب، بل ينبغي فهمها أيضًا في ضوء حقيقة راسخة، وهي أنَّ عُمان استطاعت إدارة تلك العلاقة بشكل يُلبِّي مصالحها الوطنيَّة، وأن تحافظَ على شخصيَّتها السياسيَّة المستقلَّة، وأن تديرَ دفَّة علاقاتها الدوليَّة وفق حساباتها الوطنيَّة ومصالحها الاستراتيجيَّة. تعود جذور العلاقات العُمانيَّة ـ البريطانيَّة إلى قرون مضت، حيث فرض الموقع الجغرافي لعُمان المطل على المحيط الهندي وبحر العرب وبالقرب من مضيق هرمز، أهميَّة استثنائيَّة على حركة التجارة والملاحة الدوليَّة. كما شهدت العلاقة محطَّات مُتعدِّدة، من بينها اتفاقيَّة الصَّداقة الموقَّعة عام (1798)م التي مثَّلت منعطفًا مُهمًّا في تنظيم العلاقات بين الجانبين، ثم اتفاقيَّات لاحقة عزَّزت الروابط التجاريَّة والدبلوماسيَّة. وعلى الرغم من أنَّ تلك المرحلة كانت جزءًا من التنافس الاستعماري الأوروبي على طُرق التجارة والنفوذ البحري، إلَّا أنَّ عُمان لم تتحول إلى مستعمرة بريطانيَّة طوال تاريخها، وظلَّت تحتفظ بكيانها السياسي وسيادتها، حتى في الفترات التي اتَّسع فيها النفوذ البريطاني في المحيط الإقليمي. مع قيام النهضة العُمانيَّة الحديثة عام (1970)م بقيادة السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ دخلت العلاقات بين البلدين مرحلةً جديدة اتَّسمت بتعزيز التعاون في بناء مؤسَّسات الدَّولة الحديثة، وتطوير قدراتها العسكريَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة. ولم تكُنِ الاستفادة من الخبرات البريطانيَّة تعني ارتهان القرار العُماني، بل جاءت في إطار احتياجات دولة تعمل على تحديث مؤسَّساتها وترسيخ استقرارها وبناء قدراتها بما يتناسب مع تحدِّيات المرحلة. وهنا تبرز إحدى السِّمات المهِمَّة في التجربة العُمانيَّة، وهي القدرة على الاستفادة من الشراكة الدوليَّة في الوقت الذي لم تسمح بتحوُّل تلك الشراكة إلى أداة للتدخل في القرار الوطني. ارتبطت العلاقات العُمانيَّة ـ البريطانيَّة بتقاطع المصالح في قضايا الأمن الإقليمي، واستقرار الخليج، وأمن الممرَّات البحريَّة. غير أنَّ أهميَّة هذه العلاقة لا تكمن في اتفاق الطرفين على جميع القضايا، وإنَّما في قدرة عُمان على الاحتفاظ بمساحة مستقلَّة للحركة الدبلوماسيَّة لِتكرسَ محوريَّتها في القضايا الإقليميَّة والدوليَّة، حتى عندما تتباين الرؤية العُمانيَّة مع تقديرات القوى الغربيَّة؛ فقد تبنَّت سلطنة عُمان نهجها المعتمد على الحوار مع الأطراف المتخاصمة، وحافظت على قنوات اتِّصال مع دول وقوى قد تكون علاقاتها متوتِّرة مع لندن أو واشنطن، انطلاقًا من قناعة راسخة بأنَّ الدبلوماسيَّة الفاعلة لا تُقاس بمدى تطابق المواقف مع الحلفاء، بل بالقدرة على تخفيف التوتُّر وفتح مسارات التسوية. وقد تجلَّت هذه الخصوصيَّة في السياسة العُمانيَّة تجاه الأزمات الإقليميَّة، وفي الأدوار التي اضطلعت بها العاصمة العُمانيَّة مسقط في تيسير الاتِّصالات بين أطراف متعارضة، وفي حرصها على عدم تحويل أراضيها أو علاقاتها الدوليَّة إلى منطلق للمواجهة مع الدول الإقليميَّة، وهي سياسة ناجعة يحترمها الجميع، وفق رؤية سياسيَّة تعدُّ أنَّ الاستقرار الوطني لا ينفصل عن استقرار المحيط الإقليمي، وأنَّ الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوى المختلفة يمنح سلطنة عُمان قدرة أكبر على أداء دَوْرها الموثوق.

المجال الدِّفاعي والعسكري كان أحَد أبرز مجالات التعاون بين البلدين، حيث تطوَّرت تلك العلاقات بصورة لافتة، سواء عبر التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات، أو من خلال المناورات المشتركة والتعاون في المجالات الأمنيَّة والدفاعيَّة. وشكَّلت اتفاقيَّة الدِّفاع المشترك التي وُقِّعت عام (2019)م محطَّة مهِمَّة في هذا المسار. وقد عكست الاتفاقيَّة رغبةً مشتركة في تعزيز التعاون الاستراتيجي وتطويره بما يخدم مصالح البلدين. لكن القراءة المتوازنة لهذا التعاون تقتضي التأكيد أنَّ الشراكة الدفاعيَّة مهما بلغت أهميَّتها، لا تعني أنَّ القرار السيادي للدَّولة الشريكة يصبح مرتبطًا بقرار الطرف الآخر، والمملكة المُتَّحدة تُدرك هذه المسألة بقدر إدراكها لأهميَّة علاقتها التاريخيَّة مع سلطنة عُمان، على اعتبار أن لكل دولة مصالحها وتقديراتها ومسؤوليَّتها عن أمنها الوطني وخصوصيَّتها السياسيَّة، خصوصًا في العقود الخمسة الأخيرة، بل إنَّ المملكة المُتَّحدة رُبَّما استنارت بوجهة النظر السياسة العُمانيَّة في قضايا المنطقة. المجال الاقتصادي انتقلت العلاقة من نطاق التبادل التجاري التقليدي إلى آفاقٍ أوسع تشمل الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والخدمات والتعليم. كما تكتسب اتفاقيَّة الشراكة الاستثماريَّة الموقَّعة عام (2022) بين جهاز الاستثمار العُماني ومكتب الاستثمار البريطاني أهميَّة خاصَّة في هذا الصَّدد؛ حيث تستهدف توسيع الاستثمارات ذات القِيمة المضافة، ومن بينها مجالات الطاقة النظيفة وتقنيَّة المعلومات. واليوم تعكس حركة التجارة والاستثمار بين البلدين إمكانات قابلة للنُّمو في ضوء رؤية «عُمان 2040» الرَّامية إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز مساهمة القِطاعات غير النفطيَّة، وجذب الاستثمارات النوعيَّة، وتعزيز مصادر الدخل الوطني، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاستدامة. وتشير البيانات إلى أنَّ حجم التبادل التجاري بلغ نحو (384.7) مليون ريال عُماني في عام (2025)م. وهنا تبرز أهميَّة المرحلة المقبلة، فالعلاقات التاريخيَّة لا ينبغي أن تظلَّ حبيسة رمزيَّتها أو متانة الروابط السياسيَّة، بل يتعيَّن أن تتحولَ إلى نتائج اقتصاديَّة ملموسة بشكلٍ أوسع، وفرص واعدة في توطين الصناعات، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وشراكات إنتاجيَّة تُسهم في تطوير القدرات الوطنيَّة العُمانيَّة. ومن شأن هذه الزِّيارة السَّامية أن توفِّرَ فرصة لتعزيزِ المسار الاقتصادي، وتوسيع مجالات التعاون بما يُحقِّق مصالح متبادلة، ومواكَبة التحوُّلات الاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة المتسارعة. التجربة العُمانيَّة ـ البريطانيَّة تقدِّم نموذجًا استثنائيًّا في العلاقات الدوليَّة، ففي الوقت الذي شهدت فيه علاقات عددٍ من دول الشرق بالقوى الغربيَّة أنماطًا من التبعيَّة أو التدخل المباشر أو الضغوط التي أثَّرت في استقلال القرار الوطني، حافظت سلطنة عُمان خلال العقود الخمسة الماضية على مساحة من استقلال القرار الوطني، وقد تجلَّى ذلك في سياسات سلطنة عُمان الخارجيَّة وتحديد أولويَّاتها، لا سِيَّما في تموضع عُمان السياسي المستقل في الأزمة الأخيرة بين الولايات المُتَّحدة وإيران، مع أنَّ العلاقات الدوليَّة لا تخلو من التأثير والتأثر، لكن مسقط احتفظت بقدرتها على اتِّخاذ مواقف مستقلَّة تنطلق من رؤيتها لمصالحها الوطنيَّة والإقليميَّة.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]