لم تأت الحداثة في اوروبا إلا لإحداث التغيير الدراماتيكي في المجتمع، في الثقافة والفكر وغيرها من الصناعات.هذا التغيير الذي فتح آفاقا جديدة لبداية عصر جديد ومرحلة جديدة وانقلابا على كل ماهو قديم. بدأت الحداثة في اوروبا في القرن الخامس عشر، ولأنها فلسفة وثقافة جديدة، لم يألفها المجتمع الاوروبي من قبل، فلم تسلم من النقد من قبل المفكرين والفلاسفة، فقد نالت شتى الانتقادات من المفكرين والفلاسفة الأوروبيين أنفسهم منذ نشأتها الأولى، ثم جاءت بعد ذلك ما يعرف ما بعد الحداثة،و كان لنتشه المفكر الالماني المعروف دور في التنظير، وعبر عن رأيه وتوجهاته في ما ترمي إليه الحداثة وما بعد الحداثة. ورغم كل ذلك إن ما يهمنا هنا المجتمعات العربية كيف تفاعلت مع الحداثة التي وصلتنا بعد قرون ،إذ كان لا بد من توجه جديد وتحولات تطال المجتمعات العربية والخليجية. اذا ما عرفنا، أن هناك بعثات دراسية بدأت ترسلها بعض الدول العربية كمصر من خلال الطهطاوي وغيرهم الى جانب ما يعرف بأدباء المهجر الذين كان لهم ايضا دور اثقافي وادبي. ولا نعني بالتحولات احداث تغييرات جوهرية فما عندنا من تراث وثقافة اسلامية اصيلة يكفي، فقط تحتاج الى البناء عليها وتطوير تراثنا وإيجاد مرونة اكثر. وإحداث تحولات درامية على صعيد المؤسسات الفاعلة وممارسة العمل الثقافي والسياسي والفكري. فالحداثة لا تعترف بكل ما هو قديم وجامد، وانما تعترف بمفهوم التغيير الذي يجب ان يحصل في هذه المجتمعات ولكن ليس على صعيد هويتنا الراسخة.. كيف بدات وكيف وظفت وترجمت الحداثة التي غيرت جميع المفاهيم، وفي ظل هذه التغييرات الحداثوية ما هي هذه الانجازات والتغييرات التي قادتها الحكومات في مؤسساتها الفاعلة، وهي مؤسسات اجتماعية قبل كل شيء .ان على المجتمعات الخليجية والعربية ان تعي جيدا اهمية الارتقاء. والتاريخ يذكرنا كيف استطاع الاندلسيون بناء حضارتهم والتطور الذي احدثوه وهم في قلب اوروبا لعدة قرون، وان يكونوا مرآة مشرقة تعج بالعلماء والفلاسفة والشعراء، كابن رشد وابن زيدون وابوالبقاء الرندي وغيرهم. لقد كانت المدن الاندلسية مصدر اشعاع لاوروبا، وكانت قرطبة مصدرا غنيا لتصدير الثقافة لاوروبا، اذ لم تكن تعرف اوروبا حركة ثقافية بعد في تلك القرون. لذلك عندما نتكلم عن الحداثة انما نريد بذلك التذكير بأهمية التجديد وتجدد المجتمعات نحو الافضل، والمؤسسات بمختلف انواعها. اذ لا يستقيم بناء الدول بالدعاية، وانما بتفاعل كل اطياف المجتمع. سواء مثقفون ومفكرون ورجال الساسة والاقتصاد. هكذا في الواقع يتبرمج مفهوم الحداثة بالبرامج العملية لقيادة النهضة والتغيير والتنوير. ولم تتوقف الحداثة في الواقع عند مجالات معينة وانما شملت مسارات مهمة في الشعر، فالى جانب القصيدة العمودية المعروفة بالقافية والوزن تشكلت ما يعرف اليوم بقصيدة التفعيلة على يد نازك الملائكة والسياب وغيرهما في العراق، وقصيدة النثر أو ما يعرف اليوم بمفهوم الشعر الحر. لقد كان تحول غير عادي في مسار الشعر والادب بشكل خاص، والثقافة العربية بشكل عام، وقد شمل ذلك اقطارا عربية كمصر وسوريا ولبنان والمغرب العربي ثم بعدذلك دول الخليج العربي. لقد كانت الحداثة ثورة جارفة بكل معنى الكلمة، ومن لم يمش في مسارها جرفته كما يقول المفكر المغربي محمد عابد الجابري، لقد كان تغييرا شديد الحساسية في مفهوم تغيير الثقافة والفكر العالمي.
محمد الرحبي
كاتب وشاعر عماني