من الشعارات التي يرفعها اليمين المتطرِّف أنَّه «ضدَّ المؤسَّسة»، وهو ما يُمثِّل أيضًا خطرًا يحذِّر منه البعض لأهميَّة المؤسَّسات في إدارة شؤون النَّاس والدول والعالم. لليمين منطقه الذي يجادل بأنَّ المؤسَّسات «قيد بيروقراطي على انطلاق الشعوب»، ويجادل مَن يحذِّرون من صعود اليمين المتطرِّف بأنَّ هذه «الشَّعبويَّة» قد تجذب حماس النَّاس، لكنَّها في الحقيقة توجُّه «هدَّام» يدمِّر ما هو موجود دون تقديم البديل. بين هؤلاء وأولئك، هناك مُشْكلة حقيقيَّة تتعلق بالمؤسَّسات ذاتها في العقود الأخيرة، وتحديدًا منذ نهاية القرن الماضي. فتلك المؤسَّسات ـ خصوصًا الدوليَّة التي تكوَّنت في ظلِّ الحرب الباردة ـ تبدو في أغلبها وكأنَّها أصبحت «غير ذات صلة» بواقع العالم الذي يتشكل منذ ثمانينيَّات القرن الماضي. ولعلَّ الأُمم المُتَّحدة هي النموذج الأمثل على هذا الوضع الذي تضعف فيه المؤسَّسات من داخلها إلى جانب تعرُّضها للضَّغط مع صعود التَّوَجُّهات الشَّعبويَّة يمينيَّة كانت أو يساريَّة.
إلَّا أنَّ مؤسَّسات أخرى بدأت بالفعل تفقد معناها مع تغيُّرات عالميَّة تجاوزت الأهداف التي تكوَّنت من أجْلِها. وإن كان بعض تلك المؤسَّسات يغلِّف استمرار الأهميَّة الظاهريَّة له بأنَّه إذا كان النظام السياسي في العالم في مرحلة «ميوعة» فإنَّ النظام المالي والاقتصادي ما زال متماسكًا ويخضع للقواعد والأصول التي أُرسيت منذ منتصف القرن الماضي. يبدو ذلك التصوُّر مبالغًا فيه في الواقع الفعلي. ولْنأخُذ مثالًا: صندوق النَّقد الدّولي الذي يعقد اجتماعات الخريف هذه الأيَّام. تَشكَّل الصندوق، مع البنك الدولي، بعد نهاية الحرب العالميَّة الثانية ومهمَّته الأساسيَّة دعم استقرار النظام المالي العالمي ودعم الحكومات التي تواجه مشاكل يمكن أن يؤدِّيَ تفاقمها إلى الإضرار باستقرار النظام. ومن مساهمات الدول الأعضاء في الصندوق، يوفِّر قروضًا ميسَّرة إلى حدٍّ ما لأيِّ دولة عضو تعاني من أزمة في ماليَّتها العامَّة كي تصلحَ من أحوالها وتتفادى الإفلاس. على أن تكونَ تلك القروض مشروطةً بأنَّها تساعد على الإصلاح، وليست مجرَّد قروض تجاريَّة لتحقيقِ أرباح مثل ما تفعله أسواق الدَّيْن وصناديق القِطاع الخاص للاستثمار في الديون. من هنا جاءت انتقادات كثيرين لشروط الصندوق المرتبطة بقروضه ـ خصوصًا للدول النَّامية والصَّاعدة ـ وما تُمثِّله من «فرض» سياسات اقتصاديَّة لها تبعات سياسيَّة واجتماعيَّة.
في السنوات الأخيرة، أصبحت تقارير الصندوق ومواقفه أقرب إلى الأدوات السياسيَّة منها إلى الماليَّة والاقتصاديَّة. بل إنَّ البعض يتَّهم الصندوق بأنَّ قروضه للدول المتعثرة تُقرَّر لاعتبارات سياسيَّة أيضًا، وليست ماليَّة واقتصاديَّة فحسب. وبما أنَّ الولايات المُتَّحدة هي المُسهِم الأكبر في الصندوق، فإنَّ المفهوم أن تكونَ توَجُّهاته إلى حدٍّ ما انعكاسًا لسياسات واشنطن في العالم. صحيح أنَّ أميركا هي أكبر اقتصاد في العالم، وأنَّها تتحكم في عملة الاحتياط الدوليَّة، الدولار، لكن المقصود بتأثيرها هنا ليس المالي والاقتصادي فحسب، وإنَّما موقفها من الدول الأخرى الأعضاء في الصندوق. رُبَّما يكون كل ذلك مفهومًا في ضوء توازن القوى في العالم، سياسيًّا واقتصاديًّا وماليًّا. لكن المُشْكلة أنَّ الصندوق ـ مثله مثل مؤسَّسات أخرى ـ يعمل على إضعاف دَوْره والحياد عن الهدف الأساسي الذي أُنشئ من أجْلِه فيُسهم في جعله «غير ذات صلة».
أهمُّ مَلْمَحَيْنِ في اجتماعات الخريف هذا العام، من تقارير الصندوق وتصريحات مديرته، هما مطالبته الدول الغنيَّة بتقليص الإنفاق على الخدمات والدَّعم للفئات «الهشَّة» في بلادها، وحماسه للذَّكاء الاصطناعي؛ باعتباره قاطرة النُّمو الاقتصادي العالمي المستقبليَّة. من الواضح أنَّ الصندوق «يزايد» على اليمين المتطرِّف الذي يتبنَّى مواقف متطابقة تقريبًا. فضبط دفاتر الماليَّة العامَّة، وإن كان مطلبًا منطقيًّا للاستقرار المالي، إلَّا أنَّ الوسيلة التي يدعو إليها الصندوق ليست الأمثل. خصوصًا وأنَّ عجز الميزانيَّات سببه، إلى جانب زيادة الاقتراض ومدفوعات خدمة الديون، هو الإنفاق على بنود أخرى مثل التسليح ودعم الصناعات العسكريَّة، وتوفير الطاقة لمراكز البيانات الكبرى التي تشغِّل الذَّكاء الاصطناعي. أمَّا التبرير الذي يُقدِّمه الصندوق لمطالبته بخفض الإنفاق على السياسات الاجتماعيَّة، مثل معاشات التقاعد والمساعدات للفئات الفقيرة، فهو لا يختلف عن شعارات اليمين المتطرِّف. بل إنَّه تبرير يثير شقاقًا اجتماعيًّا خطيرًا في الدول المعنيَّة، حين يُتَّهم المتقاعدون مثلًا بأنَّهم يتلقَّون دعمًا من مدفوعات التأمينات التي تقتطع من الأجيال الجديدة التي تعمل حاليًّا. فهذه المغالطة، التي يروِّج لها سياسيون متطرِّفون، لا علاقة لها بالواقع. فالمتقاعدون يحصلون على معاشات من صندوق التأمينات الذي ضخُّوا فيه أموالهم المستقطعة من رواتبهم وأُجورهم على مدى سنوات. كما أنَّ الفئات الضعيفة المستحقَّة للدَّعم، مثل غير القادرين على العمل لأسباب صحيَّة وغيرهم، إنَّما تتلقى مساعدات هي عبارة عن مساهمات إمَّا دفعوها كمستقطعات تأمينات وهم يعملون، أو دفعها بقيَّة العاملين في المُجتمع. صحيح أنَّها كلَّها «بنود إنفاق» في الميزانيَّة العامَّة، لكنَّها ليست منحًا ولا هباتٍ من الحكومات للشَّعب كما يروِّج المُضلِّلون.
أمَّا التهليل للذَّكاء الاصطناعي كأنَّه المُنقِذ للاقتصاد العالمي فليس إلَّا ترديدًا لموقف الرئيس الأميركي والمجموعة الصغيرة من مليارديرات التكنولوجيا الأميركيين الذين يبشِّرون بالتحوُّل الهائل في العالم عبر تطوير الذَّكاء الاصطناعي. مع أنَّه حتى الآن ليس هناك سوى فوران أسواق، وليس اقتصادًا حقيقيًّا، نتيجة الاستثمارات الهائلة في هذا القِطاع التكنولوجي والمغالاة في تقييم شركاته. وذلك وسط شكوك عميقة حول تأثيره وتبعات استخدامه مستقبلًا.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري