السبت 17 أكتوبر 2026 م - 6 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : المرأة العمانية فـي يومها السنوي: من التمكين إلى التمكن

في العمق : المرأة العمانية فـي يومها السنوي: من التمكين إلى التمكن
السبت - 17 أكتوبر 2026 02:55 م

د.رجب بن علي العويسي

10

لم يَعُد يوم المرأة العُمانيَّة، الذي يصادف السابع عشر من أكتوبر، احتفالًا عابرًا يتحدث عن إنجازاتها وموقعها في منظومات الدَّولة واستراتيجيَّات التنمية الوطنيَّة، بل أصبح يحمل في طيَّاته وغاياته الكثير من الدلالات والحقائق والاستحقاقات التي تعكس إنسانيَّة النهضة العُمانيَّة وعدالتها وأولويَّة الإنسان فيها. وأضحى هذا اليوم، بما يحمله من إحصائيَّات ومؤشِّرات وحقائق مُتجدِّدة ومسارات متنوِّعة، محطَّةً للتحوُّل في صناعة الإنسان وبناء الأوطان، وقراءةً أعمق لمؤشِّرات الإنجاز النَّوعي الناتج عن استحقاقات التمكين، وانعكاس التحوُّلات المُجتمعيَّة على دَوْر المرأة العُمانيَّة ومسؤوليَّتها في منظومة العمل الوطني.

وتبرز أهميَّة هذا اليوم في الانتقال من مفهوم «التمكين» إلى مرحلة «التمكُّن»، من خلال الاستفادة من فرص التنمية في تعزيز قدرة المرأة العُمانيَّة على امتلاك أدواتها، والتعامل مع متغيِّراتها، وترسيخ نماذج عمل إيجابيَّة تُعزِّز الوعي، وتغرس ثقافة القِيَم والمواطنة والعمل التطوُّعي. فالمرأة تمتلك أدوات تشخيص واقع السلوك الاجتماعي في الأُسرة والبيت وبيئة العمل، بما يتناغم مع طبيعة مسؤوليَّتها ومؤشِّرات السلوك الواعي والقِيَم الأصيلة، وقدرتها على تقريب هذه القِيَم من فَهْم الأجيال عبر أنماط التواصل اليومي معهم.

لذلك، أصبح التفاعل مع استحقاقات يوم المرأة العُمانيَّة يتجاوز الاحتفال بالمنجز الوطني للمرأة، أو مشاركة المرأة في صناعة منجز الدَّولة ومساهمتها الفاعلة فيه وموقعها الاستراتيجي في تشكيله، إلى تقييم أثَره في سلوك المرأة ومبادراتها وقناعاتها، وانعكاس ذلك على أبنائها ومحيطها الاجتماعي. وهنا تبرز تساؤلات مهِمَّة: كيف تقرأ المرأة العُمانيَّة وطنها في سياساته وخططه وبرامجه التي تستهدفها؟ وكيف يرى الآخر، من زوج وأب وابن وأخ، أثَر دَوْرها في سلوك الأبناء؟ وما المؤشِّرات الإيجابيَّة التي تعكس إسهامها في ترسيخ قِيَم التربية، وصناعة النماذج، وتعظيم القدوات، وسُمو الهدف، وعظمة الإرادة، وتحقيق الإنجاز بمفهومه الواسع؟

إنَّ نقل هذا الاهتمام إلى مستويات أعمق من التنمية المستدامة يُبرز مفاهيم التمكُّن الاقتصادي والثقافي والفكري وريادة الأعمال، ويُعزِّز قدرة المرأة على اتِّخاذ القرار الذَّاتي، وفَهْم حقوقها وواجباتها ومسؤوليَّاتها واستحقاقاتها، وتوظيف المساحات المتاحة لها في صناعة قرار رشيد يَضْمن حضورها الفعلي في حياة الأُسرة، ومشاركتها في رسم سياسات التطوير، ومواءمة ذلك كلِّه مع مسؤوليَّتها في إعداد الأجيال في مختلف مراحل حياتهم.

إنَّ ما وفَّرته الدَّولة من تشريعات وسياسات وممارسات وخطط وبرامج وفرص للنهوض بالمرأة العُمانيَّة، وتعزيز مشاركتها التنمويَّة يستهدف تمكينها من إتقان أدوات العمل، وامتلاك ناصية المبادرة، والقدرة على إثبات الذَّات في مواجهة التحدِّيات والتعامل مع الثغرات التي باتت تؤثِّر سلبًا في موقع المرأة في منظومة البناء والتنمية. لكن هذا التمكين ينبغي ألَّا يقفَ عند حدود سرد المنجزات بالأرقام والبيانات الإحصائيَّة، بل أن يتحولَ إلى إطار عمل يَضْمن تمكُّن المرأة من إحداث تحوُّل إيجابي في مسيرة التنمية، والإسهام في استدامتها، والقيام بأولويَّاتها في حياة المُجتمع. ويتطلب ذلك امتلاك معايير المسؤوليَّة في صناعة التحوُّل الاجتماعي، وقيادة روح المبادرة لدى الأجيال، وإعدادهم لتحمُّل مسؤوليَّاتهم، وتعزيز التأثير الإيجابي في حياة الرجُل، الشريك الآخر في المسؤوليَّة، والقدرة على تجاوز مظاهر التأثير السلبي التي باتت تضع المرأة في موقف محرج وموقع المسؤوليَّة. وهنا يتَّجه الحديث إلى المنصَّات الرقميَّة وحضور المرأة في منصَّات التواصل الاجتماعي، والغايات التي يجب أن تحكمَ هذا الحضور بما لا يفقدها أصالتها وهُوِيَّتها ودَوْرها المحوري، وتعظيم أثَرها الإيجابي في صناعة القدوات، وإنتاج النماذج، وبناء المواطنة الصالحة والمسؤوليَّة، وتأسيس الأُسرة الواعية، وتوجيه الأنظار إلى المكوِّن الأُسري، والمحافظة على استحقاقاته، والاعتراف بهيبة الأُسرة في ظلِّ حملات التشويه والتغرير الفكري وتسليع المرأة وتسطيح الصورة التي باتت تُقرأ فيها المرأة في عالمنا المتغيِّر.

كما تبرز أهميَّة قدرتها على تغيير العادات والسلوكيَّات، وتصحيح القناعات المتعلقة بالقضايا الاجتماعيَّة والقِيَميَّة والظواهر السلبيَّة والفكريَّة التي باتت تؤثِّر سلبًا في الاستقرار الاجتماعي، وأصبحت حربًا ناعمةً على الأخلاق والقِيَم والثوابت، وتداعياتها على الكيان الأُسري. وبالتَّالي، ينبغي أن يكون هذا اليوم مسافة أمان، واستنطاقًا للقِيَم، واستنهاضًا للثوابت، وتعظيمًا للفرص، وإعادة إنتاجها، وتثبيت موقع المرأة في رسم ملامح التحوُّل من خلال ما تمتلكه من مهارات واستعدادات وأساليب إقناع مبتكرة، تعالج حالات الإخفاق وتحفِّز النجاح في الأُسرة والمؤسَّسة وغيرها. وفي هذه المرحلة، تتاح للمرأة فرصة ابتكار بدائل واستراتيجيَّات تستوعب التحوُّلات في سلوك الأجيال، وتساعدهم على فَهْم واقعهم ومسؤوليَّاتهم، وبلوغ الأهداف السَّامية، وبناء مُجتمع التنمية والاقتصاد والمعرفة.

وإذا كانت المرأة اليوم مستهدفة بمختلف معطيات العصر، فإنَّها قادرة بفكرها وثقافتها وعقليَّتها على إعادة صياغة لَحْن الحياة، وإصلاح الخَلَل، وتصحيح المسار، ومواجهة الفتور في تحمُّل المسؤوليَّة. ومن شأن هذا التحوُّل في قراءة دَوْر المرأة العُمانيَّة أن يُعزِّزَ الثِّقة المتبادلة، ويُبرزَ قدرتها على توجيه الحياة اليوميَّة نحو القِيَم الحميدة والخصال المَجيدة، ونقل مفاهيم التنمية إلى عقل الإنسان ووجدانه وممارساته.

وعندها، يصبح حضور المرأة في المسؤوليَّة الوظيفيَّة امتدادًا لحضورها النَّوعي في المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، بما تمتلكه من قدرة على الضبط الأُسري، والاحتواء المُجتمعي، وإدارة السلوك التقني، واستيعاب المتغيِّرات في حياة الفرد والأُسرة والمُجتمع، والتعامل مع تحدِّيات الأمن الإنساني وانعكاساتها على سلوك الأجيال. كما تتعزَّز قدرتها على قراءة المُشْكلات الاجتماعيَّة بعُمق، في ظلِّ ارتفاع مؤشِّرات الطلاق والخُلع والتصدُّعات الحاصلة في العلاقات الأُسريَّة والاجتماعيَّة، ومعالجة سوء الفَهْم في العلاقات الزوجيَّة، التي تستدعي تمكُّن المرأة من إدارة واقعها وإثبات بصمة حضورها.

إنَّ نجاح المرأة في رسم معالم التحوُّل، وتثبيت معادلة القوَّة لصالح البناء الأُسري، سوف يصنع للتنمية نماذجها الرَّاقية، وكوادرها المَجيدة، وقياداتها الواعدة، فتتشارك مع المُجتمع تحدِّياته وطموحاته وآماله. وفي مختلف مواقعها، تجعل من التقييم والمراجعة سبيلًا لتجاوزِ الخَلَل ومواصلة الصعود في سُلَّم النجاح والتميُّز. ومن هنا، يصبح الاحتفال بيوم المرأة العُمانيَّة محطَّةً راقية في مَسيرة إنجاز الإنسان في سلطنة عُمان، وفرصةً لإضافة ألحان جديدة إلى جودة الحياة وقواعد السلوك.

ولأنَّ المرأة في موقع المسؤوليَّة ومكمن الريادة، فإنَّ الحاجة إلى دَوْرها تتعاظم في ظلِّ الظروف والمتغيِّرات المتسارعة؛ فهي راعية للنشء، عاملة في ظلِّ مبدأ، وقياديَّة في ظلِّ مسؤوليَّة، وأُم رؤوم، وأُخت حنون، تؤدِّي واجب النصيحة والتَّوجيه. وتمتلك من أدوات تشخيص السلوك الاجتماعي ما يمكِّنها من تقريب القِيَم الأصيلة من فَهْم الأجيال، وتعزيز أنماط التواصل الإيجابي معهم. لذلك، يصبح استحضار البُعد العميق والوعي المُتجدِّد والفَهْم المُتحقق في يوم المرأة نهضةً للفكر، وصناعةً للذَّات المتجدِّدة، واستحقاقاتٍ تصوغها المرأة العُمانيَّة من خلال تقييم مُكوِّنات الوطن وتشخيص احتياجاته، واستثمار ما تحمله من مبادئ وقِيَم وأخلاقيَّات في صناعة مستقبل تُقرأ ملامحه في تفوُّق أبنائها، وسُمو أخلاقهم، ونُبل صفاتهم.

وقد عزَّزت قدرتها على استشراف مسارات التنمية من إمكاناتها في تصحيح المفاهيم المغلوطة عنها، وتجاوز النظرة الضيِّقة إلى دَوْرها؛ فرسمت صورتها في وجدان الوطن، وأسْهَمت في تشكيل نظرة المُجتمع إليها بوصفها شريكًا فاعلًا في المسؤوليَّة والإنجاز. وبذلك، لم يَعُد التمكين مصدر قلق للمرأة العُمانيَّة، بقدر ما أصبح مسارًا للتحوُّل نحو القوَّة والوعي والعفاف، وإبراز الجمال في بساطته وعفويَّته، بعيدًا عن كل ما يمسُّ كرامة الذَّات أو يختزل قِيمة المرأة في مظاهر برَّاقة تخدش الحياء عبر منصَّات التواصل الاجتماعي وغيرها.

لقد أثبتت المرأة العُمانيَّة امتلاكها للوعي والثقافة الهادفة وقواعد السُّلوك الرَّصين التي تمنح حضورها قوَّةً ومكانةً. وهي تدرك أنَّ هذه الاستحقاقات تفرض عليها التميُّز بشخصيَّتها الأنثويَّة المهابة، واستلهام إرث ماجدات عُمان وعالماتها وأُمَّهاتها وبناتها المتفردات بحُسن الخُلق والعطاء. فهي تحمل الوطن في وجدانها، وتتشرَّب أخلاقه، وتُسهم في بناء لَبِناته، في مرحلة تكشف فيها الفضاءات المفتوحة عن متغيِّرات تؤثِّر في هُوِيَّة الأجيال وقناعاتهم وأفكارهم وخصوصيَّاتهم. لذلك، فتمكُّن المرأة العُمانيَّة يعني قدرتها على تحويل الفرص إلى أثَرٍ، والحقوق إلى مسؤوليَّة واعية، والقِيَم إلى ممارسة يوميَّة، لبناء مُجتمع آمِن ومطمئن، يَضْمن استدامة التنمية، ويهيئ أجيال الوطن للتعامل مع تحدِّيات المستقبل بثقة ووعي ومسؤوليَّة.

أخيرًا، فإنَّ ما قدَّمته المرأة العُمانيَّة في مَسيرة البناء والتطوير والتقدُّم والازدهار أكبر من أن يُختصرَ في مقال. وهي تحظى برعاية سامية من لدن المقام السَّامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السُّلطان المُعظَّم، والسَّيدة الجليلة حرم جلالة السُّلطان ـ حفظهما الله ـ، وتجسِّد معالمَها جهودُ مؤسَّسات الدَّولة، كأفضل ما يكون العطاء والاهتمام والمتابعة، وعلى رأسها وزارة التنمية الاجتماعيَّة الموقَّرة؛ لجعلِ الاحتفال بهذا اليوم محطَّةً فارقةً في مَسيرة نهضة عُمان المُتجدِّدة، وتعظيم الشراكة الفاعلة للمرأة في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، تجسيدًا لعاطر النُّطق السَّامي: «ونحرص على أن تتمتعَ فيه المرأة بحقوقها التي كفَلَها القانون، وأن تعملَ مع الرجُل جنبًا إلى جنب، في مختلف المجالات، خدمةً لوطنها ومُجتمعها».

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]