الخميس 21 مايو 2026 م - 4 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : لماذا نشتاق للماضي

نبض المجتمع : لماذا نشتاق للماضي
الأحد - 14 أبريل 2024 05:42 م

د. خصيب بن عبدالله القريني

30


لماذا دائمًا نحنُّ للقديم من الأشياء والأماكن وحتى البشر؟ لدرجة أنَّ المَثل الدارج يقول (قديمك نديمك) بمعنى أنَّ القديم صاحب وصديق لا يستغنى عنه، فهو بمثابة النديم لك دائمًا، هل لأنَّنا فقدناها ودائمًا لا تظهر الأشياء على حقيقتها إلَّا عندما نخسرها؟ أم لأنَّنا لم نجد ما يناظرها في حياتنا الحاضرة وبالتَّالي نتشوق إلى عودة الماضي والأشياء القديمة؟ والسؤال الأهم: هل الجميع لديه هذا الإحساس أو التوجُّه أو الشعور؟ أم أنَّ هنالك أشخاصًا معينين وبمواصفات محددة ينحون لهذا التوجُّه؟ وإذا كان كذلك، فما هي مواصفاتهم؟

حتى بداية الألفية الجديدة كانت في الولاية الواحدة مدرسة ثانوية واحدة فقط للذكور وأخرى للإناث قبل أن تزيد الأعداد وتكثر المدارس، كانت ميزة تلك المدرسة أنَّها تجمع جميع أبناء الولاية من أقصاها إلى أقصاها، كانت الميزة أنَّ لديك معارف وصداقات على امتداد قرى الولاية وليس حكرًا على قرى لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة كما هو الحال حاليًّا، كان الجميل في الأمر تنوع الثقافات واللهجات والأفكار في الولاية الواحدة الناتج من تنوع طبيعة القرى الموجودة بها أيضًا، ندرك نحن جيل السبعينيات أهمية ذلك في وجود علاقات اجتماعية متنوعة على امتداد الولاية، في وقت سينحرم من هذه العلاقات الجيل الحالي التي سيكون نطاق صداقاته وعلاقاته محصورة في قرى المدرسة التي تخدمها، سيكون الماضي لاحقًا محصورًا في عدد محدود من الأشخاص موجودين دائمًا معك وأمام ناظريك، لن تستلهم أهمية الغياب كما نمارسه نحن وكما شعرت به عندما التقيتُ على مدار الفترة الماضية بزملاء الدراسة في تلك المرحلة وهم من قرى متباعدة عن تلك التي أقطنها. بمعنى أنَّني لم أشاهدهم منذ فترة طويلة نتيجة البعد المكاني، كم كان شعورًا جميلًا أن تعيد التواصل معهم، كم هو رائع أن تسمع حديثهم الذي يمزج ما بين الماضي والحاضر، كم هو ممتع أن تسأل عن فلان وأين هو الآن؟ وهل تلتقي به أم لا؟ كم هو حجم الشوق الذي ينتابك وأنت تقترح أهمية وجود لقاء يجمع الجميع في مكان معيَّن لاسترجاع تلك الحقبة التاريخية التي مرَّت منذ أكثر من ثلاثين عامًا، مرَّت ولم ننسَها رغم انشغالاتنا ورغم مرور هذه المدَّة الطويلة.

إنَّه الحنين للماضي في هيئة شخوص، رغم مرور الزمن تجد نفسك مدفوعًا بالعودة لهم، بالسؤال عنهم، رغم أنَّك مدرك في قرارة نفسك أنَّه لا يمكن أن تعودَ الأمور كما كانت في الماضي، فلكل واحد منَّا له اهتماماته وصداقاته وعلاقاته المختلفة والتي ـ بلا شك ـ في اتجاه مغاير لما يفكر به الآخرون ولكن يظل الحنين لهؤلاء مختلفًا والسبب الرغبة المتجذرة في العودة للماضي. وإذا كان الأمر بهذه الصورة فيما يتعلق بالأفراد فالأماكن تأخذ حظها هي الأخرى من الحنين للماضي، فكم هو ممتع عندما تزور أماكن لها وقع خاص في ماضي حياتك، كما تتحسف على إزالتها في أحيان كثيرة، كم هو مؤلم حقًّا أن تمرَّ من مكان معيَّن ولا تجد أثرًا كانت لديك معه قصص وحكايات. أتذكر مثلًا سوق صحم القديم الذي تمَّت إزالته ولم يُعَد بناؤه، أتذكر ذلك المكان الذي كنَّا نذهب إليه ونحن صغار، يستحضرني هذا السوق كُلَّما أشاهد سوقًا قديمًا يشبهه في أيِّ مكان في العالم حتى ولو كان مجرَّد فيديو. الذاكرة نعمة من نِعم الله علينا، والأجمل عندما تستشعر هذه الذاكرة، فهي في النهاية مشاعر وأحاسيس تستجلي من خلالها ما يختلج في ذهنك وعقلك وقلبك، إنَّها السَّعادة في أبهى صورة عندما تتجلى لك في هيئة أشخاص أو أماكن أو حتى تواريخ مهمة في حياتك.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]