الأحد 18 أكتوبر 2026 م - 7 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

النفس

النفس
السبت - 17 أكتوبر 2026 02:53 م

سعود بن علي الحارثي

10

«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي».

«سورة يوسف، الآية (53)».

نفس الإنسان أتعبت الإنسان، فويل للإنسان من هوى نفسه! وما أخطر النفس على الإنسان عندما تعاند العقل، حارس الإنسان وهاديه إلى الحكمة والاستقامة، وتقاوم المنطق، وتنتصر على الرُّشد والصواب! فماذا تريد النفس من صاحبها؟ هل يتبعها شرقًا أم غربًا، يمينًا أو يسارًا؟ إذا كانت تريد الشيء ونقيضه في ذات الوقت، وتتّخذ القرار وتلغيه، وترغب في الأمر وتعافه، وتسير في الطريق وترجع عنه، وتمضي في تطبيق السياسات وتندم عليها، وتأمر بالإنجاز وتنهى عنه، تخاصم وتصالح، تصلح وتفسد، تفعل الخير وضدَّه، تثير غليلنا داخليًّا، تصهر المشاعر والأحاسيس على أتفه الأسباب، تتميَّز غيظًا فتقلق راحة الجسد على شكليَّات لا قِيمة لها، تغضب غضبًا شديدًا فترفع مستوى الضغط حدَّ الخطر، على خسارة حفنة صغيرة من المال تعادل ذرَّة في جبال من الثروة، تحسد وتبغض وتكره وتخادع وتمكر وتضرُّ، ولا يهنأ لها بال إلَّا إذا انتصرت على خصمها، وإن كان انتصارًا لا يساوي جناح بعوضة في مقاييس الانتصارات العظيمة والجليلة والمهيبة التي يخلِّدها التاريخ؛ صراعات وحروب، خصومات وإثارة للنعرات والفِتن، فضائح وهتْك للأعراض، سلْب للأرواح وتدمير للمنجز الإنساني ونهب للمال العام، تسفيه وتحقير للقِيَم والأعراف والثوابت... «والنفْس الأمَّارة بالسُّوء»، المُزيِّنة للشهوات، الباحثة عن الشُّهرة والشهوة وحقوق ومكاسب وامتيازات وحيازات ليست لها، وإنَّما تقع في دائرة المحرَّم، هي المحفِّز والمشجِّع والدَّافع والفاعل الذي يقف خلف كل الأعمال القذرة والدَّنسة الفاسدة. فيا أيُّها الإنسان، قوِّم نفسك، وراقبْها، واضبط سلوكها، وأصْلِح اعوجاجها، وصوِّب خطأها، وعارض شهواتها، واسْحَقها في ذات اللحظة قَبل أن تنشئَ لها بؤرًا للإغراء والتزيين والإثارة تشعل الجسد. والشاعر العربي يقول: «صلاح أمْرِك للأخلاق مرجعه * فقوِّم النفس بالأخلاق تستقم». وكون أنَّ الشيء بالشيء يُذكر، فقَبل أيَّام من إعداد هذا المقال، اتَّصل بي صديق تربطني به روابط حميمة، لديه مكتب محاماة اشتغل به، وأمضى وقته فيه لملء ساعات الفراغ بعد تقاعده من الوظيفة الحكوميَّة. سألتُه عن سَير المكتب وطبيعة القضايا التي ينظرها، ومستوى الأرباح الصَّافية التي يحصل عليها... شعرتُ ساعتها بأنَّني ضربتُ على الوتر الحسَّاس؛ فهذا الصَّديق أظهر ـ من محتوى ردوده وجديَّتها ونقاشاته المطوَّلة وانتقاله من موضوع إلى آخر ـ بأنَّه في حاجة للتعبير عمَّا تجيش به نفسه، والتحدُّث عن التراكمات والضغوطات التي يعيشها، على ضوء مضمون وأنواع القضايا التي يشتغل بها، وحديثه مع الناس الذين يستقبلهم في مكتبه، أو يلتقيهم في أروقة المحاكم، وما يبثُّونه من هموم وإحباطات وضيق وشعور بالتَّعاسة والنَّدم، احتشدت وجثمت على صُدورهم بسبب تراجع الأخلاقيَّات والقِيَم الإنسانيَّة النبيلة، كالتسامح والصِّدق والأمانة والعفو والسَّخاء والرَّحمة والتجاوز عن الأخطاء والترفع عن الشكليَّات... واتِّساع وشيوع ثقافة الماديَّات والمظاهر، وسطوة المال والتعلق به على حساب الأعراف والمُثل والعلاقات الإنسانيَّة السَّامية؛ فأدَّت ـ للأسف الشَّديد ـ إلى تحجُّر القلوب وتصحُّر العقول، وأصبحت النفوس تتلاعب بالبشر وتقودهم إلى الشراك. فسرد على مسمعي عشرات القصص «النماذج» ـ مأساة الإنسان ـ كما أطلق عليها، عن النفس التي تضعف وتنهك صاحب النفس، أي مالكها والمهيمن عليها، كما يفترض وبحسب ما أُمر به، لكنَّه أعرض وكفر بالأوامر ليتحوَّلَ إلى أداة منقادًا وتابعًا لها، منفذًا لأوامرها، فانعكست الآية. فلا يفيق من سُباته وغفلته، كما هي العادة، إلَّا بعد فوات الفوت، وبعد أن تكونَ النفْس قد قذفت به في أغوار الشقاء والبؤس وشراك الشرور واليأس؛ أي بعد أن يكتشفَ بأنَّها قد دمَّرته، ودمَّرت ـ بسبب ضعفه واستسلامه للنفس الأمَّارة ـ آخرين غيره. ساعتها تموت الشهوات والرَّغبات والأهواء، وتنطفئ جذوة الانتصار والتحدِّي، والإحساس المتعاظم بالكبرياء والغرور والحقد الدَّفين التي سيطرت عليه دهرًا، وفي المقابل تنهض من سُباتها لسَعات الضمير والنَّدم، ويرتفع بقوَّة صوت العقل مؤنبًا وملومًا ولاذعًا، وتتأجج المشاعر الإنسانيَّة فتنتصر للأخلاق والقِيَم السَّامية، وتتعاظم الرَّغبة في العودة إلى البدايات عندما كانت البراءة ونقاء القلب وصفاء الروح وجمال الحياة والبساطة... هي الخصائص والسِّمات التي يتفاعل معها، ويتنشأ عليها، ويمتزج بها، وتمزج سلوكيَّاته وتصرُّفاته ومنتهى نيَّاته وتطلُّعاته وأعماله وقراراته. فكيف تمكنت النفس من إحداث هذه التحوُّلات العميقة في طبيعة وخصائص ونمط تفكير الإنسان؟ أليست هي المسؤولة عن هذا التبدُّل بوسوستها وتهييجها ومطالبها النشطة ورغباتها الملحَّة، وإشغال الإنسان بسفاسف الأمور والشكليَّات والمقارنات التي تشعل الغيرة، وتؤجّج الأحقاد، وتوغر النفوس، وتفسد الأخلاق والحياة، وتحثُّ الإنسان وتحفِّزه وتدفع به دفعًا، وتضغط عليه بشراسة وقسوة لاستخدام كل الوسائل والأدوات والطُّرق والمكنات والمناهج المحظورة والمحرَّمة التي تنتهك القِيَم والأعراف والأخلاق والقانون، وتورد صاحبها المهالك لتحقيقِ رغباتها وأهوائها وشهواتها ومتطلباتها؟ فالنفس «تشتهي ما تعجز اليد عن الوصول إليه، والنفس تشتهي ما تقع عليه العين، ولا تكتفي، فتتشوق لِنَيْلِ ما تختلقه لنفسها في الخيال، ولا تؤخذ النفس إلَّا بما تشتهي، ولا يهلك الإنسان إلَّا بما يعشق». فيا لخطر النفس على الإنسان إذا سلَّمها القيادة، ومشى خلفها ضعيفًا منكسرًا ذليلًا! ويا لهذه النفس التي لا تكف عن الوسوسة، وتجميل القبيح، وتزيين الباطل، لتحقيقِ رغباتها! ويا لبؤس الإنسان إذا تهاون وغفل وانكسر، وأهمل التقييم والتقويم وضبط وتهذيب نفسه، ولم يقتل لحظتها كل وسوسة تزين له عملًا قبيحًا، وفعلًا مشينًا، وتحقيق رغبة بوسيلة محرَّمة ومحظورة.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]